الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 462، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتحدث هذا الفصل عن قتيبة بن سعيد، أحد رواة الحديث، ويذكر بعض مشايخه وتلاميذه، مع التركيز على أئمة الحديث الكبار. يشير إلى سعة حفظهم وهمتهم في حفظ ومراجعة الأحاديث.
يفسر هذا الفصل حديث «إذا توضأت فانتثر، وإذا استجمرت فأوتر» ويبين دلالته على وجوب الاستنشاق والاستنثار في الوضوء. يتناول آراء العلماء حول وجوب الاستنشاق في الوضوء.
يشرح هذا الفصل تفاصيل الاستنجاء والاستجمار، مبينا أن الاستجمار يجب أن يكون بوتر، وأقل ذلك ثلاثة أحجار. بينما الاستنجاء بالماء لا يشترط فيه عدد معين، ويكفي حتى يزول الأذى.
يناقش هذا الفصل حكم إزالة النجاسة، مبينا أن الأصل هو إزالتها، ويمكن إزالتها بالماء أو بغيره. يشير إلى أن إزالة النجاسة تزيل حكمها بأي وسيلة تزيلها.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين»: مسند سلامة بن قيس، فضي الله عنه، والظاهر أنه كوفي، ولم أقرأ في ترجمته، إن شاء الله تعالى في درس لاحق نقرأ في ترجمته، لكن الإسناد كوفي. قال الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد، وهو أبو رجاء البغلاني، قتيبة بن سعيد بن طريف بن جميل. قال العلماء: اجتمع في آبائه ثلاثة من السعادة: سعيد، وطريف، وجميل. السعادة، والطرافة، والجمال. هو أبو رجاء الثقفي البغلاني، وكان طالبا للعلم محافظا، وهو مصري، لكنه كان أكثر جلوسه في بغداد أو في العراق، وكذلك ذهب إلى مكة والمدينة، وأخذ عن مالك، وجاءه طلبة العلم من كل مكان، ولهذا كان يقول: طلبة العلم عندي ثلاثة أو خمس طبقات: طبقة من مشايخه أخذوا عنه العلم، أخذوا عنه أحاديث، وكذلك أيضا طبقة من زملائه، وثم طبقة عليا كأئمة الإسلام: كأحمد، وعلي، ويحيى بن معين، وإسحاق، وإبراهيم وغيرهم، كذلك جاء بعدهم البخاري ومسلم وأبو حاتم وأبو زرعة، ثم جاء أيضا من بعدهم الترمذي والنسائي. والنسائي يعتبر من آخر أهل السنن، لأنه مات بعد الثلاثمائة، فعمر قتيبة حتى أدركه أناس من الصغار، وكما يقال: جمع بين الأجداد والأحفاد، معنى أنه روى عنه أجداد، وروى عنه أحفاد. قال: حدثنا حماد بن زيد، وحماد بن زيد بن درهم البصري، هو إمام في السنة، وكان حافظا كبيرا، يقارن بسفيان الثوري في حفظه، وكان من أحفظ أهل البصرة، حتى كان أهل الكوفة إذا أرادوا أن يتفاخروا بينهم وبين أهل البصرة، قالوا: عندنا حماد بن زيد، إسماعيل بن علي، هؤلاء لا يذكرون، وهاتوا من معكم من الآخرين. يقولون: أهل الكوفة عندنا حفاظ مثل ما عندكم أهل البصرة، لكن يقولون: عندنا حماد بن زيد، إسماعيل بن علي، هؤلاء لا يقارن بهم أحد من أهل البصرة من أهل الكوفة. وهذا معنا بعد ما مات سفيان الثوري، وإلا فأهل الكوفة فيهم سفيان، وهو أفضل بكثير من حماد، وكذلك إسماعيل بن علي وغيرهم، فهذا الحفظ، الله عز وجل عطاه لهؤلاء هبة عظيمة ونعمة عظيمة، حتى لا يكاد يصدق حفظه، أن الإنسان يحفظ آلاف الأحاديث، ولا يخطئ غالبا إلا في شيء يسير، فهذا شيء كالمعجز. الإنسان الآن إذا حفظ مئة حديث أو مئتي حديث، تجد أنه يخلط في