آداب السفر 4

آداب السفر 4

الدرس في آداب السفر 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في آداب السفر وأذكار المسافر

يتحدث عن آداب السفر وأذكار المسافر، ويذكر بعض الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. يشرح الخلاف حول خصوصية هذه الأدعية للسفر أو شمولها لكل ركوب.

تفاصيل أذكار السفر ومستحباته

يشرع للمسافر أن يكبر عند الصعود ويسبح عند النزول، ويقول "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق" عند نزوله منزلاً. يستحب كثرة الدعاء أثناء السفر لأنه من الأوقات التي يستجاب فيها الدعاء.

أهمية ذكر الله في السفر وتحذير من الغفلة

ينصح بالإكثار من ذكر الله أثناء السفر، ويحذر من الانشغال بالغناء والأماني الفارغة. يشير إلى أن الجبال والأحجار تشهد للإنسان يوم القيامة إذا ذكر الله في سفره.

ختام الدرس والدعاء

يختتم الشيخ درسه بالتأكيد على أهمية ذكر الله في الأسفار، ويدعو الله أن ينفعهم بما قاله، ويصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، لازلنا في مثل هذه المقامات نتدارس وإياكم ما يتعلق بمسألة الآداب، وها نحن في باب آداب السفر. وأشرنا إلى عدة آداب ينبغي أن يتحلى بها كل مسافر، من مسألة التأمير واختيار الرفقة الطيبة، وما يكون من الإحسان إلى المرافقين، وما يكون من سفر المرأة، وأنها تحتاج إلى محرم. وكذلك مما يذكر من آداب السفر، إخواني في الله، ما يتعلق بالأذكار المروية في هذا الباب، إذ أن هناك من الأذكار والأوراد والأدعية ما تتعلق بالمسافر حال سفره. ومنها، إخواني في الله، من هذه الأدعية ما يكون من دعاء الركوب والسفر. وقد جاء ذلك في السنن من حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أنه حين صعد إلى دابته قال: «بسم الله» وهذا في كل أمر وفي كل شأن، ثم قال: «الحمد لله» حمد الله على هذه النعمة التي حباه الله لنا، تستذكر عظيم إنعام الله علينا بأن يسر لنا مثل هذه المركوبات التي وفرت على الناس الجهد الجهيد وقطع المسافات والأماكن البعيدة. فقال علي رضي الله تعالى عنه: «بسم الله الحمد لله»، ثم قرأ قول الله عز وجل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾، «الحمد لله الحمد لله الحمد لله» كررها ثلاثاً، ثم قال: «الله أكبر الله أكبر الله أكبر» أيضاً كررها ثلاثاً، ثم قال: «اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». ورفع هذا الذكر إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذا الحديث، لو تذكرون، قد مر معنا في آداب الركوب من الدروس الأولى المتعلقة بمسألة الآداب. وذكرنا أن هذا مما يؤتى به في الركوب. ومن أهل العلم من اختلف هل هذا الذكر يؤتى به في كل مركوب أم أنه خاص بالسفر؟ إذ أن من أهل العلم من يرى أن أدعية الركوب إنما هي تختص بالسفر فقط. ومن أهل العلم من يرى أن هذا الدعاء إنما يكون في السفر وفي غير السفر، على أي مركوب كمن أراد أن يركب سيارة أو دراجة من هنا إلى أمر قريب إلى طرف السوق أو أداء زيارة ما ركب يأتي بهذا الدعاء. فالخلاف حاصل بين أهل العلم في مثل هذه الأدعية، هل هي خاصة بكل ركوب أم أنها متعلقة بالأسفار؟ على قولين اثنين. فعلى من يرى أن هذه الأذكار إنما تقال في الأسفار، فلك أن تكتفي بهذا الذكر كمن ركب باصاً أو استقل سيارة أو صعد إلى طائرة أو ركب باخرة إلى غير ذلك من المواصلات التي يسافر بها الناس، لك أن تكتفي بهذا الذكر. وكذلك من أدعية السفر ما جاء في صحيح مسلم من حديث ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر، كبر ثلاثاً، «كبر ثلاثاً»، ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطوي عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل والولد». هذا كان من دعائه عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن ينشئ سفراً. وجاء كذلك من حديث عبد الله بن سرجس رضي الله تعالى عنه، وحديثه في صحيح مسلم، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر يتعوذ من وعثاء السفر، ومن كآبة المنقلب والحور بعد الكور -أو بعد الكون إما بالراء وإما بالنون كما جاء في ذلك روايات الحديث- قال: والحور بعد الكور، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر في الأهل والمال». فالحاصل، إخواني في الله، أن المسلم يحتاج إلى أن يتتبع مثل هذه الأحاديث من الأدعية والأذكار التي تؤتى في حال الأسفار. لا بأس أن يجعلها في ورقة أو ما يفعله بعض الناس من منسوخات تعلق هذا، لا بأس به بقصد التعليم، أو يحفظها إن استطاع على حفظها، فيأتي بها في سفر، فإنها بركة. وكذلك من الأذكار والأدعية والأوراد التي يحتاج إليها المسافر ما يكون عند الصعود والنزول. الصعود والنزول أحياناً يكون السفر على أرض مستوية، وهذا الغالب، لكن أحياناً يكون السفر يتطلب منك أن تصعد إلى شاهق أو أنك تنزل إلى منزل يعني فيها انخفاض. فقد جاء الإسلام وجاءت السنة في بيان أن هذه الحالات من التغيرات صعوداً ونزولاً لها ذكر. فقد جاء من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: «كنا إذا صعدنا كبرنا، وإذا نزلنا سبحنا» رواه البخاري. كنا إذا صعدنا يكون صعود، مثاله كأن يكون رجل على مركوبه ثم يصعد إلى شاهق، يصعد إلى تل إلى هضبة، يصعد إلى مرتفعات مثل العقبات، عقبة كذا، عقبة كذا، أشياء مرتفعة. هذه يا عبد الله وأنت تصعد فيها كبر، «الله أكبر الله أكبر الله أكبر»، فلا تزال في تكبير. فإذا تغير الحال وأصبح هوي، أصبح عندك نزول، كمن ينزل إلى بطن واد أو إلى منحدر أو نزول من العقبة، هذا النزول يعتبر الآن وأنت في سفر، حينها يشرع لك يا عبد الله أن تسبح الله، «سبحان الله سبحان الله سبحان الله»، لا تنفك عن التسبيح حتى تتغير هذه الحال وتعتدل، يعتدل بك المركوب. فهذه من السنن التي جاءت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنك تستغل هذه التغيرات في أنك تذكر الله، أن تذكر ربك سبحانه وتعالى. ويؤيد هذا المعنى كذلك ما جاء في السنن عند الترمذي وأحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رجلاً قال: «يا رسول الله، إني أريد أن أسافر فأوصني»، فأوصاه أن يكبر فيكبر «الله أكبر الله أكبر الله أكبر» وأنت في الصعود. وكذلك من الأذكار الذي يحتاج إليها المسافر ما يكون عند النزول عند نزوله إلى محل. لا شك أن المسافر وخاصة في السفر الطويل يحتاج إلى فترات يرتاح فيها، إما لصلاة أو إما إلى طعام لتناول وجبة من الوجبات، وإما لكي يتبضع ويشتري بعض