الدرس في كتاب الصلاة 139، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
صلاة الخوف مشروعة وأجازها جمهور أهل العلم، واستدلوا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته في غزواتهم. كانوا يؤدون الصلاة على قدر استطاعتهم قبل نزول الرخصة ثم صلوا صلاة الخوف بعد ذلك.
هناك عدة كيفيات لصلاة الخوف ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم، حيث يصلي الإمام بطائفة ويبقى الآخرون في اتجاه العدو ثم يتبادلون الأدوار. يجوز الصلاة منفردا مع الإشارة بالرأس عند التحام الصفوف.
اختلف العلماء في وجوب حمل السلاح أثناء الصلاة، حيث قال مالك والشافعي في قول آخر بوجوبه استنادًا إلى آية ﴿وليأخذوا أسلحتهم﴾. يرى هؤلاء العلماء أن الآية تدل على ضرورة التأهب للرد أثناء الصلاة.
في حالة اشتداد القتال، ذكر أن هناك ستة كيفيات لصلاة الخوف ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم. الجمهور يوجبون أداء الصلاة ولو بالإشارة والتكبير، بينما يرى أبو حنيفة تأخيرها إلى حين القدرة على أدائها.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال: فصل، إذا التحم القتال واشتد الخوف، صلوا كيفما أمكن. وقال أبو حنيفة: يؤخرون الصلاة إلى القدرة. الآن دخل في بعض المسائل التي في صلاة الخوف. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة الخوف ستة كيفيات، كما قال الإمام أحمد: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ستة أوجه، أي ستة كيفيات من صلاة الخوف. وأيضا الله عز وجل يقول: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فليتأهب طائفة منهم معك﴾ إلى آخر الآية، ففيها وجوب صلاة الخوف، أنه لا بد أن يصلوا، وهذا دليل للجمهور. وأما قول أبي حنيفة: أنهم يؤخرون الصلاة إلى القدرة، فلا دليل عليه. بل جاء في حديث ابن عمر الذي أخرجه البخاري، من طريق مجاهد عن ابن عمر قال: «فإذا اشتد الخوف فصلوا رجالا أو ركبانا غير مستقبلي القبلة أو مستقبليها»، وغير مستقبل قبلة، فدل على ورفع ذلك إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وجاء في رواية في البخاري: «فإذا كان الخوف أعظم فإنما هو التكبير والإشارة بالرأس»، وهذه التي يسميها الفقهاء صلاة المسايفة، إذا اشتد الخوف، معنى التحام الصفوف، فإنما هو التكبير والإشارة بالرأس، فدل على أن الصلاة لا تصلى يصلونها، ولو بالتكبير والإشارة بالرأس فقط، إذا حضر وقت الصلاة أو كاد أن ينتهي وقت الصلاة فيدركونها، فيصلون كذلك. وهذا دليل، كما قلنا، على هذه المسألة قول جمهور أهل العلم: إذا التحم القتال واشتد الخوف، صلوا كيفما أمكن، كما قال ابن عمر: «إنما هو التكبير والإشارة بالرأس»، وليس أنهم يؤخرون الصلاة. وأما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الأحزاب، أنه في غزوة الخندق أو الأحزاب، لما أخر النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة إلى المغرب، هذا قبل أن ينزل صلاة الخوف، قبل أن ينزل رخصة صلاة الخوف، لأن صلاة الخوف على الصحيح أنها نزلت في غزوة ذات الرقاع، وغزوة ذات الرقاع كانت في سنة السادسة، وقيل في الخامسة، لكن الصحيح من أقوال هذا السير، وكذلك أكثر أهل العلم على أنها بعد الأحزاب. فالأحزاب لم ينزل بعد ذلك صلاة الخوف، فلهذا صلوا، أو أخر النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة إلى المغرب، فجاء عمر رضي الله عنه وقال: يا رسول الله، ما كنت عن أصلي إلا والشمس تغرب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ونحن ما صلينا»، ثم أقام النبي عليه الصلاة والسلام صلاة العصر، ثم صلى المغرب، ثم صلى العشاء، فدل على أن هذا الأمر كان قبل أن ينزل صلاة الخوف. فلما نزلت صلاة الخوف، صلوا صلاة الخوف، وكان في غزوة ذات الرقاع، وصلوا صلاة العصر بصلاة معنى صلاة الخوف، وكان العدو أمامهم، فصلت طائفة مع النبي عليه الصلاة والسلام، وصلوا جميعا تجاه العدو. ثم إن الطائفة الأولى، بعدما انتهت من الركعة الأولى، لما قام النبي صلى الله عليه وسلم، تأخرت الطائفة الأولى التي ركعت مع النبي صلى الله عليه وسلم، وتقدمت الطائفة التي كانت قائمة لم تسجد مع النبي صلى الله عليه وسلم، ركعوا جميعا، ثم قاموا، في الطائفة التي كانت مؤخرة لم تسجد، وسجد الصف الأول الذي كان مع النبي صلى الله عليه وسلم. ثم لما انتهوا من الركعة، تأخر الصف الأول وتقدم الصف الثاني، فسجدوا، ثم قاموا مع النبي عليه الصلاة والسلام، ففعلوا مثل الأولى، ركعوا جميعا، والصف الأول الذي كان ثانيا كمل الصلاة مع النبي عليه الصلاة والسلام، فلما سلم، كمل المتأخرون صلاتهم، حتى يكونوا اتجاه العدو. وجاء من الكيفيات التي ليست في اتجاه العدو، أن يصلي الإمام، وتبقى طائفة في اتجاه العدو، يصلي الإمام بطائفة، وتبقى طائفة في اتجاه العدو، حتى إذا انتهوا من الركعة الأولى مع الإمام، قامت الطائفة التي صلت وقامت تجاه العدو، وجاءت الطائفة التي لم تصلي، يكملوا صلاتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك تأتي الطائفة الأخرى التي لم يصلوا، فيكملوا صلاتهم. فالصحيح من هذه المسألة أنه إذا التحمت الصفوف، فإنه يصلى، ولو منفردا، يعني يصلي، ما تكون الجماعة مع التحام الصفوف، لكن يصلون منفردا، ويصلي شخص بالتكبير والإشارة بالرأس. قال: وهل يجب حمل السلاح في صلاة الخوف أم يستحب؟ قال أبو حنيفة: يستحب، وهو أحد قولين للشافعي. وقال مالك والشافعي في القول الآخر: يجب، وهذا للآية: ﴿وليأخذوا أسلحتهم﴾، فدل على وجوب أخذ الأسلحة في وقت الصلاة، حتى يتأهبوا للرد.