الدرس في آداب السفر 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع أهمية آداب السفر في الإسلام، حيث يشدد على ضرورة تعلم أحكام السفر. يُظهر الإسلام اعتناءً كبيرًا بآداب السفر وأحكامه لتخفيف المشقة على المسافرين.
ينبغي للمسافر قبل سفره أن يرد المظالم إلى أهلها أو يستسمح منهم، كما يجب عليه أن يتزود بما يكفيه للسفر. أمر الله تعالى بالتزود للسفر في قوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾.
يُناقش المقطع أهمية التزود بالمال الحلال أثناء السفر، ويُشير إلى ضرورة التخطيط لأهل البيت أثناء السفر وتزويدهم بما يكفيهم من مال وزاد.
المقطع يشدد على أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويختتم بالتأكيد على علم الله تعالى وعلى الطاعة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، من الآداب التي أشار وأشاد بها الإسلام ونحب أن ندخل في غمارها ونتعرف إلى مسائلها وما ذكره الشرع فيها من أحكام وآداب، ألا وهو ما يتعلق بآداب السفر. فالسفر يحتاج إليه الإنسان بين الفينة والأخرى، إما لحاجة دينية كالذي يسافر للحج والعمرة أو للغزو أو لطلب العلم، أو ممن لربما احتاج للسفر لأداء الحوائج الدنيوية، كمن يسافر لأجل دراسة أو تجارة أو علاج. فما من إنسان إلا وهو يحتاج أحيانًا إلى السفر، خاصة في هذه الأزمان، الكثير من الناس قد علقوا أعمالهم وأغراضهم إلى السفر إلى خارج البلاد. فالإسلام اعتنى بهذا الباب اعتناءً عظيما، فجعل للسفر آدابًا وجعل كذلك له أخلاقًا. ويكفي أن تعرف، يا عبد الله، ما يتعلق بهذه التسمية، السفر. قال العلماء: إن السفر في اللغة العربية بمعنى الظهور والوضوح، يقال: أسفر الصبح، أسفر الصبح بمعنى أضاء وأشرق، أو يقال: أسفرت المرأة، بمعنى كشفت عن وجهها، ومنه السفور. ومنه كذلك سمي الانتقال من بلد إلى بلد سفرًا، لماذا؟ قالوا: لأنه يسفر عن أخلاق وآداب صاحبه، يسفر عن أخلاق وآداب صاحبه. فدل هذا، إخواني في الله، على أن السفر وما يكون من انتقالنا من بلاد إلى أخرى يحتاج إلى أن نتمتع بآداب وأخلاق. وفي هذا المقام وما سيأتي معنا بإذن الله من مقامات، نتحدث فيها عن أهم الآداب المتعلقة بالأسفار. ومن هذه الآداب التي نبدأ بها، إخواني في الله، ما ينبغي أن يتأدب به كل مسلم في سفره، أن يكون متعلمًا لأحكام السفر. وهذا للأسف أدب قد أخلى به كثير من المسافرين، التحلي بالعلم، أي للمسائل العلمية المتعلقة بالسفر، إذ أن الله سبحانه وتعالى قد جعل للسفر أحكاما يختص بها، وخاصة لأن الناس في سفرهم الأوضاع تتغير عليهم، فناسب أن الشرع راعى ما يلاقيه الناس من النصب والتعب والمشقة في السفر، أن خفف عنهم، وذلك بذكر أحكام، سواء كان هذه الأحكام متعلقة بباب الطهارة، كمسائل التيمم أو المسح على الخفين، أو ما كان من مسائل متعلقة بالصلاة، كالقصر أو الجمع، أو ما يكون متعلقًا بصلاة النوافل، أو ما يكون في مسألة استقبال القبلة، أو كذلك المسائل