بعضها، لكن هؤلاء يحفظون مئات الأحاديث مع أسانيدها، بل آلاف الأحاديث مع أسانيدها. كان إسحاق، وإبراهيم، وكذلك أبو داود الطيالسي، وجماعة من الحفاظ، كانوا يسردون ثلاثين ألف حديث، وهم في مجلس واحد. كان إسحاق، وإبراهيم يطالع في الليل، ويقرأ الأحاديث، يقرأ قرابة ثلاثين ألف حديث، وهو متكئ، حتى يأتي عليه الفجر، وهذه همة عظيمة. كذلك كان يفعل أبو داود الطيالسي رحمه الله، يقرأ من بعد الفجر إلى الظهر، وهو يسرد أحاديث حفظا. قال: حدثنا حماد بن زيد، وجرير، أي جرير بن حازم، أو جرير بن عبد الحميد الضبي، جرير بن عبد الحميد الضبي، لأن عرفنا ذلك بمنصور، وإلا فقتيبة بن سعيد يروي عن جرير بن حازم البصري، ويروي عن جرير بن عبد الحميد الضبي، لكن لأن الإسناد كوفي، عرفنا أنه ابن عبد الحميد الضبي. قد ذكرنا قبلا أن جرير إذا جاء في الإسناد الكوفي، فهو ابن عبد الحميد الضبي، كذلك إذا جاء في الإسناد المدني أو الحجازي، أيضا هو جرير بن عبد الحميد، وإذا كان في الإسناد البصري، فهو جرير بن حازم. قال: حدثنا حماد بن زيد، وجرير، وهو الضبي، عن منصور. منصور هو ابن المعتمر، وكان حافظا كبيرا، وإماما من أئمة المسلمين، كان فقيها من فقهاء أهل الكوفة، ولم ير أهل الكوفة مثله في العلم والفقه، أي في الزمن، وكان رجلا عابدا. وقد ذكرنا تلك القصة التي ذكرها العلماء في صلاته رحمه الله، فكان يصلي الليل وكأنه عمود، حتى لما مات، قالت بنت جاره لأمها: يا أمي، أين ذلك العمود الذي كان في بيت منصور؟! كانت تراه في الليل يصلي، فظنت أنه عمودا، وهذا يدل على كثرة قيامه. قال: حدثنا هلال بن يساف، وهو أيضا كوفي، ثقة من خيار عباد الله الصالحين، قال: عن سلمة بن قيس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا توضأت فانتثر، وإذا استجمرت فأوتر». قال أبو عيسى: حديث سلمة بن قيس حديث حسن صحيح. قال أبو عبد الرحمن: هو حديث صحيح على شرط مسلم، وهو من الأحاديث التي ألزم الدارقطني البخاري ومسلما أن يخرجاها. والحديث أخرجه النسائي، أخرجه النيسابوري، والحميدي على الإمام الدارقطني له كتاب سماه «الإلزامات»، وذكر فيه قرابة مئتي حديث، يلزم البخاري ومسلما أن يخرجاها، لأنهما قد أخرجا مثلها. ومعلوم أنه لا يلزمهما، لأنهما لم يلتزما أن يخرجا كل حديث صحيح، فلهذا فإلزامهما ليس بصحيح، لكن لعل الإمام الدارقطني، وهو الإمام في هذا الباب وفي هذا الشأن، أراد أن هذه الأحاديث تشبه أحاديث البخاري ومسلم، تشبه أحاديث البخاري ومسلم، وكان حقا عليهما أن يخرجاها، وليس المراد أنه يلزمهما الإخراج، لأنهما لم يلتزما ذلك. وقد ترك أحاديث كثيرة لم يخرجاها، وهي صحيحة. قال ابن بنت شرحبيل: سأل أبو بكر بن موسى مسلما رحمهم الله، قال: ماذا ترى في حديث أبي هريرة، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قرأ الإمام فأنصت، وإذا قرأ فأنصت». وقال: حديث صحيح، قال: ولماذا لم تخرجه في صحيحك؟ إنما أخرجت حديث بموسى. فقال: ما كل حديث صحيح أخرجته في هذا الصحيح. وهذا يدل على أنه لم يخرج كل حديث صحيح، وكذلك البخاري بيّن أن هذا الصحيح إنما انتخبه من أحاديث صحيحة كثيرة، فلهذا فهو لا يلزمهما أن يخرجه. وكذلك استدراك الحاكم أيضا لا يلزمه، الحاكم فعل المستدرك أيضا، الاستدراك الذي فعله ليس بلازم له، ولا بمستدرك له، لأنه ما التزم أن يخرج كل حديث صحيح. قال النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: «إذا توضأت فانتثر، وإذا استجمرت فأوتر». هذا الحديث أصله في الصحيحين، جاء من حديث أبي هريرة: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر». قالوا: «إذا استجمر فليوتر». أخرجه البخاري، وجعله حديثا واحدا، وذكره الإمام مسلم، وفصل بينهما، معناه لأنه ليس حديثا واحدا، لكن هنا في هذا الحديث أيضا جعلها حديثا واحدا، لأنه سلمة بن قيس سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام هكذا. ولعل البخاري جمعها أو جمع هذه الجمل معا، لأنها جاءت في بعض الأحاديث معا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا توضأت فانتثر». وهذا الحديث يدل على وجوب الاستنشاق والاستنثار، كما جاء كما قلنا في الصحيح: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءا ثم لينتثر»، فليجعل في أنفه ماءا ثم لينتثر، فدل على وجوب الاستنشاق والاستنثار، وجوب الاستنشاق والاستنثار. وقد قال به الوجوب الإمام أحمد في رواية عنه، وكذلك الإمام أبو ثور، وأبو عبيد، وجماعة من أهل العلم، وهو قول ابن حزم، كذلك على وجوب الاستنشاق في الوضوء، لهذا الحديث. وهذا الحديث فيه الوجوب، إلا أن الإمام الشافعي رحمه الله كان يقول: لم أر، ولم أسمع عن أحد من تقدم من السلف أنه أبطل وضوء من لم يتمضمض أو يستنشق. يقول: لم يأت قول عن أحد من السلف أنه أبطل وضوء من لم يستنشق ولم يتمضمض. ولهذا الظاهر أن الإمام أحمد لا يرى الوجوب بمعنى الركنية، لأن الإمام أحمد كان أتبع الناس للصحابة، يقول: أتبع لأئمتي لكلام الصحابة رضي الله عنهم، ولهذا لعل أراد بالوجوب هنا غير الفرضية، أي أنه لا يبطل وضوء، وإنما ينقصه، وقد يأثم من لم يستنشق. وأما لبطلان الوضوء، الظاهر أنه لم يقصده رحمه الله، لأن في مذهب الحنابلة يقولون بالوجوب بعض الأشياء كواجبات الصلاة، ولا تجد ذلك في مذهب الشافعي، وكذلك مالك، لكن في مذهب أحمد تجد الوجوب، وعنده أيضا روايتان في مسألة الواجبات، في رواية على رواية إسحاق إبراهيم أنه إذا ترك الواجب متعمدا بطلت صلاته، وفي رواية أخرى أنها لا تبطل الصلاة، وإنما ينقص الأجر، أو يأثم الذي يترك الواجب. ولعل هذا مثلها. وأيضا فيه الاستنثار، أيضا الاستنثار، وهو إخراج الماء من الأنف، الاستنشاق إدخاله، والاستنثار إخراجه، وسمي الاستنثار لأنه يحرك النثرة، والنثرة هي اللحمة الموجودة في جانبي الأنف، فلهذا قيل له استنثار. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا توضأت فانتثر». والعبارة الأخرى: «وإذا استجمرت فأوتر». المراد بالاستجمار هنا الاستنجاء بالحجارة، الاستنجاء بالحجارة، ففيه وجوب الوتر، وأقل الوتر الذي يجب فيه هو ثلاث، كما جاء في حديث سلمان، لما قال له بعض الدهاقنة ومن النصارى: قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟! هو يريد أن يستهزئ، قال: أجل، كان ينهانا أن نستقبل القبلة ببول أو غائط، وكان ينهانا أن لا نستجمر بأقل من ثلاثة أحجار، فدل على وجوب الثلاثة الأحجار وما فوقها وترا. وإذا استجمر، وإذا استجمرت فأوتر، فيستجمر بثلاثة أحجار، وأجاز الإمام الشافعي رحمه الله أن يستجمر بحجر له ثلاثة أطراف، أنه بحجر يكون كبير له ثلاثة أطراف، والحجر لا يكون من الحجارة الصلبة، وإنما يكون إما من الطين أو مما يكون يعلق فيه غبار حتى يطهر المكان، وليس المراد أنه يأتي بحجارة ملساء أو صلبة، فإن هذا لا يطهر، ولا يخرج أذى، وإنما المراد به الحجارة التي يستجمر بها تكون مما يخرج الأذى، إما تكون من طين أو مما يشبهها مما يعلق شيء مما يخرج من هذه الحجارة. فقال: «وإذا استجمرت فأوتر». فهذا كما قلنا في الحجارة، أما إذا كان ماء فهل يشترط أن يكون ثلاثا؟ لم يأت أنه يشترط ثلاث مرات في الاستنجاء بالماء. والمراد بالاستنجاء الماء وغيره هو التطهير، لكن في الاستجمار بالحجارة لا بد أن تكون ثلاثة أحجار فما فوق، والأفضل أن يكون وترا، أي إذا كان أكثر من ثلاث. وأما الماء فإنه لم يأت فيه تقدير، وإنما يستنجي حتى يذهب الأذى ويذهب النجاسة. وهل الأفضل الماء والحجارة؟ فحصل خلاف بين السلف، فجاء عن كثير من السلف أنهم فضلوا الحجارة على الماء، كما قال سعيد بن المسيب رحمه الله، لما سئل عن الاستنجاء بالماء، قال: لا يزال في يديه، يعني الذي يستنجي بالماء فيحاول أنه يستعمل يده، فيكون هذا الرائحة قد تكون في يده، فلهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يمسح يده بالتراب بعد الاستنجاء حتى يذهب هذه الرائحة، ولا بأس أيضا أن يستعمل الإنسان الصابون ليذهب هذه الرائحة. فقال سعيد: لا يزال في يديه. لكن قد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يستنجي بالماء، كما جاء في حديث صحيح، بل قد جاء في سنن أبي داود: أن الله عز وجل أثنى على أهل قباء، فقال: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾، فلما سئلوا، سألهم النبي عليه الصلاة والسلام: ماذا تفعلون؟ قالوا: نستنجي بالماء. وجاء في رواية عند أبي داود: نتبع الحجارة بالماء، لكنها غير صحيحة، والرواية الصحيحة أنه قالوا: نستنجي بالماء. فالصحيح أن الماء أفضل من الحجارة، لكن كلاهما يجزئ، كلاهما يجزئ، إن استنجى بالماء فله ذلك، وإن استجمر بالحجارة فله ذلك، وكله يجزئ. وهل يشترط إذا استجمر أن يستنجي؟ لا، ليس بواجب، ولا بشرط، ما دام أنه قد استجمر يكفيه، ما دام أنه قد استجمر فيكفيه هذا الاستجمار، إلا إن كان بعد الاستجمار خرج شيء من القطرات وكذا، فهذا يحتاج إلى الماء. وأيضا كذلك يقول أكثر العلماء: أن النجاسة إذا خرجت عن مكانها لا بد أن تغسل بالماء. ومسألة الوجوب أنها تغسل بالماء لا دليل عليه، لأن الأصل في النجاسة هو إزالتها، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: الأصل في النجاسة إزالتها، فإذا زالت زال حكمها، سواء كان بالماء أو بغيره، وسواء كانت في المحل أو خارج المحل، فإن هذا كله ما دام أنها تزال هذه النجاسة، فإزالتها إزالة حكمها، فهذا هو الصحيح. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.