الحاجيات، أو لربما حتى لأمر طارئ كأن يصاب المركوب بعطل فيجعل السيارة على جنب فيقوم بإصلاحه، هذه كلها نزول. كلها نزول منك يا عبد الله في أثناء السفر، هذا النزول كذلك يحتاج منك إلى ذكر. فقد جاء في صحيح مسلم من حديث خولة بنت حكيم رضي الله تعالى عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك». من قال: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك. تكون يا عبد الله في مأمن من الأذى لأنك عتصت بعظيم وهو الله جل في علاه، بيده كل شيء، فمن ذا الذي يتجاسر على أذيتك وأنت في حفظ الرحمن جل في علاه. لكن ينبغي إخواني في الله أولاً أن تأتي بهذا الذكر. ولهذا وجد عن بعض السلف أنه قال: نزلت منزلاً فإذا بي لدغت عقرب، قال: فتفكرت في نفسي فعلمت أني لم آتي بهذا الذكر. سبحان الله، تفطن أنه نسي هذا الذكر ولم يأتي به، حينها لم تكن له حماية ولا رعاية، فكان عرضة للأذى فلدغ. وهذا الذي جعله يستدعي ويسترعي بعد ذلك دائماً أن يستحضر مثل هذا الدعاء. فأنت يا عبد الله الذي يحتاج إلى سفر فقاله، ربما إذا نزل منزلاً أول ما ينزل يستذكر هذا الدعاء: «اللهم أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»، يكفيك الله. مع الاستحضار ولابد الاستحضار التأمل التمعن في هذه الكلمات، صدق الالتجاء إلى الله، ينبغي أن تصاحب هذه الكلمات، لا تأتي بها على طرف اللسان أو تأتي بها تنفع ولا تنفع وأنت ما تدري. كذلك مما يذكر ويشرع من الأذكار والأوراد في حال السفر ما يكون من كثرة الدعاء. إذ أن السفر من الأوقات التي يستجاب فيها الدعاء. فقد ثبت عند أبي داود والترمذي ويحسن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده». «دعوة المسافر» هي من الدعوات التي تستجاب كما قال عليه الصلاة والسلام، «لا شك فيهن» أي لا ريب فيها. فادع يا عبد الله واستغل هذا السفر الطويل بما تحب أن تدعو الله جل وعلا به مما يخطر على بالك، إما ما يكون من حظ الدنيا أو ما يكون من حظ الآخرة، في نفسك أو في أهلك أو في عيالك أو في من تحب، ادع الله. فلربما يا عبد الله توافق هذه السفرة هذه الأوقات التي يستجيب فيها الله الدعاء، فيقر الله عينك بما تحب. تدعو وتدعو إذا فترت ترتع ثم تعاود، فلا يزال هذا النفس طويل إلى أن تنتهي من سفرك. كذلك إخواني في الله مما يقال من الأذكار والأوراد ما يكون عند الرجوع. كما أن الذهاب والخروج إلى السفر له ذكر قد مر معنا، كذلك عند الرجوع والوصول إلى بلادك له ذكر. فقد ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «أقبلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بظهر المدينة -أي قرب قرب من الدنو من الوصول إلى المدينة- قال: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون». قال أنس: «فلم يزل يقول ذلك حتى قدمنا المدينة»، أي منذ أن شارف المدينة وأصبح قريباً منها أتى بهذا الذكر: «آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون»، فلا يزال يكرر ذلك حتى دخل المدينة عليه الصلاة والسلام. فهذه أذكار إخواني في الله وأدعية يحرص عليها المسلم وهي متعلقة بسفره، فهذا هو الخير وهذا هو الفضل. لكن أين الناس للأسف؟ إما أنهم ينشغلوا بالقيل والقال، وإلا فبالغناء. أصبح الغناء هي السمة البارزة في أسفار الناس، من أول ما يركب على الحافلة أو إلى السيارة يأتي بالشريط أو يأتي بهذه الأجهزة بثري ونحو ذلك ويشغل الأغاني ويأتي طرب طرب، فله في دعاء السفر ولا في دعاء الركوب ولا دعاء عند النزول ولا استغلال في الدعاء المستجاب أبداً، غناء في غناء في غناء في غناء. وكل ذلك من تلبيس الشيطان. وقد جاء في الأثر أن الشيطان يأتي إلى أحدكم فيقول له إذا كان راكباً فيقول له: «تغن غني»، هذا من أمر الشيطان. فإذا استطاع الإنسان أن يغني غن، إما بنفسه أو بغيره بالمذياع. قال: «فإن لم يحسن غناء قال له تمن تغني» بالغناء والمعازف والموسيقى، إما بنفسك تمول وأنت في الحافلة حتى يمر عليك الوقت وأنت في ضياع، وإلا بالغناء المذياع أو ما يكون عبر الأجهزة هذه في مركوبك. فإذا ما كان هناك غناء لا منك ولا من غيرك، هل يتركك الشيطان؟ لا. قال: «فإن لم يحسن غناء قال له تمن»، ما معنى تمن؟ شغل الأمنيات. ولهذا تجد أن بعض الناس ربما إذا ما استطاع غناء ولا شيء، جلس واتكأ ثم سرح بذهنه سرح إلى أين؟ إلى شيء الله أعلم أين منتهى، يفكر يفكر، لو ربما دخل إلى الفضاء إلى القمر الصناعي ودخل إلى عطار إلى المشتري وانتهى ونزل إلى كوكب الأرض ودخل في الجبال وإلى جيولوجيا ما وجد شيء، دخل إلى باطن الأرض إلى البترول ويبحث، وتمر عليه الساعات وما ذكر الله وما ذكر الله سبحانه وتعالى. هذا من أين؟ هذا من فعل الشيطان، إما يشغلك بغناء وإما يشغلك بأمنيات، وكل ذلك صد يا عبد الله لمثل هذه الفضائل التي ينبغي أن يحرص عليها الإنسان، وهو أن يكثر من ذكر الله جل في علاه. وكذلك ليس من الشرط واللزوم أنك تحرص على هذا فقط، بل بذكر الله، سبح الله، استغفر الله، اقرأ القرآن ما استطعت، عندك المذياع قرآن في سفرك أو محاضرات نافعة يعود نفعها. وقد جاء عن السلف أنهم قالوا: «أكثروا من ذكر الله في أسفاركم»، نقل هذا عن أبي أمامة أو عن أبي الدرداء: «أكثروا من ذكر الله في أسفاركم عند كل شجر وحجر، فإنها تشهد لك يوم القيامة». هذا فضل، الجبال والوديان هذه تشعر بذكر الله فتشهد لك يوم القيامة. ولهذا يقول نبينا: «ما من ملب يلبي إلا لب عن يمينه وشماله من شجر وحجر»، عن يمينك وشمالك من الأحجار والصخور، كل ذلك يلبي معك ويشهد لك يوم القيامة. بل حتى الجبال، وصح ذلك عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، أن جبلاً ينادي الجبل الآخر: «أي فلان» باسمه، الجبال لها أسماء، فينادي الجبل الجبل الآخر: «أيا فلان، هل مر عليك أحد ذكر الله؟» فإن قال: «نعم»، استبشر، تستبشر الجبال إذا مر أحد وذكر الله. فقه حتى قال عون: «أي: أسمع؟» قال: «هن للخير أسمع»، أسمع الخير. الجبال، الأراضي تشهد لك يوم القيامة، فتخرج إلى الأرض تشهد لك بما كان من ذكر، ما كان لك من ورد، وخاصة في الأسفار، وهذه المساحات الطوال والقفار، أشغلها يا عبد الله بذكر الله، تنتفع عنها وتنتفع هذه الجمادات التي عن يمينك وشمالك، أحجار، رمال، صخور، حصى، جبال، تشهد لك. فأكثر يا عبد الله من ذكر الله في سفر وفي خارج السفر، حتى في حلك في بلدك في وطنك. لكن نحن نتكلم الآن عن الأسفار، أنه مما أن تعمر بذكر الله جل في علاه. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.