المتعلقة بالصوم، من إسقاط الصيام ومشروعية الفطر لمن كان مسافرًا، وهكذا مسائل كثيرة جدًا، أحكام أعدها الشرع وجعلها للمسافرين. فمن الخطأ، إخواني في الله، أن الواحد، وخاصة الذي يحتاج إلى السفر كثيرًا، وأحيانًا هذا ينبغي أن يكون ملما بأحكام السفر، ولو كان برؤوس الأقلام والمسائل العامة. أما أن يبقى جاهلًا بهذا الباب، لا يعرف مسائل القصر ولا الجمع ولا مسائل التيمم، فهذا، إخواني في الله، يضيع عليه الأجر الكثير، بل ربما وقع فيما يخالف الشرع العظيم. فهذه من الآداب العظيمة التي ينبغي أن يتحلى بها كل مسلم، أنه ينظر في آداب أحكام السفر، فيما تعلق بالطهارة والصلاة والصيام، إلى غير ذلك. ثانيًا من آداب السفر، كذلك، وهو مما يكون قبل التحرك، ما يكون من رد المظالم وهكذا رد الودائع. رد المظالم، وهذا الذي قد وصل إليك بغير وجه حق، ترده، أو ما كان من الودائع الذي وصل إليك بوجه حق، هذا كذلك ترده. لأن السفر، إخواني في الله، هو مظنة للهلاك، السفر من مظان الهلاك، كمن يسافر برًا أو بحرًا أو جوًا. وهذا كان في الأكثر في القديم، كان كثيرًا ما يقع، لكن لله الحمد، مع هذا التطور، مع هذه التكنولوجيا التي سهلت لكثير من المسافرين ما يتعلق بانتقالهم، إلا أنه يبقى مظنة للهلاك. فكم من حوادث تقع للمسافرين في طرقهم أو في بحارهم أو في أجوائهم؟ فلما كان الأمر كذلك، ينبغي على المسلم أنه يرجع الحقوق إلى أهلها. فمن كان ظالمًا، بحيث ظلم واعتدى وأخذ أموال الآخرين، عليه أن يسترجع ويرجع الحقوق إلى أهلها، أو أمنًا على ودائع، وجاءه السفر، يستأذن من أهله ويقول: أنا مسافر، إن أردتموها خذوها، خذوا هذه الوديعة، وإلا فلا أقل من أن الرجل عند سفره يوصي، يوصي بوصية. وقد جاء ذلك في الأحاديث الصحاح: أن ما من رجل عنده حق إلا ويوصي، ووصيته مكتوبة عند رأسه، أو يدون، أو يسجل، أو يشهد، يشهد زوجته ولا أولادها، أو يكتب كتابات: أن هذا مال فلان، يقول: أنا مسافر، الله أعلم أرجع لما أرجع، الأعمار بيد الله، لكن هذه حقوق، حتى لا تبقى ذمة معلقة، وحتى لا تضيع حقوق الناس. ولربما هلك وعنده أموال مختلطة، لا يدري الناس الذي من بعده لمن هذه الأموال؟ لمن هذه الأموال؟ ولهذا، إخواني في الله، من كان على سفر، يحاول أن يرد المظالم إلى أهلها إن وجدت، وإلا، كأن كان ظالمًا وذهبت هذه المظالم، فليستسمح من أهلها. وليس معنى هذا، إخواني في الله، أن يذكرني هذا الأمر بخطأ آخر، أن تجد أن بعضًا من الناس يعترف أنه ظالم، طيب، استسمح من الناس قولًا، ليس الآن، ينتظر متى ينتظر، إلى أن يسر الله له بسفر، كمن أراد أن يحج أو أن يعتمر، حينها يتفطن لحقوق الناس، ويأتي ويتسامح من هذا ومن هذا ومن هذا. العفو منك، يا أخي، ومن أخبرك أن قضية التسامح معلقة عند الأسفار؟ هذا أقل ما يقال. وإلى الأصل أنك تطلب العفو، يا عبد الله، من الناس ومن أصحاب الحقوق في كل زمان، وكلما كان أسرع، كلما كان أبرأ للذمة. أم أنك تبقى كمن يعرف أنه قد أخذ من جاره أشياء سرقة، أو أتلف على بعض الجيران بعض الممتلكات، وهو يعترف بهذا، لكن ما يريد أن يعتذر، إلى أن يسر الله له بسفر إلى الحج مثلًا، حين يقول: الآن سأعتذر، يا جار، العفو منك، أنا في طيب، الآن هذه الفترة كلها ساكت، يعني هذه المدة، يا عبد الله، أما تسجل عليك سيئات، لأنها ظلم وهضم لحقوق الجار. فينبغي، يا إخواني في الله، أن يقول: السفر كأقصى مدة، لأنك على وشك الهلاك، حين ينبغي أنك تركز على هذه المسألة. فهذا مما ينبغي، إخواني في الله، أن يتعاهده المسافر قبل سفره، بإرجاع المظالم أو بإرجاع الحقوق، وإن أبقيت عنده، فلا أقل أنه يبقي من الأمارات والدلالات التي تدل على أصحابها، حتى لا تضيع الحقوق كذلكم. ثالثًا مما يذكر في آداب السفر، ما يكون من التزود، ما يكون من التزود. تتزود، يا عبد الله، بما أمكنك وبما عندك وبما كان بمقدورك، تتزود بزاد، تتزود بمال، تتزود بنفقة، تتزود بزاد ينفعك في طريقك، بحيث لا تكون عالة على أحد، لا تكون عالة على أحد في السفر. لك، يا عبد الله، الله أعلم بما يعترض عليك في طريقك، فحين تحتاج إلى ما هو عندك، حتى تتيسر أمورك، تتيسر أمورك. ولهذا قال ربنا جل وعلا، آمرًا بهذا الأدب: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾، قال سبحانه: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾، قال العلماء: فيه الأمر والحث على التزود لمن أراد أن ينشئ سفرًا، يتزود بما فيه نفق على نفسه، أو إن وسع الله عليه أن يزود غيره. وقد وجد هذا عن بعض الصالحين ممن فتح الله عليهم، أنه لو ربما كان في أسفاره يغني نفسه ويغني غيره ممن هم معه في رحلته، يغني نفسه ويغني غيره، وهذا قمة في التعبد لله سبحانه وتعالى ومنفعة الآخرين. لكن لا أقل، يا عبد الله، أنك تتزود بماذا؟ بما يكفيك. وقد ثبت في البخاري، من حديث ابن عباس، أن أناسًا من أهل اليمن كانوا يحجون من غير زاد، يحجون من غير زاد، ويقولون: نحن المتوكلون، نحن المتوكلون، فإذا جاءوا مكة سألوا الناس، إذا جاءوا مكة سألوا الناس، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾. فينبغي، يا عبد الله، أن تتزود من هذا الزاد، كما قلنا، بنفقة، بمال، بأي زاد، وكل على حسب زمانه. بالأمس كان يتزودون بطعام، لكن الحمد لله، ما يحتاج إلى طعام، لوجود المطاعم والمقاهي على طول الخط. لكن لا أقل أن تتزود بمال، بمال، إلى غير ذلك، من احتاج إلى علاج، إلى علاج، وهكذا يكون هذا التزود. وطبعًا هذا التزود الدنيوي، وأعظم من هذا التزود التزود الأخروي. ولهذا قال الله في تتمة الآية: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، هذا زاد الآخرة، كما أننا نتزود لهذه الأسفار من انتقالنا من بلد إلى بلد، نتزود بالزاد، كذلك نتزود من انتقالنا من الدنيا إلى الآخرة بزاد، وهو التقوى، تقوى الله سبحانه وتعالى. ومما يتعلق بأمر الزاد، إخواني في الله، والتزود، أشير إلى مسألتين. المسألة الأولى: