الدرس في من فقه الدعوة 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
بدأ جميع الأنبياء والرسل دعوتهم بالأمر بتوحيد الله والنهي عن الشرك، كما تدل عليه آيات قرآنية تذكر دعوة نوح وهود وصالح وشعيب وعيسى ومحمد عليهم السلام، وهذا المنهج هو أصل الحكمة في الدعوة وأساسها.
بعث النبي صلى الله عليه وسلم في أمة غارقة في الجاهلية تعبد الأصنام حول الكعبة، فبدأ دعوته بإخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك، وتأكيد ذلك مواقفه في سوق ذي المجاز وحديثه لعمرو بن عبسة وسؤال هرقل لأبي سفيان وكلام جعفر للنجاشي.
وجه النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل عند إرساله إلى اليمن بالبدء بدعوة التوحيد، مؤكداً أن الدعوة إلى توحيد الله والتحذير من الشرك واجب مستمر على كل داعية حتى مع وجود الإسلام، مستدلاً بمواقف النبي وإبراهيم وآيات القرآن المحذرة من عواقب الشرك.
يجب على المسلمين الاهتمام بالتوحيد والدعوة إليه، والتحذير من الشرك والبدع وسائر المخالفات، باعتبارها من أوائل وأعظم ما يُدعى إليه في سبيل الله، مع الدعاء بأن يوفق الله الجميع للهداية والاستقامة.
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فتقدم معنا إخواني في الله في مجالس سابقة بعض ما يتعلق بفقه الدعوة إلى الله عز وجل، وأنه ينبغي على الداعي إلى الله عز وجل أن يتحلى بصفات، وهكذا يقوم بأمور تكون سببًا عظيمًا في نجاح دعوته، وسببًا عظيمًا في نشر الخير وأن يعم الخير الجميع. وقد تقدم معنا في المجلس الماضي ما يتعلق بأهمية اتصاف الداعي إلى الله عز وجل بالحكمة في الدعوة إلى الله عز وجل، الحكمة في الدعوة إلى الله عز وجل. ومن ذلكم أيضًا، وهو يعتبر من الحكمة أيضًا في الدعوة إلى الله عز وجل، هو أن يبدأ الداعي إلى الله عز وجل بمهمات الأمور. وإذا نظر، لو نظر الناظر وتأمل المتأمل وتأمل المتأمل في حالة أنبياء الله ورسله، وهكذا أيضًا أئمة الهدى ومصابيح الدجا الذين سلكوا طريق الدعوة إلى الله عز وجل، يجد أن بادئ كل ذي بدء وأول ما يدعى إليه هو الأمر بتوحيد الله عز وجل، الأمر بتوحيد الله عز وجل. فهذا هو الأمر الأول الذي يدعى الناس إليه، الذي يدعى الناس إليه، فأمرهم بالتوحيد وتحذيرهم من الشرك يعتبر من أول ما دعا إليه الأنبياء والرسل. ولهذا إخواني في الله، ربنا سبحانه وتعالى قد ذكر في كتابه الكريم فقال: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36]، ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36]. والأنبياء والرسل كلهم، من أولهم أولهم إلى آخرهم، نعم دعوا إلى هذه الكلمة، الكلمة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، دعوا إلى هذه الكلمة العظيمة التي هي كلمة التقوى والعروة الوثقى والعروة الوثقى. وقد ذكر ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم عن عدد من الأنبياء وعدد من المرسلين، وأنهم أول ما بدأوا في دعوتهم إلى أقوامهم أو لأخوامهم أن دعوا إلى شهادة أن لا إله إلا الله، إلى الدعوة إلى توحيد الله عز وجل. فهذا أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض وهو نوح عليه الصلاة والسلام، قال الله عنه: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [الأعراف: 59]. وهكذا قال ربنا سبحانه وتعالى في عبده ورسوله هود عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: 65]. وهذا نبي الله صالح عليه الصلاة والسلام، ذكر ربنا سبحانه وتعالى عنه فقال جل فعلا: ﴿ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [الأعراف: 73]. وهذا شعيب عليه الصلاة والسلام الذي أرسله الله عز وجل إلى مدين، فقال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ [الأعراف: 85]. وهكذا أيضًا من هؤلاء الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام الذين اهتموا اهتمامًا كبيرًا وبالغًا بالدعوة إلى توحيد الله عز وجل، وأن لا تكون العبادة إلا لله سبحانه وتعالى، لا تصرف لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل ولا لولي صالح، فضلًا عم من دونهم. عيسى عليه الصلاة والسلام، فقد قال ربنا سبحانه وتعالى عنه: ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ﴾ [المائدة: 117]، ﴿ كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ﴾ [المائدة: 117]. وهكذا أيضًا إخواني في الله، نعم، خاتم الأنبياء وأفضل المرسلين نبينا عليه الصلاة والسلام، الذي ختم الله به النبوة والرسالة، وآتاه من الفضائل والمزايا الشيء العظيم، آتاه ربنا سبحانه وتعالى الحوض المورود والمقام المحمود والشفاعة العظمى، آت ربنا سبحانه وتعالى نبيه عليه الصلاة والسلام وأكرمه بأن غفر له ذنبه ورفع