الدرس في آداب العطاس 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول آداب العطاس وكيفية التعامل مع العاطس عند حمد الله، ويشرح اللفظ الصحيح للتشميت. يشدد على أهمية سماع التحميد أو الاكتفاء بسماع غيرك له.
يبحث في حكم تذكير العاطس الذي لم يحمد الله، ويعرض آراء الفقهاء المختلفة حول هذا الموضوع، واستدلالاتهم من الأحاديث النبوية.
يتناول أحكام تشميت العاطس في حالات متعددة مثل عدم الحمد أو عدم اليقين بالحمد، ويعرض آراء السلف والأدلة الشرعية من الأحاديث والآثار.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمما ذكر إخواني في درس أمس ما يتعلق بآداب العطاس، ما أشار إليه العلماء من خفض الصوت عند العطاس، وبرفع الصوت عند الحمد، وبطغطية الوجه، وخاصة الأنف والفم، وذلك لما أثير عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. ثم كان العروج على مسائل التشميت، أو التسميت، بالشين والسين لغتان، وبمعنى الدعاء لمن عطس، كما جاء ذلك في أحاديث كثيرة، وأنها من حقوق المسلم على المسلم، وأن هذه من المسائل الشرعية والمشروعة. ثم اختلف العلماء في شرعية التشميت، هل يصل إلى حد الوجوب، على أقوال ثلاثة سردناها في درس أمس، وكان من أقواها أن الوجوب ينسحب على كل سامع من حمد الله في عطاسه، فإنه يشمت، أي يدعى له. وقلنا أن التشميت، إخواني في الله، أي الدعاء للعاطس، هذا متى ما حمد الله، لقوله عليه الصلاة والسلام عندما شمت أحد العاطسين ولم يشمت الآخر، فلما استنكر الآخر من عدم التشميت له، أخبره عليه الصلاة والسلام بأن ذاك حمد الله وأنت لم تحمد الله. فدل على أن التشميت والدعاء للعاطس إنما يكون متى ما حمد الله سبحانه وتعالى. هنا مسألة كذلك مهمة، وهل يشترط أنك تسمع بنفسك تحميد العاطس، أم يكفي أن غيرك يسمع؟ الجواب الثاني يكفي أن غيرك يسمع، ربما أنت في مجلس سمعت عطاس أحد من الناس، لكن لم تسمع التحميد، لكن غيرك سمع، فرأيت الناس أخذوا يشمتونه يدعون له، فهل هذا يكفي؟ هذا يكفي، فأنت قم أدع له. ومثله كذلك كما أشار إلى ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى، أن أخرس عطس، طبعًا لن يتكلم ولن تسمع منه التحميد أبدًا، لكنك نظرت إلى فمه فرأيته يتمتم، فعلمت أنه يحمد الله بعد عطاسه، فهل تقول أنا ما أشمت لأنه لم أسمع منه العطاس؟ لا يشمت، لأنك قد تحققت أنه قد حمد الله. فهذه المسألة، إخواني في الله، مما يكون على انتباه لها، بأنه إما أنك تسمع بنفسك أو أن غيرك سمع، فحينها تشمت مع الشامتين، أي أنك تدعو لهذا العاطس. بقي مسألة وهي التشميت، وهو أنك تدعو للعاطس، يا ترى بأي لفظ؟ بأي لفظ تدعو له العاطس إذا حمد الله؟ فإنك تدعو له بالرحمة، وذلك لما جاء في البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام «إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه يرحمك الله». فهذا الذي أنت أمرت بأن تدعو له، أي للعاطس، تدعو له بالرحمة «يرحمك الله». وهذه المسألة، إخواني في الله، تدل على محاسن الشريعة. تخيل أن هذا الأدب فشى بين الناس وانتشر، فكل من عطس وحمد الله تتنهال عليه الدعوات بالرحمات، ما أثر ذلك على هذا المجتمع؟ الترابط، الالتحام، التواد، التعاطف، اللين. تخيل رجل غريب، أنت في باص، أنت في عيادة، أنت في ممشى، أنت في محل، أنت في دكان، في أي مكان، فإذا برجل ما تعرفه عطس فقال الحمد لله «يرحمك الله»، ما تعرفه، لكن هذا أثر عظيم على المجتمع، وهذا من محاسن الشريعة أنك تدعو له، وبماذا تدعو له؟ بالرحمة، إشارة إلى ضرورة التراحم بين المسلمين، ولو مع الغرباء، بما أنه مسلم، فإنك تدعو له بالرحمة، تقوله «يرحمك الله». هذا إذا كان مسلمًا، بقي إذا كان كافرًا. تخيل أنك في مكان، في شركة، فإذا برجل كافر، يهوديًا كان أو نصرانيًا، عطسًا، لربما يحمد الله، فهل تقوله «يرحمك الله» تدعو له بالرحمة؟ الجواب لا، الكافر لا يدعو له بالرحمة، وأي رحمة تنزل عليه وهو قد حاد الله ورسوله، الكافر لا يدعو له بالرحمة، ولو حمد الله على عطاسه، ما يدعو له بالرحمة، لكن يدعو له بالهداية، وقد جاء ذلك عند أحمد وأبي داود بإسناد صحيح من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه. أن اليهود كانوا يتعاطسون عند رسول الله رجاء أن يقول لهم «يرحمكم الله»، انظر إلى الخبث والدهاء، مع أنهم يقولون بأنك كذاب وأنك لست بنبي وأنت لست برسول، لكن هذا بطرف ألسنتهم، لكن في قرارة قلوبهم يعلمون بصدق النبوة، فكانوا يطمعون من رسول الله أن يجعلوا لهم بالرحمة، فماذا كان يفعل نبينا إذا سمع هذا التعاطس من اليهود؟ يقول لهم «يهديكم الله ويصلح بالكم»، يدعو لهم بالهداية، فهذه السنة، فإن سمعت نصرانيًا مثلًا في شركة أو بعض هذه اللجان عطس، فلك أن تقول «يهديك الله»، تدعو له بالهداية، هذا الذي يستحقها. طيب مسألة كذلك، إذا عطس الصغير، رجل ولد صغير عطس فحمد الله، ماذا ترد عليه؟ هل ترد عليه كالكبار «يرحمك الله» أم هناك دعوة أخرى وهي بالتبريك؟ نعم، ذهب بعض الفقهاء إلى أن الصغير إذا عطس فحمد الله، فإنه يدعى له بالبركة، واستمدوا بما جاء في بعض الآثار من أن غلام لم يبلغ الحلم عطس فحمد الله، فقال له نبينا «بارك الله فيك يا غلام»، لكن هذا الحديث الذي عليه المستند في هذه المسألة لا يصح. فما دام أنه لا يصح، فالصحيح في هذه المسألة أن الصغير كالكبير، متى ما عطس فحمد الله، فإنك تدعو له بالرحمة، تقول له «يرحمك الله». إذا نرجع إلى المسألة، أخواني في الله، قضية التشميت، وهو إن عطس أحد من الناس فحمد الله، فإنك ترد عليه بقولك «يرحمك الله»، وإن لم يحمد الله على عطاسه، فإنك لا تدعو له بالرحمة. بقي في هذه المسألة هل لك أن تذكر هذا العاطس؟ أنت في مجلس، وهذا كثيرًا ما يقع، إخواني في الله، في بعض المجالس، ولغالبة النسيان ولغالبة الجهل، تجد أحد الحاضين يعطس ثم تنظر إليه هل سيقوم بحمد الله؟ فإذا به صمت ما يتكلم ولا يذكر الله بشيء، هنا لا تقول له «يرحمك الله» لأنه ما ذكر الله، طيب هنا تأتي مسألة هل يذكر؟ تنبهه؟ قل الحمد لله، تتم لتذكيره له بالخير، هذه مسألة وقع فيها خلاف. فمن أهل العلم من يرى أن العاطس إن لم يحمد الله، فلك أن تذكره، لعل نسيانًا، لعل غفلة، لعل ذهولًا، تذكره، وهذا الذي نصره الإمام النووي رحمه الله تعالى، وجاء عن بعض السلف كالنخعي رحمه الله، وذكر النووي أن هذا من باب التعاون على البر والتقوى، وأن هذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن هذا من باب التعاون على الخير، قواعد عظيمة دلت عليه الأدلة تسعفك على أنك تذكره. وقال له: يا أخي إحمد الله، تعلمه إن كان جاهلًا، وتذكره إن كان ناسيًا. وطائفة من الفقهاء ومن العلماء يقول: لا ما يذكر، وهذا قول كذلك جماعة من الفقهاء، كابن العربي المالكي رحمه الله تعالى، ونصر هذا المذهب ابن القيم، وانتصر لهذا القول، وقال هذا لا يذكر، وأعظم ما استدل به الأحاديث التي مرت معنا في أن النبي في مجلسه عندما قام أحد الناس بحمد الله شمته ودعا له، والثاني الذي لم يحمد الله سكت عنه نبينا، ما ذكره. قال: انظروا ما ذكره، ما قال قل أو لا تنسى، لا تركه، فما شمته وما دعا له. ولهذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فالذي لا يذكر الله عند عطاس يترك، أين يترك؟ تعزيرًا وأنا عقوبة لأنه غفل عن ذكر الله، فلا يدعى له ولا يذكر بهذه الفضيلة التي هو بجهله وغفلته نسيها. فالمسألة كما قلنا، أخواني في الله، فيها خلاف بين الفقهاء في حق الذي لم يحمد الله على عطاسه، أي يذكر أم لا يذكر؟ وسمعتم قول كل مذهب وما استدل به، مع التنبيه على من يقول بالتذكير، قد يقول بعض الناس: أخي أنا أرى أنه يذكر، سبحان الله، قد يكون ناسيًا، قد يكون مشغولًا، قد يكون أنا سأذكره، فانتبه يا من ترى التذكير، حاول أن يكون التذكير بلا باقة، يكون بالتي هي أحسن، لا عن عنف، لا عن كره، وقد أثر هذا عن السلف رحمهم الله تعالى. فقد جاء عن ابن المبارك رحمه الله تعالى كما حدث بذلك الإمام الأوزاعي أن رجلا كان بجنب ابن المبارك عطس فلم يحمد الله، فقال له ابن المبارك: ماذا يقول الرجل إذا عطس؟ فأجاب: الحمد لله، قال: يرحمك الله. ومثله كذلك ما نقله المروذي رحمه الله تعالى عن الإمام أحمد، يفسي القصة بأن الإمام أحمد كان في مجلس فكان بجواره رجل عطس فلم يحمد الله، فانتظره الإمام أحمد، انتظر رجل عليه يحتاج لأن يعيد شتاته نفسه فيحمد الله، فما ذكر الله حتى كاد القوم أن يقوموا من مجلسهم. فقال إمام أحمد لهذا الرجل: ما تقول إذا عطست؟ ماذا تقول إذا عطست؟ قال: أقول الحمد لله، قال: يرحمك الله، يرحمك الله. فهذا على مذهب كثير من العلماء ممن يرى التذكير في مسألة العاطس أنه يذكر الله بالتحميد، أن يكون هذا بأسلوب حسن. فإن أردت التذكير يا عبد الله اجعلها دعوة بالتي هي أحسن. ومسألة خلافية في هذا الباب كذلك مسألة، إخواني، ما لو أنك في مجلس سمعت عطاس رجل لكن أنت لا تدري هل حمد الله أم لم يحمد الله؟ وهذه الآن صورة ثالثة عندي، ثالث صور. الصورة الأولى: عطس فلم يحمد الله، هذا لا يشمت، بقي التذكير أو لا يذكر، مسألة خلافية. الصورة الثانية: من عطس فحمد الله، فهذا يشمت، تقول له «يرحمك الله». الصورة الثالثة: ما عندك علم، يعني أنت مشغول تبحث، عطس أحد الناس، فالتفت، إذا أنت سمعت العطاس لكن لم تسمع التحميد، وما تدري هل عطس فتدعو له بالرحمة أو لم يعطس فتكف عنه؟ أنت وقعت الآن في إشكال. هنا قال علماء من الحلول لهذه القضية: أن تعمل بغلبة الظن. غلبة الظن مثلًا أن هذا الرجل تعرفه من أهل الخير، من أهل الفضل، من المحبين للفضائل، وما يتوقع من أن يترك هذه السنة، ما تتوقع، تقول هذا أكيد ذكر الله وإن لم أسمع، لكن يغلب على ظني، لأنك قد انشغلت. فرق بين أنك متأكد أنه ما ذكر الله، هذا مثلًا انتهينا منها، ما ذكر الله لا يشمت، لكن الآن شككت لأنك منشغل أو كنت في مكان بعيد أو قرت منه هناك أعذار حالت بينك وبين السماع سماع التحميد، فوقع الأمر عندك بالشك. فهنا قال علماء هذا القول الأول: قالوا تعمل بغلبة الظن بالقرائن، فإن كان هذا من المعروف والمعهود أنه يذكر الله في كل آن وفي كل حين، وما عرف أن يترك هذه السنن، فأنك تشمت وتدعو له. الصورة الثانية: وهو فعل نُقل عن بعض السلف، وذكر ذلك البخاري رحمه الله في الأدب المفرد، أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه كما نقل ذلك مكحول قال: كنت بجنب ابن عمر فعطس رجل من ناحية المسجد، فعطس رجل من ناحية المسجد، العطاس سيسمع لكن ما سمع التحميد، فماذا قال ابن عمر؟ قال: «يرحمك الله إن حمدت الله»، علق «يرحمك الله إن حمدت الله»، لأن ما عنده هل هو حمد الله أو لم يحمد؟ ما عنده يعني حل، يعني قرينة واضحة لهذا، فلهذا علق. قال: «يرحمك الله إن حمدت الله»، فهذا نقل عن ابن عمر كما نقل عنه مكحول رحمه الله. مسألة أخيرة في هذا المقام، إخواني في الله، وهو إذا قام العاطس بعد العطاس بالحمد، قال الحمد لله، تقول له يا أيها السامع، يا أيها المجاور «يرحمك الله»، ماذا على العاطس يدعو لك كذلك؟ يرد الدعاء بالدعاء، يدعو لك بالهداية، وذلك لما جاء في البخاري من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: «إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه يرحمك الله، فإذا قال له رحمك الله فليقل يهديكم الله ويصلح بالكم». فانظر يا عبد الله إلى توالي الرحمة والدعوات بين أهل الإسلام، قد تكون بين غرباء، وقد تكون بين أقارب وأرحام، لكن هذه سماحة الشريعة، وهذه الحلقة وهذه ما سنقف عندها. وبقي مسائل متنوعة متعلقة في باب العطاس تترك إن شاء الله في الأسبوع القادم. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.