أن هذا التزود ينبغي، يا عبد الله، أن تحرص كل الحرص على أن يكون من المال الحلال. نعم، الكثير من الناس يسافرون ويتزودون بأموال، لكن ليس القضية قضية التزود فحسب، بل قضية التزود بمال حلال. لأنك تتزود، يا عبد الله، بمال، تأخذ في سيارتك مئة ألف، تجعلها في الرف، مئة ألف، وهي في الحقيقة مال ربوي، مال ربوي، تطعم نفسك ومن معك، هذا لا يجوز، أو مال من بيع المحرمات، كبيع الحشيش والمخدرات. ولها ثبت في الصحيح، من حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلًا يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب. الشاهد: يطيل السفر، هذا رجل مسافر، ويلتجئ إلى الله: يا رب، يا رب، لكن بليته في زاده، بليته في زاده. قال عليه الصلاة والسلام: «يطيل السفر أشعث أغبر، يدعو ربه: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟» أن يستجاب لهذا الدعاء الصاعد من رجل قد غذي بالمال الحرام. لهذا، يا عبد الله، إذا أردت أن تخرج في سفر وأنت في موطن من مواطن استجابة الدعاء، كما سيأتي، احرص أن يكون معك المال الحلال. لقد مرة معنا، تذكرون في أحاديث السيرة، كيف أن أهل قريش، وهم كفار، عندما أرادوا أن يبنوا بيت الله، اشترطوا على أنفسهم أن يكون البنيان من مال حلال، وأخرجوا بذلك المال الحرام، لعلمهم بأنه منزوع البركة. ثانيًا مما أنبّه عليه في مسألة التزود في حال السفر، أنك، يا عبد الله، كما تستعد بأن تزود نفسك في رحلتك في سفرك، ستذهب مثلًا إلى أرض لحج، قد يأخذ منك قرابة شهر، أو تذهب علاج إلى ما يقارب أكثر من شهر، فالله أعلم، ومنهم من يذهب إلى خمسة أشهر، إلى ستة أشهر، ومنهم سنوات، أصحاب الدراسات. طيب، في حال سفرك، يا عبد الله، كما أنك تتزود وتستعد، كذلك عليك أن تزود غيرك ممن هم من أهلك، تجعل لهم من المال ومن الزاد ما يكفيهم، ما يكفيهم. تجد أن بعضًا من الناس إذا أراد أن يسافر، ربما أحضر بمحفظته وألقى فيها المال، وهنا المال هنا، واستعد بثيابه واستعد بكل شيء، وينصرف. وإذا قاله أهله: طيب، لمن تتركنا؟ أقول: الله، الله، الله، حافظ، إن شاء الله. ما هو هالدرجة، يا عبد الله؟ ما هو هالدرجة أنك تترك أهلك تترك أهلك على هذه الحال؟ تريدهم ما لهم إلا يتكففون الناس؟ يطرقون على الأبواب؟ أو يبقوا جياعًا عراة؟ ما ينبغي هذا، يا عبد الله. فالزاد، يا عبد الله، الذي ينبغي أن تتزود به، يدخل في ذلك ما تترك لأهلك. دع لهم، تسافر لمدة أسبوع، أسبوعين، قدر لهم تقديرًا بالعرف، هذا المالك فيكم، احسب حسابك أنت منهم، فيهم، تعرف كم الجلوس اليومي كم يكلف؟ اضرب هذا اليوم في أسبوع، أسبوعين، في شهر، تأتيك النتيجة، أعطهم، وهذا مع تسير أمورهم وتسير أحوالهم، جهزهم، وزودهم، وزود نفسك، ثم انطلق، يا عبد الله. هذه من الآداب التي ينبغي أن يحرص عليها كل مسافر، ما يتعلق بالزاد. وبعد، هناك مسائل أخرى تترك، إن شاء الله، في درس غد. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.