الدرس في آداب السفر 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول أهمية توديع المسافر والدعاء له من قبل الأهل والأحبابة، مع ذكر بعض الأدعية النبوية. يُبرز دور الدعاء في حفظ المسافر ورعايته.
يُناقش بعض آداب السفر مثل تفضيل السفر يوم الخميس والتحرك في الصباح الباكر، وأهمية رفقة السفر لتجنب المخاطر.
يُبرز أهمية صحبة الصالحين في السفر وكيف تعين على الطاعة وتجنب المعاصي، مع الإشارة إلى الحديث النبوي 'الراكب شيطان'.
يختتم الدرس بالصلاة على النبي وآله وصحبه، مع التأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم، طلباً للبركة والرضا الإلهي.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان الشروع في ذكر آداب السفر، وما ينبغي على كل مسافر أن يتأدب به من آداب وأخلاق. ومن ذلك مر معنا في الأدب الأول ما يكون من العلم، وذلك في معرفة أحكام السفر التي يحتاج إليها كل مسافر، سواء ما يتعلق بطهارته أو ما يتعلق بصالاته أو ما يتعلق بسائر أحكامه. وثانيا ما كان وما ينبغي أن يكون في رد المظالم والودائع إلى أهلها أو الإشارة إليها. ثم كان ثالثا التزود بالنفقة، سواء كان هذا التزود له في حال سفره أو وضع الزاد لمن يخلفه من ورائه من أهله وعياله، وخاصة أن يكون هذا المال ينبغي أن يكون من المال الحلال الطيب الذي ليس بالمال المحرم، كما وضح ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام في حق المسافر، وهو الذي قد تشبع بالحرام: «يا رب، يا رب يدعو الله في سفره، مطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام، فأنى يستجاب لذلك». رابعا مما يذكر من آداب السفر التوديع، وهو أن يقوم المسافر بالتوديع من أهله وقرابته ومن أصحابه وزملائه وأحبابه، وكل من يخصهم بالمعزة، يحرص إذا أمكن أن يقوم بتوديعهم، فيخبرهم بخبر سفره وأنه سيسافر، فلا بأس أن يعلمهم لكي يتم الوداع منهم، فإن ذلك من الأخلاق الطيبة. ولهذا قال الإمام الشعبي رحمه الله تعالى: «السنة إذا خرج إلى سفر أن يأتي أهله وأصحابه فيودعهم ويغتنم دعاءهم». وهكذا قال الإمام ابن عبدالبر رحمه الله تعالى: «وإذا خرج أحد في سفر فليودع إخوانه، فإن الله جاعل في دعائهم بركة، فإن الله جاعل في دعائهم بركة». فلما تودع إخوانك، تأتي مثلا من أولا على أرحامك، إن كان عندك والدان تتودع منهما، من إخوانك من أشقاء أو من قرابتك، تمر عليهم وتستودع منهم، فهم لربما ينهال عليك الدعاء: الله يحفظك، الله يردك، الله يسلمك، الله يستر أمرك، فلا يزال هذا يدعو وهذا يدعو، فلربما دعوة يا عبدالله تكون في ساعة استجابة، فيفرج الله سبحانه وتعالى عنك من الهم والغم وما يكون من تيسير أمرك ما لا يخطر على بال. وكذلك عند التوديع يا عبدالله، لو أنك تحرص على الأذكار والأدعية التي جاءت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، كأن تستودع الناس تقول: «أستودعكم الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم». فأصح ذلك عند الترمذي من حديث ابن عمر، أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه كان إذا علم أن رجلا سيسافر، قال فأخذ بيده ويقول: «أودعك كما كان رسول الله يودعنا، قال: أستودعك الله دينك وأمانتك وخواتيم أعمالك». أستودعك الله دينك وأمانتك وخواتيم أعمالك. ومعنى أستودعك الله، أي أن هذه الأمور التي سيأتي ذكرها أجعلها وديعة عند الله، أجعلها وديعة عند الله. ولا شك أن الودائع ماذا حقها؟ أن تحفظ. لو قيل لك: يا فلان، هذه وديعة، فقط من هذه الكلمة تعرف أن المطلوب منك أن تحفظ عليها. وديعة احفظ عليها. فهذه الأمور أستودعك الله، أي أني ماذا؟ هذه أمور أجعلها من أمورك، أجعلها وديعة عند الله، بأن الله يحفظها عليك. وما هي هذه الأمور؟ الدين، دينك، أستودعك الله دينك وأمانتك. الدين ذكر أولا لأنه الأهم وهو المقصود الأسمى. ولا شك أن المسافر في السفر يتغير عليه دينه، لربما يقل، لربما يفتر لقلة المراقب، لقلة من يعين، لربما في السفر في غربة يجد من ضعف الإيمان، فلا يزال المسافر يعيش في ضعف في دينه. فهؤلاء يدعون له بأن الله يحفظ عليك دينك، بأن يكون دينك على أحسن حال. وأمانتك كذلك، ما كان من أماناتك، سواء على العموم، ومنهم من قال أن المقصود هم أهله وماله. تعس تسافر، أهلك ومالك إن شاء الله وديع عند الله، بأن الله يحفظهم عليك، ولا تأخذ هم ولا تحمل هم في حفظهم ورعايتهم، فالله عز وجل قد استودعناه، استودعناه الله عز وجل. فهذه معنى وأمانتك. فمنهم من حمل العموم، ومنهم من خصه بالأهل والمال. وخواتيم عملك، أي ما كان من أعمالك أن الله يختمها لك بالصالحات. قد مر معنى أن السفر هي مظنة من مظنة الهلاك. وكما قلنا، السفر سواء كان برا أو بحرا أو جوا، هذه التنقلات هي عرضة لأن يصاب بها الإنسان ما لا يكون في محله وفي داره وفي حله. فالترحال والانتقال والسفر هو عرضة يعرض نفسه أحيانا للخطر، فهي مظنة للهلاك. فنجعل لهذا المسافر أن الله يجعل خاتمته بأحسن الأعمال، خاتمته بأحسن الأعمال. فهذه من الأدعية التي جاءت في السنة في توديع المسافر. وجاء كذلك: «أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه»، إلى غير ذلك من الأدعية. وإما أو من يقول كذلك: «وفقك الله»، «وفي أمان الله»، كما يقول كثير من الناس، هذا مما جاء فيه بعض العلماء بجوازه، ولا بأس بمشروعيته، إلى غير ذلك من الأدعية التي يراد منها السلامة وإلقاء الأمن والأمان. كذلك من آداب السفر السفر في يوم الخميس. ولماذا هذا التخصيص لهذا اليوم؟ هذا لما كان من فعله وما كان من سنته ولما كان من هديه عليه الصلاة والسلام. فعن كعب بن مالك قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج في غزوة تبوك كان في يوم الخميس». ثم قال كعب: «هذا الذي يهمنا»، قال: «وكانوا يحبون أن يخرجوا يوم الخميس». وكانوا يحبون أن يخرج يوم الخميس. فقول كعب لمالك هذا استفادة من أين؟ استفادة مما كان الصحابة يرون ما كان من قصد رسول الله في إنشاء سفره في هذا اليوم بالذات من أيام الأسبوع. قال: «وكانوا يحبون أن يخرجوا يوم الخميس». وفي لفظ قال: «لقل ما كان رسول الله يخرج إلا في يوم الخميس». وهذا الحديث في البخاري ومسلم. فقل ما، أي قليل ما كان يخالف هذا اليوم، وإلا كان يخرج في يوم الخميس. وهذا يتأتى في الذي يملك زمام أمره بنفسه، يملك زمام أمره بنفسه، فهذا يختار اليوم. فإن تركت له الأيام أمامه يختار أي يوم، يقول: أنه يحتاج يوم الخميس مثلا. لكن إذا كان له ارتباط، مثل هذه الأيام ما يسمى بالسفر الجماعي عن طريق الطيران، هذا ليس لك تحديد الرحلة، أو ما كان النقل الجماعي عبر الباصات أو عبر اليخت والسفن، هذا ليست الآن ليست بيد ماذا؟ المسافر. أو يقول الرجل: يعني نشأ السفر، لا بد أن يسافر الآن، بغض النظر عن يوم الخميس، لا بد أن تتحرك الآن. فتأتي ظروف، فحينها يخرج الإنسان عن هذا الاختيار. لكن من كان معه سيارته وهو مخير بين الأيام، مخير بين الأيام، وهو عبارة عن سفر، كأن لم يكن يوم أو غد أو بعد غد، والأمر عنده سيان، نقول: ياحبذا يا عبدالله اختر الخميس، اقتداء برسول الله عليه الصلاة والسلام. ولماذا الخميس؟ نقول: الله أعلم. لم تأتي الدالة على السر في أن النبي كان يحرص على إنشاء السفر في هذا اليوم بالذات. لكن الأخبار والآثار تدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعتني بهذا اليوم في إنشاء سفره. وكما قلنا، هذا في حق من تمكن، وما يضره في اختيار هذا اليوم. ولو كان التحرك في صباحه، أي في أول النهار، فهذا أفضل وأحسن، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأن «البركة في البكور»، البركة في البكور. فقد قال: «اللهم بارك لأمتي في بكورها»، وهو أول النهار، كالذي يسافر بعد الفجر مثلا، هذا من أول البكور، يذهب يتحرك، فهذه أوقات فاضلة، أوقات مباركة، أوقات مباركة. كذلكم سادسا مما يذكر من آداب السفر، أنك يا عبدالله تذهب مع رفقة. والمقصود بالرفقة أنك تذهب مع صحبة، بمعنى تذهب مع جماعة، المهم أنك لا تكون منفردا، لا تكون يا عبدالله منفردا في سفرك، لا تذهب لوحدك، وإنما تحاول أن تختار من يذهب معك، تختار من يذهب معك. ولماذا هذا الأدب؟ هذا لأمر مهم. قال عليه الصلاة والسلام: «لو أن الناس يعلمون من الوحدة ما أعلم، ما سافر راكب بليل وحده». لو يعلم الناس ما في الوحدة، كما في رواية: «ما سار راكب بليل وحده»، أي لأن كشف الغطاء وكشف الحجاب وعلم الناس بما يقع في الليل من أهوال، لما تجرأ أحد أن يسافر بليل وحده. فدل هذا الحديث على أن الإنسان إذا أراد أن يسافر، يحرص على أنه يختار من يسافر معه، اثنين، ثلاثة، وكلما كان أكثر، كلما كان أفضل. وقد جاء كذلك في السنن من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال عليه الصلاة والسلام: «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب». وما معنى الراكب شيطان، والراكبان شيطانان؟ اختلف العلماء من أهل العلم. منهم من قال: هذا الحديث إنما للتحريم، بدليل أن النبي قال: «الراكب شيطان»، بمعنى عاصي، يطلق الشيطان على الإثم. الراكب شيطان، أي أنه عاصي. فإذا كانوا اثنين فبالمثل، فهم عاصيان. فإذا كانوا ثلاثة خرجوا من النهي. ومنهم من فسر كما ذكر ذلك الخطابي رحمه الله تعالى، بأن الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، أي أن الشيطان هو الذي يدعو لذلك. لربما بعض الناس يريد أن يسافر، فيفكر مثلا أن يصطحب فلان وفلان، فيأتي هاجس: لا تفعل، لا تفعل، لا تختار فلان وفلان، يعرف أسرارك، يعرف أخبارك، أين تذهب، في داعة تكلم أحد، اذهب لوحدك. فيجد أن هناك من يؤزه، من يؤزه لسفر من هذا الذي يؤزه؟ هنا يأتي فهم هذا الحديث: «الراكب شيطان»، كما أشار إلى ذلك الخطابي، أي أن الشيطان هو الذي يدعو يدعوك لأن تسافر وحدك. وهكذا إذا كنتم اثنين. فإذا كنتم ثلاثة فحينئذ خرج الأمر عن الكراهة. وهذا الحديث إخوانا في الله بمدلوله يدل على أن الإنسان يحرص على أن يكون مع صحبة، مع صحبة. طبعا هناك تفاصيل في هذا الباب. وبعض العلماء كما أشار إلى ذلك الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، تعليقا على هذا الحديث، قال: فلا يدخل أي في هذا الحكم الكراهة، قال: فلا يدخل فيها السفر اليوم في الطرق المعبدة. لماذا؟ قال: لكثرة المواصلات. الشيخ الألباني رحمه الله تعالى يرى أن هذا الحديث وما فيه من النهي عن السفر لوحده، هذا يحمل متى؟ إذا كنت تسافر في الفيافي والقفار والصحاري، كما كان الناس قديما يتحرك من هنا إلى بلد في ظلمة، ما ترى شيء، ظلام في ظلام، ما هناك الطرق، ما هناك إنارات، ما هناك سراج، ما عندك شيء، عندك بعير وتمشي في الليل، لربما تتيه، لربما تضيع، لربما يأتيك من يلعب بك من الجان والعفاريت. نعم، هذا هنا مظنة ماذا؟ المنع. قال: فيقول شيخ الألباني: أما الآن والطرق معبدة وفيها الإنارات وكثرة المواصلات وفيها من الطرقات التي تستأنس بها، يرى أن هذه الطرق من سافر لوحده على هذا المحل لا فيه شيء، ليس فيه شيء. هذه فائدة ذكرها شيخ الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة يرى ذلك. ومع ذلك إخواني في الله، الإنسان يحرص، ولو قلنا هذا نعم صحيح، الأمر يختلف ويفترق بين من سافر في الصحاري والقفار والأماكن المظلمة والمعتمة، بين من يسافر في طريق معبد. لكن مع ذلك احرص يا عبدالله إذا استطعت أنك تأتي بمن تأتي يكون معك. وكم من مشاكل إخواني في الله لو ربما يبتل بها الإنسان وهو في سفره. تذهب في طريق عبارة عن سبعين كيلو، مئة وخمسين كيلو، مئتين كيلو وأنت تمشي، لو ربما جاءك جلطة أو جاءك إغماء أو جاءك شيء، فمن يعينك؟ فلو كان عندك رفيق أعانك. أو لو ربما كما يسمى ينفجر عليك الإطار، وكم من إطارات ذهبت على أصحابها. أو عطل في السيارة، فتركن وأنت في الساعة الثانية، وإن كان طريق معبد، لكن هذه يمر أحد، فتبقى لوحدك تغير الإطار، لكن لو عندك أحد يعينك، هذا يفتح، وهذا يرفع، وهذا، وتبدأ. فالإعانة طيبة. فإذا استطاع الإنسان أن يستعين بأحد، وخاصة في مثل هذه الطرقات، ولو كانت معبدة، فهذا أفضل وأكمل. كذلك مما يذكر في آداب السفر، وهو السابع، أن هذه الرفقة يا عبدالله احرص على أن تكون رفقة صالحة، احرص على أن تكون رفقة صالحة، تكون من أهل الصلاح، من أهل الصلاح، يعينونك على طاعة الله. وهذا إخوانا فله صور كثيرة، بدءا بدءا بالسائق مثلا. أنت تريد أن تسافر، تسأل: يا فلان، سأذهب إلى عدن، سأذهب إلى تلك الأماكن. وعدن فلان سيسافر، لكن قبل أن تختار هذا السائق مثلا للسيارة، كيف هو؟ هل هو محافظ على صلاته؟ هل هو مضيع للصلاة؟ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي». لا تصاحب إلا مؤمن، ولا يأكل طعامك إلا تقي. قال العلماء: إشارة إلى أن الإنسان في معيشته وفي تعامله وفي مخالطته مع الناس، يختار من هم الأكفاء دينا. فلا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي. فأنت تعيش في كنف الأبرار. وهكذا قل يا عبدالله في سفرك. فبعض الناس نعم يسافر ومعه رفقة، لكن انظر لهذه الرفقة، الله المستعان: طبل ومزمار وغناء ورقص. أو سب وشتم ولعن. ويمرون على الصلاة والصلاة لا يصلون، ولا يقفون عند المساجد لكي يصلوا. ما هذا يا عبدالله؟ ما الذي سترجو من هذه الرفقة؟ لو قدر الله أن يقع لك شيء وأنت في هذا المقام؟ فهذا تكلف في حق الذي عنده قدرة على الاختيار. أما إذا أنت ابتليت، هذا ليس لك فيه أمر، مثلا من يذهب إلى الطائرة، يبتلى بما في الطائرة من المضيفات أو المضيفين وما فيها من المعاصي، هذا ليس لك، ليس بمغدورك. أو ما يكون من نقل جماعي، هذا ليس بمغدورك. لكن نتكلم الذي بيدك، أنت بإمكانك أن تختار السيارة أو المواصلات الذي أنت تريد أن تتنقل فيها. هنا يا عبدالله وأنت في باب السعة والاختيار، اختر يا عبدالله من يكون مؤتمنا في دينه وفي عقله، مما يعينك على طاعة الله، وكذلك يعينك في دنياك. وبقي مسائل إخواني في الله، يرجى أن يكون التأخيرها إلى درس غد. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.