التعليق على مقدمة المجموع 75

الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 75، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

آداب طلب العلم وتطهير القلب

يتناول هذا الفصل أهمية تطهير القلب من الأدناس ليتسنى للمتعلم قبول العلم وحفظه والانتفاع به، مع التشديد على قطع العلائق الشاغلة عن الاجتهاد في التحصيل والتواضع في طلب العلم.

التضحية والزهد في سبيل العلم

يركز هذا الفصل على أهمية التضحية وضيق العيش وخدمة العلماء في طلب العلم، مع الإشارة إلى أمثلة السلف في التقشف والتحمل للفقر وضيق العيش من أجل طلب العلم.

تأثير الزواج على طلب العلم

يناقش هذا الفصل تأثير الزواج على طلب العلم، مع التركيز على أهمية التفصيل في هذا الأمر، وحكم الزواج لمن لديه رغبة شديدة مع النظر إلى استطاعة الباءة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، إن شاء الله تعالى نستأنف القراءة في كتاب الإمام النووي في مقدمة المجموع. قال الإمام النووي في باب آداب المتعلم: أما آدابه في نفسه ودرسه فكآداب المعلم، لأنه قد ذكرنا آداب المعلم، وهذه آداب المتعلم. قال: وينبغي أن يطهر قلبه من الأدناس ليصلح بقبول العلم وحفظه واستثماره، أنه إذا طهر قلبه بالإخلاص والتقوى، فإن قلبه يصلح لقبول العلم، وكذلك حفظه واستثماره. تقدم أن الحفظ أو تقوى الله عز وجل له دور في الحفظ. قال: ففي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». هذا الحديث في الصحيحين. قالوا: تطييب القلب للعلم كتطييب الأرض للزراعة، أن يطيب القلب لأجل العلم. فطهارة القلب تكون أعظم لتلقي العلم، ولقبول العلم، ولحفظه، وللاستمرار فيه، وأيضا أعظم شيء وهو الانتفاع بالعلم. قال: وينبغي أن يقطع العلائق الشاغلة عن كمال الاجتهاد في التحصيل، ويرضى باليسير من القوت، ويصبر على ضيق العيش. قال الشافعي رحمه الله: «لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح». وهذه العبارة صحيحة عنه، رواه البيهقي وغيره في آداب الشافعي، وكذلك ذكرها الإمام ابن عبدالبر في بيان العلم. قال: «لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح»، أنه لا يفلح إن كان أراد بهذا العلم عز النفس والملك، أنه لا يدل نفسه للعلم، ولا يطلب العلم مستكبرا، أي لا ينتفع بهذا العلم. كما قال مجاهد: «كان يقال لا يطلب العلم اثنان: مستحي ومستكبر»، حتى وإن طلب فإنهما لا ينتفعان. فلابد من الذل في العلم، ذل في طلبه، وذل كذلك فيمن يطلب منه هذا أحيانا. بعض العلماء عندهم علم يحتاج إلى استخراجه منهم، وهذا يحتاج إلى ملازمتهم، وكذلك خدمتهم أحيانا حتى يتسنى له في بعض الأوقات أن يأخذ هذا العلم الذي عندهم. ولهذا كان الأئمة يهابون شيوخهم، حتى قال الشافعي رحمه الله: «ما كنت أستطيع أشرب الماء ومالك ينظر إلي». وقال الربيع بن سليمان صاحب الشافعي: «ما كنت أستطيع أن أقلب الورقة والشافعي ينظر إلي». وهذا هيبة للعلماء. قال: «ولكن من طلبه بذل النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح»، يبدل نفسه للعلم ويتفرغ، وأيضا يبدل وقته. وكذلك أيضا وإن كان حصل ضيق العيش، ضيق العيش ما عنده مال، أحيانا لا يجد طعامه. السلف رحمه الله ضربوا مثالا