الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 74، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشدد الإمام الشافعي على أهمية التواضع وذل النفس في طلب العلم، ويؤكد أن هذا العلم لا يؤخذ إلا ببذل النفس وضيق العيش وخدمة العلماء.
يبرز دور ضبط النفس وتحمل المشاق في طلب العلم من خلال مواقف العلماء القدامى الذين كانوا يتحملون الجوع والفقر لطلب العلم.
يؤكد على أهمية الصبر والتواضع في طلب العلم، حيث كان العلماء يبذلون النفس ولا يخافون أحداً في قول الحق.
يلقي الضوء على دور العلماء في نصح الملوك والأمراء، حيث كانوا يطلبون النصيحة منهم ويصبرون على الذل لتحصيل العلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال إمام نووي رحمه الله في باب آداب المتعلم: قال شافعي رحمه الله: لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذل النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح. وقال أيضا: لا يدرك العلم إلا بالصبر على الذل. وقال أيضا: لا يصلح طلب العلم إلا لمفلس، فقيل: ولا الغني المكفي؟ قال: ولا الغني المكفي. هذه الآثار قد ذكرها عدة علماء، منهم الإمام الخطيب البغدادي في كتابه "الفقيه والمتفقه"، وكذلك بعضها في "حلية الأولياء" لأبي نعيم، وبعضها أيضا في "المناقب" للبيهقي. قال الشافعي رحمه الله: لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح. المراد أن هذا العلم أنزله الله عز وجل على نبينا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، فكان من أعظم الناس تواضعا، فلهذا فهذا العلم لا يؤخذ إلا بالتواضع، ولا يؤخذ إلا بذل النفس. أما من أراد أن يطلبه بعز النفس والملك فإنه لا يستفيد من هذا العلم. ولهذا قال سليمان بن عبد الملك لأبنائه: اذكروا هذا الذي أذلنا عند هذا العبد -يريد عطاء بن أبي رباح-. هذا العلم الذي أذلنا، ولولا العلم لما ذللنا عند هذا. نحن ملوك، لكن من أراد أن يطلب العلم وهو ملك ما يستطيع أن يطلبه. ولهذا تمنى بعض الملوك أن لو طلب العلم أو جلس عنده طلبة علم، مثل ما تمنى المأمون. وكذلك الوزير ابن العماد تمنى أن يكون عنده طلبة علم. فقال له وزير المأمون: أنت أحق بذلك يا أمير المؤمنين. فجاء بالخدم وكذا وأجلسهم، فقال: ليس هؤلاء، أنا ليس هؤلاء الذين يطلبون العلم، وإنما الذين يطلبون العلم هم الشعث رؤوسهم. يريد أن هؤلاء الذين ذلوا أنفسهم لأجل العلم قد لا يجد الإنسان ما يأكل، لكنه يريد أن يطلب العلم. يقال إن محمد بن طاهر المقدسي رحمه الله كان معه درهم، ما يدري هل يأكل به يشتري به طعاما أو يشتري به ورقا لأجل أن ينسخ، فكان في فمه، فكان تحير هل يفعل هذا أو هذا، فما درى من شدة الجوع إلا والتهم الدرهم. من كثرة الجوع ابتلع هذا الدرهم، فصار لا إلى الورق ولا إلى الطعام. فكان رحمهم الله كما قال عبد الرحمن بن خراش: شربت بولي خمس مرات. وقال أبو حاتم: تعرضت للموت أكثر من مرة. أنه هذا في رحلاتهم لطلب العلم، لكن ما كان يثنيهم هذا، ما كان يثنيهم أو يجعلهم يتركون العلم. فلهذا فالعلم يحتاج إلى تواضع وبذل النفس. قال: وضيق العيش عن الفقر. المراد أنه لا يشغله شيء عن العلم. فلهذا