الدرس في آداب السفر 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
ينبغي للمسافر عند نزوله منزلا أن يحرص على الاجتماع مع رفقائه وتجنب النوم في قارعة الطريق. كما ينصح بالرفق بالإبل أثناء السفر وإعطائها حظها من الأرض.
يشرح الحديث النبوي حول الرفق بالإبل أثناء السفر وتجنب النوم في الطرقات ليلا لتجنب الهوام والحشرات. كما يشدد على أهمية تجنب التفرق عند النزول في المنازل.
يسن للمسافر إذا رجع إلى بلده أن يبدأ بالمسجد ويصلي فيه ركعتين، ثم ينصرف إلى بيته. كما يذكر أن إطعام الطعام عند العودة من السفر جائز وليس دائمًا.
يلخص أهم أحكام آداب السفر التي تمت مناقشتها في الدروس السابقة ويطلب من الله أن ينفع بما قيل. يختتم بالصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، ومما يذكر إخواني في الله في هذا المقام من الآداب المتعلقة بالأسفار ما يتعلق بمسألة الاجتماع عند النزول، أي إذا رأى المسافر أن ينزل منزلا وكان معه رفقة، فإن عند نزوله -سواء كان للراحة أو لتناول الطعام أو أن يأخذ شيئا من الأغراض- فليكن على هيئة جماعية، فليحرص على الهيئة الجماعية. وأمر معنا كيف أن المسافر أصلا إذا أراد أن يسافر فليتخذ معه رفقة، ولا ينفرد لوحده بسفره، يكون معه جماعة، وهكذا الجماعة تكون معك يا عبد الله حتى إذا نزلت منزلا. ولهذا ثبت من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله تعالى عنه قال: «كان الناس إذا نزلوا منزلا منزلا -أي في طريق سفرهم- تفرقوا في الشعاب والأودية، يتفرقون هذا يذهب تحت شجرة، وذاك يستضل تحت صخرة، وهذا تحت فيء، يتفرقون في الشعاب هناك وهنا وهنا، فلما رآهم نبينا عليه الصلاة والسلام كره هذا، فقال: إن تفرقكم في الشعاب والأودية إنما ذلك من الشيطان، إنما ذلك من الشيطان». قال الراوي: «فلم ينزل بعد ذلك منزلا إلا انضم بعضهم إلى بعض حتى يقال: لو بسط عليهم ثوب لعمهم»، أي من شدة انضمامهم بعد ذلك لو أن أحدهم أتى برداء ورمى به لغطى الجميع؛ لأن الكل تقارب مع أخيه. فهذا الأدب فيه إشارة إلى أن المسلم يحرص إذا نزلوا منزلا -مثلا قد يكون أحيانا نزول طارئ كأن يكون الباص قد تعطل الجماعي فينزل الناس، أو السيارة تعطلت- فبعض الناس يذهب ينفرد، وهذا ينفرد، وذاك يبتعد، فيتكون هيئة انفرادية، لا هذه الهيئة يكرهها الشرع، يكرهها الشرع لما فيها من التفرق، بخلاف الهيئة الجماعية ففيها القوة، وفيها المنع، وفيها حلول البركة، وفيها حلول البركة. فلهذا أمر نبينا بأن يجتمعوا، فقال: «إن تفرقكم من الشيطان»، فليجتمع الإنسان والمسافر حين النزول، وهكذا إذا كانوا في طعام يجتمعون مع بعض، فإن البركة تنزل عليهم. وكذلك وقد مر معنا هذا الحكم كذلك في كل مجلس، في كل مجلس تجد أن بعض المجالس -مثل الديوانيات أو الدواوين أو أماكن الاجتماعات- الخلق، فتجد أحدهم هناك، وذاك هناك، أو كذلك فيما يكون في حلقات العلم والذكر، تجد هنا الطرف، وذاك في ناحية المسجد الطرف، وذاك في مؤخرة المسجد، هذا التفرق غير محبوب في شرع الله، وإنما الذي يحبه ربنا التقارب والانضمام، فينبغي التقارب سواء كان هذا النزول في الأسفار أو كان في عامة المجالس. كذلك مما يذكر من آداب الأسفار عدم النوم في قارعة الطريق، عدم النوم في قارعة الطريق أحيانا، وهذا مسألة متصورة في الصدر الأول عندما كان الناس يسيرون في الطرقات والخلوات، لم تكن هناك أماكن مهيئة كهذه الأزمان التي وجدت فيها الفنادق، ووجدت فيها الأماكن المعدة للنوم وغير ذلك، أو كذلك المركوب أصبح الآن، كان إنسان ضاق به الأمر فما وجد مكانا، فلا أقل أن ينام في سيارته أو في باصه يكون في مأمن. لكن في تلك الأزمان قد لا يتأتى هذا، أو حتى هذه الأزمان أحيانا بعض الناس يحب أن ينام في البرية، ينام في البرية، فهنا يا