له ذكره، وهكذا أيضًا جعله أول من يستفتح باب الجنة. نبينا عليه الصلاة والسلام هو كغيره من الأنبياء والرسل، أول ما بدأ في دعوته إلى الله عز وجل دعا الناس إلى توحيد الله عز وجل. بعثه ربنا سبحانه وتعالى في أمة كانت تعيش جاهلية جهلًا، تعيش حياة مظلمة، يعبد فيها الصنم والوثن والكواكب والنجوم، وانتشر فيها كثير من العادات السيئة ومن الأخلاق الذميمة، كان حول بيت الله الحرام وبجوار الكعبة زادها الله شرفًا، نعم، ما يزيد على ثلاثمائة وستين صنمًا، وكلها تعبد من دون الله عز وجل أو مع الله سبحانه وتعالى. نبي عليه الصلاة والسلام أول ما بدأ دعوته إلى الله عز وجل أن دعا الناس إلى أن يخلصوا في عبادتهم لله عز وجل، أن لا يجعلوا مع الله إلهًا آخر. ولهذا تعجبوا من ذلك واستنكروا ذلك، فقال قائلهم: ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ [ص: 5]، ﴿ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ [ص: 5]، أي دين هذا جديد يأمر بنبذ هذه الأصنام وهذه الآلهة التي كان يعبدها الآباء والأجداد ومن قبلهم، تترك هذه كلها كلها ولا يعبد إلا الله سبحانه وتعالى وحده، إن هذا لشيء عجاب. جاء عند الإمام ابن خزيمة رحمه الله تعالى من حديث طارق المحاربي رضي الله تعالى عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو بسوق ذي المجاز وعليه حلة حمراء يقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا». والحديث في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين لشيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى. وهكذا مما يدل على اهتمام نبينا عليه الصلاة والسلام ببادئ كل ذي بدء، وهكذا قبل كل شيء، بيئ الدعوة إلى توحيد الله عز وجل، ما جاء في مسلم من حديث عمر بن عبسة السلمي رضي الله تعالى عنه، ذكر أنه أو قال: كنت أظن أن الناس في الجاهلية على ضلالة وأنهم ليسوا بشيء وهم يعبدون الأصنام، قال: فسمعت عن رجل بمكة يخبر بأخبار، قال: فركبت راحلتي وتوجهت إلى مكة، قال: فجلست على راحلتي ثم توجهت إلى مكة، فدخلت على هذا الرجل، وذكر رضي الله تعالى عنه من حالة النبي عليه الصلاة والسلام وأن قومه جروا عليه ما كانوا يتورعون عن أذيته، وما كانوا كذلك أيضًا يشفقون عليه، وإنما كانوا يقابلوه بشتى أنواع الأذى، وهكذا أيضًا أنواع الشرور التي كانوا يعاملون بها نبينا عليه الصلاة والسلام. قال عمر بن عبسة رضي الله عنه: قال فدخلت عليه فقلت: ما أنت؟ قال: أنا نبي. قال قلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله. قال قلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يعبد الله ولا يشرك به شيئًا. انظر، قال: أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يعبد الله ولا يشرك به شيئًا. قال فقلت: من معك على هذا الأمر؟ قال: حر وعبد، قال: حر وعبد، يعني أبا بكر وبلال رضي الله عنهما. قال عمر بن عبسة: قال فإني متبعك، فإني متبعك. وهكذا أيضًا مما يدل على ذلك ما جاء في الصحيحين من حديثي ابن عباس في قصة سؤال جبريل، في قصة سؤال هرقل، هرقل عظيم الروم لأبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، وكان يومها مشركًا، فقال له هرقل: بماذا يأمركم؟ قال: يقول: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يعبد آباؤكم. قال: ويأمرنا بالصلاة والصلة، أو ويأمرنا بالصلاة والعفاف، ويأمرنا بالصلاة والصلاة. فهذا أيضًا مما يدل على اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر. وهكذا جاء عند الإمام أحمد وغيره من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها في هجرتهم إلى الحبشة، وأن نجاشي الحبشة لما استدعى المؤمنين من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكان المتكلم هو جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فقال جعفر رضي الله عنه: «أيها الملك، إنا كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف». هذه أمور كان عليها أهل الجاهلية هي من أبرز الأمور التي تفشت بينهم، قال: «ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى أرسل الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ولا نشرك به شيئًا، ونترك ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والطين، ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والطين». وهكذا عدد له محاسن الإسلام والأمور التي كان يدعوهم إليها النبي صلى الله عليه وسلم من صدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الأرحام وحسن الجوار، وهكذا أيضًا البعد عن انتهاك المحرمات والدماء. وهكذا أيضًا إخواني في الله، مما يدل على ذلك أيضًا ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس، وجاء