عظيما في هذا الباب، أي في باب التقشف في العلم. قد لا يجد الإنسان حتى الطعام الذي يقيمه، بعضهم من كثرة الانشغال بالعلم لا يستطيع حتى أكل الطعام. كان بعضهم يتحسى طعامه في الماء حتى يبله. ذكر ابن الجوزي عن بعض العلماء أنه كان يضع الكعك في الماء ويقول: «هناك فرق بين بلله وبين أكله يابسا». هنا فرق في الوقت، إذا كان سيأكله يابسا فإنه يتأخر، لكن إن أكله معناه بالماء فإنه لا يتأخر في طعامه ويدرك وقتا كثيرا. قال: «وخدمة العلماء أفلح»، أنه إذا حصل له هذا الأمر فإنه يفلح لأنه يتلقى العلم تلقيا صحيحا. وقال أيضا: «لا يدرك العلم إلا بالصبر على الدل». وقال أيضا: «لا يصلح طلب العلم إلا لمفلس»، مفلس معناه ما عنده مال. وأما من كان عنده مال فإنه قد يشغل بهذا المال. قال: فقيل: «ولا الغني المكفي». وقال مالك بن أنس رحمه الله: «لا يبلغ أحد من هذا العلم ما يريد حتى يضربه الفقر ويؤثره على كل شيء». لهذا قالوا لشعب فلان يطلب العلم: «بشروا أهله بالإفلاس». وهذا يحيى بن معين، أبو زكريا رحمه الله ورث مالا كثيرا من والده، أنفقه كله في العلم حتى صار فقيرا ليس عنده شيء. لأن العلم يحتاج إلى كتب، يحتاج إلى مراجع، يحتاج إلى بذل لطلب العلم، الذهاب إلى الشيوخ، الرحلة وغير ذلك، وكل هذا يحتاجه العلم. قال: ويؤثره على كل شيء، يعني قال مالك: لا يبلغ أحد من هذا العلم ما يريد حتى يضربه الفقر، معنى حتى يضربه، معنى تحتمل أنه يضر به، الظاهر أنه يضر به حتى يضر به الفقر، أو يضربه معنى أنه يكون فقيرا. وقال أبو حنيفة: «يستعان على الفقه بجمع الهم». ويستعان على حد العلاء بأخذ اليسير عند الحاجة ولا يزد. وقال إبراهيم: «الأجر من طلب العلم بالفاقة ورث الفهم». من طلب العلم بالفاقة، أي بالفقر ورث الفهم. وقال الخطيب البغدادي في كتاب الجامع لأخلاق الراوي والسامع: «يستحب للطالب أن يكون عزبا ما أمكنه؛ لأن لا يقطعه الاشتغال بحقوق الزوجة والاهتمام بالمعيشة عن إكمال طلب العلم». أن يحاول أن يكون في بداية طلبه للعلم أنه يجد ويجتهد حتى إذا تزوج يكون عنده حصيلة من العلم. فأما إذا كان في بداية الطلب قد تزوج فقد يشغله، لكن في بداية الطلب يجتهد ويجد حتى يتحصل على حصيلة عظيمة في العلم، ثم بعد ذلك يتزوج. وهكذا كان العلماء، إلا أن يسر الله عز وجل له، أو أنه شغل عن العلم بمسألة الزواج وغيره، فالزواج خير له وغيره، لكن إن كان لم يشغل بهذه الأمور عن العلم فالعلم أفضل. لكن إن شغلته هذه الأمور عن العلم فالأولى أنه يتزوج إن يسر الله له. ولهذا في شرح الشيخ رحمه الله، فقال: لا هذا لا نوافق عليه إطلاقا؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يحث الشباب على الزواج، «من استطاع منكم الباءة فليتزوج». ونحن نقول: يا معشر الطلبة لا تتزوجوا، هذا يقول الشيخ: هذا بعيد عن الصواب، بل يقال: تزوج، وربما تكون الزوجة خير معين له في علمه. لكن مطلق الفردية لا نوافق عليه إطلاقا، الكلام يحتاج إلى تفصيل. فإن كان الشخص منشغلا بالعلم ولم تشغله هذه الأمور عن العلم فالأولى له أن يستمر. وإن كان هناك عنده رغبة شديدة إلى الزواج، فهذا يأخذ بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج». فهذا هو التفصيل في هذه المسألة.