التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 11

الدرس في التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 11، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضل حامل القرآن والعامل به وتأثيره

يُبين فضل حامل القرآن الذي يعمل به وينتفع نفسه وأهله، ويكرم والداه. يشدد على أهمية العمل بالقرآن وليس فقط حفظه.

أهمية العمل بالقرآن ودليل الفضل

يشرح حديثا نبويا يبين فضل قراءة القرآن والعمل به، ويؤكد أن المنتفع بكتاب الله هو العامل به، ويستشهد بآيات وأحاديث أخرى.

أصناف الناس في التعامل مع القرآن

يذكر أن الناس سيقرأون القرآن على ثلاثة أصناف: لله، وللدنيا، وللجدل، ويصف كل صنف ودوافعه.

تحذير من يقرأ القرآن لغير الله

يأتي التحذير من صفات من يقرأ القرآن لغير الله، مع ضرورة الابتعاد عن هذه الصفات الذميمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله في رسالته «أخلاق حملة القرآن»، وهو يذكر الصفات الحميدة والأخلاق الكريمة التي ينبغي أن يتحلى بها حامل القرآن. قال: ومن كان هذا وصفه نفع نفسه ونفع أهله، وعاد على والديه وعلى ولده كل خير في الدنيا والآخرة، يعني من كان متصفًا بهذه الصفات الحميدة والأخلاق الكريمة من العمل بالقرآن، وإقامة حدوده، والائتمار بأوامره، والانتهاء بنواهيه، فهو بهذا يعود على نفسه بالنفع، وأيضًا كذلك ينفع أهله، أي في الدنيا والآخرة، في الدنيا بما قد ينتفعون من تعليمه للقرآن أن يعلمهم، وكذلك أن يحسن إليهم في أخلاقه وفي أعماله، وفي الآخرة بما يكون لهم من أجر وثواب بسبب حفظه للقرآن. قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن سليمان الجُستاني، قال: حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمر، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن أيوب، عن زبان بن فايد، عن سهل بن معاذ الجهني، عن أبيه، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس والداه تاجًا يوم القيامة، ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيه»، فما ظنكم بالذي عمل بهذا؟ من قرأ القرآن وعمل بما فيه، لا بد من العمل بالقرآن، لا ينال حامل القرآن هذا الأجر والثواب إلا إذا كان عاملًا بالقرآن، أنه يأتمر بأوامره وينتهي عن نواهيه، ويتأدب بآدابه، ويتخلق بأخلاقه، فهذا هو العامل بالقرآن، والذي ينتفع به. أما إذا كان يقيم حروفه ولا يقيم حدوده، هذا لا ينتفع، لا ينتفع بحمله للقرآن. قال: «ألبس والداه تاجًا يوم القيامة»، أي والد هذا الحافظ الآخذ للقرآن العامل به، ألبس والداه تاجًا يوم القيامة، ويلبس هذا التاج إما من باب الإكرام لهم لحفظ ولدهم القرآن، أو لكونهم هم السبب لحفظه للقرآن، لأنهم يحثونه ويرغبونه ويحببونه إلى حفظ كتاب الله جل وعلا، فيكرمان بهذا الإكرام أن يلبساه تاجًا يوم القيامة. «ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيه»، يعني لو كان هذا التاج في الدنيا لأضاء لأهل الدنيا أشد من إضاءة الشمس لهم. قال: «فما ظنكم بالذي عمل بهذا؟» إذا كان هذا هو إكرام الوالدين، يكرمان بهذا الإكرام، فكيف بصاحب القرآن نفسه؟ كيف بحامل القرآن والعامل به؟ كيف يكون إكرامه؟ وكيف يكون فضله؟ وكيف كذلك يكون ثوابه؟ فهذا الحديث فيه فضيلة عظيمة لحامل القرآن، لكن كما سمعتم، الذي يعمل بهذا القرآن، «من قرأ القرآن وعمل بما فيه»، لا بد من العمل، لا بد من العمل بالقرآن، وهذا أمر ينبغي أن يعتنى به، أن يعتنى به، سواء كان من جهة الوالدين إذا أرشد ولدهما إلى حفظ القرآن، أو حفظاه القرآن، أن يهتم بتعليمه آداب وأخلاق القرآن والعمل به. إذا مرت مثلًا آية فيها الأمر بإقامة الصلاة، وأقيم الصلاة، فيحث الولد على المحافظة على الصلاة، يقول له: انظر الله عز وجل يأمرنا بإقامة الصلاة والمحافظة عليها، فينبغي أن تحافظ على الصلاة حتى تكون من أهل هذه الآية، هم العاملين بالقرآن، وهكذا في سائر الأوامر، وهكذا النواهي، فيؤدبه بآداب القرآن. وهكذا