عبد الله من أراد أن ينام فليتنبه أن لا ينام في أماكن الطريق، في أماكن الطريق. قال: فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض»، أي أنتم سافرتم وهذا السفر وافق أن يكون الأرض خصبة، والإبل تمشي طبعا الإبل كائن حي وهو يمشي وينظر، لهذا الخضر عن يمينه وعن شماله، فأنت لا تحرم هذا المخلوق هذا التطلع الفطري، فأعط هذا المخلوق شيئا حظه أن يأكل من هذا العشب، وهذا ثم تسير. فإذا مررتم بأرض خصب قال: «فأعطوا الإبل حظها من الأرض»، فإذا سافرتم في السنة -وهي أزمان القحط والجدب والجفاف- قال: «فأسرعوا عليها السير؛ لأن هذا المنظر يضجر الإبل، ما في طعام، ما في حشيش، ما في نبات، ولا خض، أمر يدعو النفس إليه، لربما يضيق هذا الحيوان من هذا المنظر، فأسرع حتى تمر إلى مكان يكون فيه مأكله». قال: واضع من قمة ما يكون من الإسلام في الرفق بالحيوان هذا هو الإسلام، ما يحتاج إلى حقوق ولا إلى لجان ولا إلى منظمات، هو في نفسه قائم على الرحمة والرفق مع كل مخلوق حتى مع الحيوانات. وفي هذه الأزمان -يعني في أزمان الأسفار- قال عليه الصلاة والسلام: «إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض، وإذا سافرتم في السنة فأسرعوا عليها السير، وإذا عرستم بالليل فاجتنبوا الطريق». وإذا عرستم بالليل، والتعريس على قول أكثر العلماء هو النوم في آخر الليل، هو النوم في آخر الليل، ومن ذهب قال: لا، التعريس هو النوم في أول الليل، ومن من أطلق اللفظة وقال: التعريس هو النوم في أي ساعة من ساعات الليل في أوله أو في وسطه أو في آخره. الشاهد من هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا احتاج الناس إلى أن يناموا -أي أهل السفر وهم في الليل- قال: «وإذا عرستم بالليل»، قال: «فاجتنبوا الطريق؛ فإنها مأوى الهوام بالليل، مأوى الهوام في الليل». وهذا كما قلنا رواه مسلم في صحيحه، يعني قال علماء الحكمة من هذا الباب: لربما أنت تمر -يعني لو مثلنا بصاحب إبل أو من كان صاحب مركوب فأحب أن ينام في هذا المكان- يقول: أنا ما أسأل أدخل داخل إلى هذه الأماكن، هذه أماكن موحشة، هذه أماكن ما أستأنس بها، لكن سأبقى هنا في قارعة الطريق كما أنك أنت تستأنس. اعلم أنك لست أنت المخلوق الذي يستأنس بهذا المكان، هناك غيرك يحب هذه الأماكن من الحشرات، من السباع، من الهوام، من دواب الأرض. قال علماء: لأن هذه المخلوقات تحب هذه الأماكن التي يسير عليها الآدمي أو يكون عليها حركة الناس، لماذا؟ لسهولتها، سهولة الطرق، الحشرة أو الدواب لربما يتعب من هذه الأماكن الوعرة، فإذا مر شاهد طريقا ممهدا يمشي عليه، يمشي ويسحب. فالمخلوقات هذه الحشرة تحب هذه الأماكن؛ لأنها محل مشي سهولة الطرق، زد على ذلك على ما يجدونه من اللقط، أو من كان في إبل لربما يأكل، أو من كان في مثل هذه الأيام في السيارة مع سندويش يرمي بها من النافذة، يرمي هذا أين تذهب؟ هذا تذهب في قارعة الطريق، هذا يجذب الحيوانات والحشرات، تجد الريحة فتأتي فتمشي على الطريق تتبع، أو أيام الإبل لما روث الإبل كذلك يستدعي الهوام والسباع، فتجد أن الهوام والسباع تمشي في هذه الأماكن التي يسير عليها الآدمي يسير عليها الآن. فتخيل أنت الآن وأنت تسير فتقف ثم تنام في هذا المكان، إذن سيأتيك من يأتيك من خلفك من هذه الهوام الذي تسير على طريق الناس. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «وإذا عرستم بالليل»، أي إذا احتجتم إلى التعريس، وهو النوم في الليل -سواء قلنا في آخره وهو على قول أكثر العلماء من أهل اللغة، أو في أي ساعة من ساعاته- «وإذا عرستم بالليل»، قال: «فاجتنبوا الطريق؛ فإنها مأوى الهوام بالليل». طبعا وهذا كذلك مع فعلك يا عبد الله. قد مر معنا أنا من آداب المسافر إذا نزل منزلا أن يأتي بالأذكار «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»، فإن هذا كذلك يعيذك من شر الهوام والآذى. كذلك من آداب المسافر -إخواني في الله- ومما يتعلق بعوده ورجوعه إلى بيته أنه إذا رجع، إذا استطاع أن يبدأ بالمسجد فليفعل، إذا استطاع أن يبدأ بالمسجد، وصلت إلى بلدك أول ما تفعل قبل أن تذهب إلى بيتك، تأتي إلى المسجد فتصلي فيه ركعتين، ثم تنصرف إلى بيتك راشدا، هذا إذا استطعت أن تفعله فافعل؛ لأن هذا من سنته عليه الصلاة والسلام. فقد ثبت في الصحيحين من حديث كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين». علق الإمام القرطبي رحمه الله تعالى على هذا الحديث بقوله: «إنما كان يفعل ذلك ليبدأ بتعظيم بيت الله قبل بيته، لتعظيم بيت الله قبل بيته، وليقوم بشكر نعمة الله عليه في سلامته؛ أن الله جل وعلا أوصلك إلى أهلك وإلى بلدك، إلى بلدتك سالما غانما، فكان من مقام شكر الله جل وعلا أن تصلي هذه الصلاة، عبارة عن ركعتين»، طبعا هذا إذا تيسر. ولربما تأتي أكثر الناس يأتون إلى بيوتهم في أوقات المساجد مغلقة، هذا أكثر المساجد تكون مغلقة، فحينها لا ضير، وإنما أمر مستحب، وهي سنة، وكم غفل الناس عنها، كما قال الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى قال: «وهذه السنة كم غفل الناس عنها، كم غفل الناس عنها». فإذا أمكن للإنسان أنه إذا جاء إلى بلده إلى وطنه أن يبدأ بالمساجد، فعل إذا أمكن كذلك. ولا بأس مع هذا القدوم والرجوع إلى أهلك سالما غانما أنك تطعم الطعام، فلا بأس، وهذه عادة قد جرى عليها العرف، وكذلك كانت هذه من شيء من العرب، فقد ذكر العلماء كالإمام النووي رحمه الله تعالى وغيره: أن من عادة العرب عندهم المأدبات أو المأدبة، وهو الطعام المعد للضيفان، أن أنواع الطعام له مناسبات وله أسماء، هناك الوظيمة، هناك الوكيرة، هناك النقيعة، هناك الإعذار، هناك الختان، هناك العقيقة، فهذه الأسماء لماذا؟ لمناسبات يعد لها طعاما، المرأة إذا سلمت من نفاس لها طعام، المولود سلامة المولود له طعام، الرجل إذا سكن مسكنا جديدا له طعام، عند المصيبة له طعام، أي طعام معد. وكان من عادة العرب قدوم المسافر كان إذا قدم المسافر أعد طعاما، ما المناسبة؟ قالوا: فلان قدم، فتعمل له هو لنفسه ولأهله، أو تعمله له، والإسلام قد أقر بهذا، الإسلام قد أقر بذلك. وقد ثبت عند أبي داود من حديث جابر رضي الله تعالى عنه قال: «لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة نحر جزورا أو بقرة»، قال جابر: «لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة نحر جزورا أو بقرة»، وهذا الحديث حسنه شيخ الألباني رحمه الله تعالى. فهذا مما كان يقيمه، ولكن ليس دوما، ليس دوما، ولهذا يقول العلماء: هذا إنما يقال للإباحة، فهذا جائز، وهذا يفعل أحيانا، تجد أن إنسانا قدم وخاصة مع طول غيبة كان يأتي من مكان بعيد قد انقطع عن أهله سنوات، فاستبشارا بقدومه تعمل له أو يعمل وليمة فيدعو الأقارب والأرحام والجيران، ما حكمه هذا؟ هذا طيب، فيقال: هل يصل هذا لحد البدعة؟ لا، ما يصل لحد البدعة والابتداع، بل هذا مما قد ثبت عن رسول الله أنه كان يفعله أحيانا. لكن لا يكون على ذلك كلفة كحال كل من قدم من سفر أعد وليمة، كل ما جاء من سفر عد وليمة حتى أصبح يفكر قادم السفر كيف سيعد هذه الوليمة، لا تفكر يا عبد الله أمر لا يحتاج إلى هذه الكلفة، إنما على قدر استطاعك، بل حتى من العلماء من قال: ما نستطيع أن نقول أنها مستحبة، وإنما هي جرى على ما عليه عرف الناس، فهي من المباحات والتي أقرها الإسلام. فالحاصل إخواني في الله هذا الذي سمعتموه في الدروس الماضية عبارة عن ملخص أهم أحكام آداب السفر، وهي كثيرة جدا، وإنما كان الإقصاء والتتبع لأهم هذه الآداب. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.