آداب العطاس 2

آداب العطاس 2

الدرس في آداب العطاس 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

آداب العطاس والتحميد

درس يشرح آداب العطاس في الإسلام ويبين حكم قول الحمد لله عند العطاس، ويعدد صيغ التحميد المشروعة مستدلاً بالأحاديث النبوية.

تنبيهات حول صيغ الحمد

النص يحذر من إضافة ألفاظ غير مشروعة إلى صيغ الحمد عند العطاس، ويشير إلى أن هناك صيغًا محددة وردت في السنة النبوية.

حكمة مشروعية التحميد

المقطع يشرح حكمة قول الحمد لله عند العطاس، حيث ذكر العلماء عدة علل لذلك منها دلالة العطاس على قوة الجسد واستفراغ الأذى.

خاتمة الدرس والدعاء

المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه ويختتم بالتأكيد على علم الله تعالى.

  • 15 جمادى الأولى 1443هـ - 19/12/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان الشروع في ذكر آداب العطاس، وكان مما ذكر في درس أمس ما يتعلق بعادة العرب من تشاؤمهم وتطيرهم من هذه الظاهرة إلى درجة الاعتداء والتعدي على العاطس بالدعاء عليه، فجاء الإسلام وأبطل هذه العادة الجاهلية وأبدلها بالدعاء له. وكان كذلك الحديث عن قوله عليه الصلاة والسلام بأن الله يحب العطاس، وذكرنا وجه ذلك، وأن هذا إنما لما تفرع عنه العطاس فهو محمود محبوب، ومنه العطاس من الله. وكذلك علمنا هل هذه المحبة عامة لجميع أنواع العطاس أم أنه عام مخصوص؟ قد مر ذلك معنا، وذكرنا ما جاء في الأحاديث أن آدم عليه السلام هو أول من عطس، وذلك عند نفخ الروح فيه. كذلك من المسائل المهمة، إخواني في الله، وهي ما الذي ينبغي على المسلم إذا عطس؟ الذي ينبغي عليه إذا ابتلي بهذه الظاهرة أنه يذكر الله سبحانه وتعالى، وذلك بحمده، يحمد ربه سبحانه وتعالى، هذا الذي شرع له. وذلك لما ثبت في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله»، إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله. فدل هذا الحديث على أن هذا الذي يشرع لكل عاطس، رجلاً كان أو امرأة، أنه يحمد ربه على هذه الظاهرة التي اعترضت عليه. ومن هنا تأتي مسائل مهمة لا بد أن نعرّج عليها. أولى هذه المسائل: ما حكم التحميد؟ ما حكم التحميد كونك تقول الحمد لله بعد العطس؟ ظاهر النصوص يدل على الوجوب، فهذا الحديث الذي مر معنا، قال عليه الصلاة والسلام: «فليقل»، «فليقل»، وهذه دلالة على الأمر، والأمر يدل على الوجوب. والأمر يدل على الوجوب، إلا أن الإمام النووي رحمه الله تعالى نقل الاتفاق على أن تحميد الله مستحب. نقل الاتفاق على ذلك أنه مستحب، لكن نقل الخلاف عن ابن حزم رحمه الله أنه يرى الوجوب، يرى أنك تحمد الله بعد العطس أنه واجب كما قلنا لظاهر النصوص. لهذا، إخواني في الله، فالمسلم إذا هذا الخلاف عليه أن لا يبخل على نفسه بأن يحمد ربه عند العطس، لا تترك هذا، فإن كان الأمر واجبًا إذن تأثم، ستأثم إن تركت الحمد، وإن كان على قول من يقول بالاستحباب وهو مستحب، إذن ماذا؟ قد حرمت نفسك من أجر عظيم. فالله يحب العطاس، ومن عظيم محامد العطاس أن فيه ذكرًا له، ذكرًا له جل في علاه. فهذه المسألة الأولى ينبغي أن نتعهدها بالعمل، وهو أننا نذكر ربنا حمدًا عند عطاسنا. تأتي مسألة أخرى، إخواني في الله، بعد هذه المسألة، وهي: ما هي صيغ التحميد؟ قد علمنا أنك تحمد ربك، طيب ما هي صيغ الحمد التي يشرع للعاطس أن يأتي بها؟ هناك صيغ قد جاءت بها السنة المطهرة. الصيغة الأولى، وهي الصيغة المشهورة المعهودة المعروفة عند كثير من الناس، وهي أن تقول: الحمد لله. وهذا أصبح الصغير والكبير والذكر والأنثى، الكل على هذه الصيغة، إذا عطس قال: الحمد لله. نعم، هذا ثابت، وهذا قد جاء كما مر معنا في البخاري من حديث أبي هريرة: «إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله». هذا ثابت لا إشكال فيه. الصيغة الثانية: لك أن تقول: الحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، تضيف هذا القيد وهذا الوصف، وهذا قد ثبت كذلك من حديث ابن مسعود، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله رب العالمين». هذه الصيغة الثانية، وهذا الحديث يحسنه شيخ الألباني رحمه الله، رواه الحاكم والبيهقي بسند صحيح. وهناك صيغة ثالثة، صيغة ثالثة عند العطس، وهو أن تقول: الحمد لله على كل حال. الحمد لله على كل حال، وذلك لما ثبت من حديث أبي أيوب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله على كل حال». وهو في صحيح الجامع. فهذه الصيغ الثلاثة، إخواني في الله، جاء ذكرها في السنة، والروايات صحيحة ثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام. فعلى ماذا يدل هذا؟ نقول كما قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: قال القاضي عياض: واختلف العلماء في كيفية الحمد والرد، فقيل: يقول الحمد لله، وقيل: الحمد لله رب العالمين، وقيل: الحمد لله على كل حال. قال أبو سعيد: هو مخير بين هذا كله. قال النووي: وهذا هو الصحيح، إذا ما الصحيح؟ أنت مخير، أنت مخير. فإن عطست يومًا فقلت: الحمد لله، مقبول، مرة ثانية: الحمد لله رب العالمين، تقبل منك، عطست يومًا آخر فقلت: الحمد لله على كل حال، كذلك تؤجر. فهذه الصيغ الثلاث، إخواني في الله، قد جاءت بها السنة، وعليها العمل، والإنسان فيها مخير. وهنا تنبيه، إخواني في الله، ونحن نتحدث عن صيغ الحمد، ونعرج على تنبيهين اثنين متعلقين بالألفاظ. المسألة الأولى: أنك يا عبد الله إن عطست فحاول أن تأتي بهذه الصيغ مباشرة، مباشرة، لا تفصلها بأصوات، مثال ذلك: تجد بعض الناس اعتاد إذا عطس أنه بعد العطس يصدر صوتًا ليس هو صوت العطاس، بل صوت من نفسه، كان يقول: واو، يعني عطس شديدة، هو عطس ثم يأتي بشيء من التأوهات أو شيء من التعبير، أو كما نسمع من بعض الناس بعد ما يعطس يأتي بصوت هكذا، ثم يقول: الحمد لله. لا، هذه الأصوات يا عبد الله ما لها محل، ما لها محل، فلا تأتي بها. ومن البديهي ما يذكر، ما جاء في الأدب المفرد، وما جاء عند أبي شيبة أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه سمع ابنه بعد ما عطس قال: أش، قال: أش، فقال ابن عمر: وما أش؟ وما أش؟ ما لها محل، هذا الكلام، الأحرف التي تضيفها ما لها معنى ولا شيء. فأنكر ابن عمر على ابنه أنه أتى بإصدار هذه الأصوات، وهي عبارة عن أحرف لا تأتي بها، أنت جاءتك العطسة، اتبعها مباشرة بالحمد، فلا تأتي بأحرف سواء كان عادة أو كان تعبيرًا عن قوة العطسة، لا، هذا ليس له محل، فلا تأتي به، وإنما شرع لك أن تأتي بصيغ التحميد التي قد مضت. التنبيه الثاني في صيغ التحميد، إخواني في الله، أن صيغ التحميد قد علمتها، فلا يضاف إليها شيء آخر، كأن تضيف مثلاً الصلاة والسلام على رسول الله عليه الصلاة والسلام، هذا ليس محله، هذا ليس محله. فالأوراد والأذكار التي علمنا إياها، عليك أن تأتي بها كما هي، لا تضف ولا تزيد، ولهذا جاء عند الترمذي بسند صحيح أن ابن عمر رضي الله تعالى قال: نافع، قال نافع: أن رجلاً كان بجنب ابن عمر، أي بجانبه، فعطس فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله. قال: الحمد لله والسلام على رسول الله. فقال ابن عمر: وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علمنا رسول الله، وليس هكذا علمنا رسول الله. نعم، يعني من حيث التعبد لله بأنني أقول: الحمد لله والسلام على رسول الله، نعم، هذا ذكر، وهذا ورد، وهذا فضل، لكن ليس هذا مقامه، ليس هذا مقامه. وهذا من الخطأ، إخواني في الله، الذي ابتلينا به في هذه الأزمان، أن نجد أن من الناس من يريد أن يدلل على حسن تعبده لربه، فلا يكتفي بالذكر المشروع حتى يضيف إليه أذكارًا من عنده. وهذه بلية رأيناها في أذكار الصلاة، بل حتى عند الإقامة من أراد أن يقيم لا يكتفي بالإقامة الشرعية حتى يأتي بألفاظ من عند رأسه. أو بعض المؤذنين إذا أراد أن يؤذن ليلة الجمعة: إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا، الله أكبر، من أتى بهذا أصلا؟ الدين ليس فوضى بأن كل من حرك رأسه وراء أحد من الفقهاء اجتهد فأتى بذكر وورد يضاف إلى الدين والشريعة والملة، هذا غلط. وكم نحكي مثل هذه المسألة الذي يبتلى بالإضافات. الشاهد، إخواني في الله، أن هذه الإضافة سمعها ابن عمر من صاحبه لما عطس فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله، فقال ابن عمر: وأنا أقول -يعني من حيث الذكر- نعم، الحمد لله والسلام على رسول الله، قال: وليس هكذا علمنا رسول الله. فدل هذا على أن العبرة بالاقتداء والاقتفاء برسول الله، والاتباع لما أتى به نبينا في أذكاره وأوراده. فهذا مما يذكر. مسألة أخيرة أختم بها هذا المقام، إخواني في الله، وهي: قد يقول قائل: لماذا التحميد عند العطاس؟ لماذا جئنا عند العطسة شرع لنا أن نحمد الله؟ عندنا الأذكار كثيرة، لماذا ما يقال: من عطس فليقل الله أكبر، أو ليقل سبحان الله، أو ليقل كذا؟ لماذا شرع التحميد بالذات؟ أولاً، إخواني في الله، من خلال هذه المسائل، المسلم لا يسأل عن ذلك، أو لا بد أن يتعرف على العلة والحكمة، لأن المسلم، إخواني في الله، هو مأمور بالاتباع بما جاء عن الله وعن رسول الله عليه الصلاة والسلام، علمت العلة أو لم تعلم، لكن عليك أن تستيقن أن الشرع ما أتى بشيء إلا لصالحك، وفيها من المنافع ما الله به عليم، فاتبع. ولكن لا بأس أن تبحث عن العلة من باب الاستئناس والاطمئنان، مثلاً لا بأس، أما أن تجعلها هي الأصل: لا أود أن أعرف العلة حتى أفعل، وإن لم أعلم لا أفعل، هذا ليس من طريقة المسلم، وليس من طريق المنقادين لشرع الله. إذن، المسلم، إخواني في الله، ينبغي أن ينقاد لأحكام الشريعة، علم بالعلة أو لم يعلم. ثانيًا، العلماء من أهل الشرع وأهل الطب التمسوا الحكم والعلل في سر التحميد لله جل وعلا عند العطاس، وذكروا من هذه الأسباب عدة أسباب. منها: قال العلماء أن العطاس هو في الحقيقة دلالة على قوة وصحة الجسد، هذا قد يستغرب، لكن هذا مذكور. فالعلماء يذكرون أن من الأمارات الدالة على صحة الجسد وعلى قوته عطاس صاحبه، إذا عطس، ما شاء الله، جسمك سليم، جسمك سليم. ولهذا يقول ابن هبيرة رحمه الله تعالى: قال: فإذا عطس الإنسان استدل بذلك من نفسه على صحة بدنه وجودة هضمه واستقامة قوته، فينبغي له أن يحمد الله. إذن، هذا علة قد نتعرف عليها لأول وهلة، على أن هذه الظاهرة -العطاس- دلالة على قوة بدنك، وتستدل أنت ما تحتاج إلى أن تذهب إلى أي مكان، بل أنت تستدل على قوة جسدك بالعطاس. ولها قد نقل عن بعض الأطباء كالرازي أنه قال: العطاس لا يكون أول مرض أبدًا، ما يكون هذا أبدًا، العطاس دلالة على مرض، لا، قال: إلا أن تكون زكمة، زكمة نعم، لكن إذا كان شخص يعطس، لا تظن أن هذا أول مرض، لماذا؟ لأن عند الأطباء مقرر عندهم أن العطاس دلالة على قوة وصحة البدن. فإذا علمنا هذا، إذا ناسب أمام هذه الظاهرة أن تحمد الله، لأن الله أراك من نفسك ما يدل على صحة بدنك. هذه علة. علة ثانية: أن العطاس فيه استفراغ للأذى، استفراغ للأذى الموجود في نفسك، فيخرج هذا مع العطسة. يقول علامة ابن القيم رحمه الله: «ولما كان العاطس قد حصلت له بالعطاس نعمة ومنفعة بخروج الأبخرة المحتقنة في دماغه، التي لو بقيت فيه أحدثت له أدوية -أي أمراضًا- فشرع له حمد الله على هذه النعمة». إذن، هذه علة أخرى، وهو أن بالعطاس، يا عبد الله، هو استفراغ للأذى الموجود في الرأس والدماغ، وهذه منفعة، ما الذي ينبغي إزاءها؟ أنك تحمد الله، فتقول: الحمد لله عند العطاس. ثالثًا، كذلك ما قرره العلماء على أن من أسباب تحميد الله عند العطسة أن الله سلم لك البدن وسلم لك الجسد، إذ يقرر الأطباء في علم الطب أن حركة العطاس هي في الحقيقة عبارة عن هزة عظيمة تصيب الجسد، بل يصرح بعضهم أن ما هناك عضو من أعضائك إلا واهتز عند العطاس. فلولا إنعام الله عليك لتشتت وتمزق بدنك لقوة العطسة، ولهذا كما يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: «فإن العطاس يحدث في الأعضاء حركة وانزعاجًا، بل شبه ابن القيم أن العطاس هي زلزلة للبدن كما تزلزل الأرض». فكان من إنعام الله عليك أن حافظ ربك على هذه الأعضاء سليمة، فماذا كان واجب عليك؟ أن تحمد الله. إذن، هذه العلل وغيرها كثير يذكر العلماء في سبيل بيان لماذا شرع للعاطس أن يحمد الله، لأنه قد حصل من هذه العطسة منافع عديدة، عليمها من علمها، وجاهلها من جاهلها. ووقف مسائل، إن شاء الله، تترك في درس غد. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.