أيضًا معلم القرآن، معلم القرآن الذي يعلم أطفال المسلمين القرآن، كذلك يربطهم بالعمل بالقرآن، إذا مرت الآيات التي فيها الأوامر يحثهم على العمل بها، وإذا مرت الآيات التي فيها النواهي كذلك يأمرهم بتركها واجتنابها والابتعاد عنها، حتى ينشأ الولد على حفظ القرآن وعلى العمل به، فينتفع بذلك انتفاعًا عظيمًا. وهذا الحديث، حديث معاذ الجهني، في سنده زبان بن فايد، قال فيه الحافظ رحمه الله في التقريب: ضعيف الحديث مع صلاحه وعبادته، لكن الحديث يعني حسن في الشواهد، حسن في الشواهد. وقال: جاء من حديث بريدة وغيره. قال: أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، قال: حدثنا شجاع بن مخلد، قال: حدثنا يعلم بن عبيد، عن الأعمش، عن خيثمة، قال: مرت امرأة بعيسى بن مريم عليه السلام، فقال: «طوبى لحجر حملك ولثدي رضعت منه»، قال عيسى: «طوبى لمن قرأ القرآن ثم عمل به». وهذا الأثر هو من روايات الإسرائيلية، ومعنى صحيح، معنى صحيح، «طوبى لمن قرأ القرآن ثم عمل به»، هذا الذي يستحق أن يقال له طوبى، وطوبى قيل: هي الجنة، وقيل: شجرة في الجنة، وقيل: هو الثواب العظيم والجزيل، «طوبى لمن قرأ القرآن وعمل به»، هذا الذي قرأ القرآن وتلاه وأحسن تلاوته وقراءته وعمل بما فيه، هذا الذي يبشر بهذه البشارة العظيمة. وجاء في بعض طرق هذا الأثر أنه قال: «طوبى لمن قرأ كتاب الله ثم عمل به»، وهذا يحتمل أنه يراد به التوراة أو الإنجيل، يعني في زمن عيسى، الذي الكتاب الذي أنزل على عيسى هو الإنجيل، فكأنه هو المراد بقوله: «طوبى لمن قرأ كتاب الله ثم عمل به»، وهذا المعنى عام، يعني في العمل بما أنزل الله جل وعلا الكتب في ذاك الزمن وذاك الوقت قبل أن تحرف وتبدل. أما الآن فالتوراة والإنجيل قد حرفت وبدلت، فلا يجوز قراءتها والتعبد لله بتلاوتها، وقد نسخت بنزول القرآن، في القرآن ناسخ للكتب التي قبله، لكن المقصود أن العمل بكتاب الله جل وعلا وإقامة حدوده، هذا الذي ينتفع به الإنسان. ويؤيد هذا المعنى قول الله جل وعلا: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب * الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب﴾. قال: حدثنا عمر بن أيوب السقطي، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا بشير بن مهاجر، عن عبد الله بن مريدة، عن أبيه، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجيء القرآن يوم القيامة إلى الرجل كالرجل الشاحب»، الرجل الشاحب، أي المتغير لونه من التعب والسهر، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا الذي أظمأت نهارك وأسهرت ليلك. يجيء القرآن يوم القيامة إلى الرجل، يعني إلى حامل القرآن وصاحب القرآن، والله عز وجل قد يجعل الأشياء المعنوية لها أشياء حسية، أو تنقل بلا أمور حسية، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن عمل العبد يأتيه يوم القيامة، أو في البرزخ، على صورة الرجل، على صورة رجل، المؤمن يأتيه عمله على صورة رجل أبيض اللون، أبيض الثياب، طيب الريح، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح. كما في حديث البراء الطويل في سنن أبي داود وغيره، هكذا يمثل العمل للإنسان، وهكذا حامل القرآن، وهكذا حامل القرآن يأتيه القرآن، فكالرجل الشاحب، على صورة رجل متغير اللون، يظهر عليه أثر التعب من السهر، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا الذي أظمأت نهارك وأسهرت ليلك، يعني أنا أنت الذي عملت بالقرآن، فكنت تتقرب إلى الله جل وعلا بالصيام، وفي الليل بالقيام، وتعمل بكتاب الله جل وعلا، فهذا عملك، أنا عملك الذي عملت به في الدنيا. فدل الحديث على أن المنتفع بكتاب الله جل وعلا هو العامل به، العامل به، وهذا الحديث في إسناده بشير بن مهاجر، وهو صدوق لين الحديث كما قال الحافظ، لكن الحديث له شواهد، جاء من حديث بُريدة، ومن حديث أبي هريرة، وكلاهما عند الطبراني، وبهذا يحسن الحديث، وقد صحح العلامة الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة. قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن سليمان، قال: حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمر، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني موسى بن أيوب، عن عمه إياس بن عامر، أن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال له: «إنك إن بقيت -يعني إن طال الله في عمرك- فسيقرأ القرآن على ثلاثة أصناف: صنف لله تعالى، وصنف للدنيا، وصنف للجدل». فمن طلب به أدرك، في هذا الأثر يقول علينا أبي طالب، رضي الله عنه: سيقرأ القرآن على ثلاثة أصناف، سيقرأ القرآن على ثلاثة أصناف، صنف لله، صنف من الناس يقرأ القرآن لله، يريدون ما عند الله عز وجل من الثواب والأجر، هم مخلصون في قراءتهم للقرآن، وفي تلاوتهم لكتاب الله، وفي تعليمهم أو تعلمهم لكتاب الله جل وعلا، يريدون ما عند الله سبحانه وتعالى، لا يبحثون بقراءة من القرآن شهرة ولا ثناء ولا سمعة ولا شيئًا من عرض الدنيا، وهذا الصنف أفضل هذه الأصناف وأشرفها. قال: «وصنف للدنيا»، صنف يقرأ القرآن للدنيا، يريد السمعة، ويريد الشهرة، ويريد الثناء والمدح، ويريد التأكل بالقرآن، ونيل حطام الدنيا، هؤلاء ليس لهم من أخذهم للقرآن شيئًا من الأجر والثواب. قال الله جل وعلا: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذمومًا مدحورًا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورًا﴾. فأخبر الله جل وعلا أن من كان يريد العاجلة، يريد الدنيا وحطامها، فإن سيعجل له ثواب الدنيا، وحينئذ لا يكون له شيء من الأجر والثواب في أعماله وقرباته التي عاملها لأجل الدنيا، ومن ذلك أخذه للقرآن، وأما من أخذ القرآن لله، فهذا الذي سيؤجر ويثاب، وينتفع بأخذه لكتاب الله جل وعلا. «ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن»، هنا أمران وشرطان، الشرط الأول السعي، السعي وهو العمل الصالح، والشرط الثاني الإيمان، وسعى لها سعيها وهو مؤمن، مؤمن ويشمل الإيمان الإخلاص والصدق، فهذا الذي يكون عمله للآخرة، «ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورًا». قال: «وصنف للجدل»، هذا صنف الثالث، من يقرأ القرآن للجدل والمراء، لأجل أن يجادل ويخاصم ويماري، وهذا شأن أهل الأهواء، شأن أهل الأهواء، ومن يقدم العقل على النقل، هناك مدرسة تعرف بمدرسة العقلانيين، هؤلاء يقدمون العقل على النقل، يقدمون عقولهم على نصوص الكتاب والسنة، أولًا العقل يقدم، ينظر العقل ماذا يقول، ثم تأخذ النصوص وتلوى حتى توافق العقل، حتى توافق العقل، هؤلاء أهل الجدل والمراء. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل»، عندهم تفاسير قائمة على العقل والجدال والمراء، لا على العمل بهدايات القرآن ودلالات القرآن، وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، رضوان الله تعالى عليهم. قال: فقد ذكرت أخلاق الصنف الذين قرأوا القرآن يريدون الله عز وجل بقراءتهم، وأنا أذكر الصنفين الذين يريدان بقراءتهم الدنيا والجدل، وأصف أخلاقهم حتى يعرفها من اتقى الله جل وعلا، سيذكر بعد هذا الباب ذكر شيء من أخلاق من أراد بالقرآن الدنيا ولم يرد به وجه الله جل وعلا، حتى يتميز الحق من الباطل ويتضح الأمر، زيادة في الإيضاح، لأن الشيء يعرف ويميز بمعرفة ضده، بمعرفة ضده. وكما قال القائل -وهو أبو الطيب المتنبي-: «وبهم عرفنا فضله وبضدها تتميز الأشياء»، وحذيفة، رضي الله عنه، كان يقول: «كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني»، ويقول القائل: «عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه، ومن لم يعرف الشر من الخير يقع فيه». فأنت الآن عرفت صفات حامل القرآن حقيقة، الذي أراد بأخذه للقرآن ما عند الله جل وعلا، فناسب أن تعرف صفات من أخذ القرآن لغير الله، حتى تحذر، حتى تحذر من هذه الصفات، وتجتنب هذه الصفات الذميمة التي ينبغي أن يتنزه عنها حامل القرآن. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.