أيضًا من حديث معاذ رضي الله تعالى عنهم، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذًا إلى اليمن بعثه معلمًا وداعيًا وقاضيًا، لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب، إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله». في رواية: «فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحد الله». وهذا يدل على الاهتمام بهذه الكلمة العظيمة، ألا وهي شهادة أن لا إله إلا الله. قال: «فإنهم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإنهم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تأخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فترد على فقرائهم». قال: «وإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». هذه آداب وتوجيهات وجه بها نبينا صلى الله عليه وسلم أحد الدعاة النجب والصحابة الفضل رضي الله تعالى عنهم، وهو معاذ رضي الله تعالى عنه، حين أن أرسله إلى اليمن، وهذا يعتبر توجيهًا لكل داعي إلى الله عز وجل، ولكل من سار وسلك هذا الطريق العظيم، هذا الطريق العظيم، ألا وهو طريق الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. وليس معنى أن الإنسان يدعو الناس إلى التوحيد أن الناس ليسوا بمسلمين أو أنهم أهل شرك، هذا ليس بصحيح، وإنما ينبغي على الدعاة إلى الله عز وجل أن يكرروا دائمًا وأبدًا الدعوة إلى توحيد الله عز وجل، وهكذا التحذير من الشركيات، وهكذا البدع والمخالفات التي هي طريق إلى الشرك، طريق إلى الشرك بالله عز وجل. وهذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام يفعله، فظل عليه الصلاة والسلام، فظل عليه الصلاة والسلام طيلة دعوته بمكة ثلاثة عشر سنة يدعو الناس إلى التوحيد، ولما انتقل إلى المدينة وأقام دولة الإسلام بالمدينة لا زال عليه الصلاة والسلام يدعو الناس إلى التوحيد. بل في آخر أيامه عليه الصلاة والسلام، وفي آخر لحظاته عليه الصلاة والسلام قبل أن يفارق هذه الحياة الدنيا ويلحق بالرفيق الأعلى، كان عليه الصلاة والسلام يدعو إلى التوحيد، يدعو إلى التوحيد ويحذر من الشرك وما قد يكون سببًا إلى الوقوع في الشرك. فلما ذكر له بعض أزواجه من أمهات المؤمنين كنيسة بالحبشة يقال لها مارية، قال عليه الصلاة والسلام: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله». وهكذا كان يقول: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وكان يقول عليه الصلاة والسلام: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد». ولهذا هذا الذي ذكر سابقًا من المفاهيم الخاطئة التي ينبغي أن تصحح عند كثير من الناس، يوم أن يقف الداعي فيدعو إلى التوحيد ويحذر من الشرك، فيتبادر إلى أذهان بعض الناس أنه يخاطب أناسًا مشركين، وهذا غير صحيح، وإنما ينبغي علينا دائمًا وأبدًا أن نتذاكر أمر التوحيد، وأن يوصي بعضنا بعضًا بتجنب الشرك والبعد عن الشرك. إذا كان نبي الله ورسوله وخليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان يدعو ربه عز وجل بقوله: ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾ [إبراهيم: 40-41]، وقال: ﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾ [إبراهيم: 35]. إبراهيم الذي كسر الأصنام بيده ودعا أباه وهكذا قومه إلى التوحيد مرارًا وتكرارًا، ومع هذا كان يخاف على نفسه، وهكذا أيضًا على بنيه، وحاشاه عليه الصلاة والسلام من أن يقع في الشرك، فيقول: ﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾ [إبراهيم: 35]. فمن يأمن البلاء بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟ فالمؤمن دائمًا وأبدًا يخاف على نفسه من أن يقع في الشرك فيحبط عمله، وهكذا يفسد دنياه وآخرته. وذلك إخواني في الله، أن الوقوع في الشرك يعتبر من أعظم الذنوب وأكبر المحرمات التي حرمها ربنا سبحانه وتعالى، فمن وقع في الشرك فقد أخبر ربنا سبحانه وتعالى أنه إن مات على ذلك فإنه لا يغفر له ذلك. قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ﴾ [المائدة: 72]. وهكذا أخبر ربنا سبحانه عن خطورة مخالفة التوحيد والوقوع في الشرك فقال سبحانه: ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾ [الحج: 31]. وقال سبحانه: ﴿ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ﴾ [المائدة: 72]. ينبغي علينا أيها المسلمون عباد الله أن نهتم بأمر التوحيد والدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك، وهكذا من البدع، وهكذا من سائر المخالفات، فهذا من أوائل ما يدعى إليه، ومن أعظم ما يركز عليه في باب الدعوة إلى الله عز وجل. نسأل الله سبحانه بمنه وفضله وإحسانه أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.