لو كان غنيا، لكنه التفرغ للعلم، فهذا يكفي. عنده أموال وعنده كذا، لكن ترك هذه الأموال وترك من يتاجر فيها وهو انتجه إلى العلم. فلهذا أيضا يحتاج إلى بذل نفسه وضيق العيش. المراد أنه لا يكثر على نفسه في الطعام والشراب. مثلا يكون عنده أموال فيشتري من أصناف الأطعمة، وأيضا يسرف في الطعام والشراب، ودائما يأكل ويشرب، فهذا قد يلهيه عن العلم. كثرة الطعام والشراب قد تلهيه عن العلم، لأن كما قال العلماء، وذكر الإمام ابن رجب رحمه الله في كتابه "جامع العلوم والحكم": أن نفرا من بني إسرائيل كانوا يعبدون الله عز وجل، فكان إذا حضر الطعام كان يقوم أحدهم فيقول: يا أيها الإخوان، لا تأكلوا كثيرا فتشربوا كثيرا فتناموا كثيرا فتكسلوا كثيرا. كثرة الأكل بعده كثرة الشراب، كثرة الشراب بعده النوم، وإذا كثر النوم كثر الكسل أو جاء الكسل. إذا كثر الإنسان في النوم جاءه الكسل. فلهذا كانوا يضبطون أنفسهم بهذا. ولهذا كان بعض العلماء لا يأكل إلا مرة في اليوم، وهو معه ما يأكل، لكنه لأجل العلم. وكان بعض العلماء لا يأكل الفواكه خاصة الحمضيات، مثل ما كان يفعل الزهري لأجل العلم. فكانوا يفعلون كل شيء لأجل أن يحافظوا على هذا العلم. فلهذا بذلوا أنفسهم وضيقوا العيش على أنفسهم لأجل هذا العلم. قد يكون الإنسان في بيته يأكل وعنده أصناف الطعام، ولا يجد في مركز العلم إلا طعاما واحدا، فهذا لا يجعل ويترك العلم لأجل الطعام، وإنما يصابر. فلا شك أنه سيفرج، وبصبره هذا سيفرج الله عز وجل عنه، فيتحصل على العلم، ويتحصل بعد ذلك أيضا على مبتغاه من الطعام والشراب. لكن غالبا الإنسان في طلب العلم والاجتهاد فيه لا يحتاج إلى طعام كثير. ولهذا الذين يكثر عليهم الطعام في بعض المراكز مثلا تجد أنهم ما يستفيدون كثيرا، ما يستفيدون علما كثيرا بسبب هذه الدسمات والكبسات وغيرها. فلهذا يحتاج طالب العلم إلى بذل النفس وضيق العيش. قال: ولكن من طلبه ببذل النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح. التواضع للعلماء، ليس المراد الخدمة هنا أن يخدمهم فقط، المراد أنه يأخذ العلم منهم ويتواضع لهم. قال: وقال أيضا: لا يدرك العلم إلا بالصبر على الذل. وهو أيضا من التواضع، يذل نفسه ولو كان غنيا ولو كان ملكا. كما قلنا أن الملوك كانوا لأنهم كانوا فيهم خير يأتون إلى العلماء. كان إسحاق عم هارون الرشيد يأتي إلى سفيان الثوري وينتظر سفيان حتى يصلي. قال: لو جاء إسحاق وأنا عند الثوري. وهذا إسحاق رجل مهاب في الدولة، ما يستطيع أحد أن يتجاوز عليه في دولة بني العباس. فدخل على سفيان فكان سفيان يصلي حتى انتهى سفيان، قال له: زاعي. فقال له إسحاق لسفيان: ما ترون في عملنا؟ فقال له سفيان: إن كنتم أخذتم حق غيركم فأنتم ظلمة. فخاف إسحاق من هذا الكلام، لذكر سفيان له أنه واجهه بمثل هذا الكلام. فكان العلماء لا يخافون من أحد، لكن ما كانوا يثيرون الناس على هؤلاء الأمراء، لكن إذا جاءوهم نصحوهم. وكذلك الملوك كانوا يأتون إلى العلماء يطلبون منهم النصيحة، ويطلبون منهم أيضا كذلك أو يسألونهم في شيء كما ذكرنا فعل سليمان بن عبد الملك وغيره. فقال الإمام الشافعي رحمه الله: لا يدرك العلم إلا بالصبر على الذل.