الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 62

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 62

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 62، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أسباب اختيار النبي للطائف

اختار النبي الطائف لدعوته لما لها من أهمية استراتيجية واقتصادية، وكانت تعتبر بديلا مناسبا لقريش. كانت تربطها بقريش مصالح تجارية ومالية.

تفاصيل رحلة النبي إلى الطائف

رحلة النبي إلى الطائف كانت محطة هامة في مسيرته الدعوية، حيث تعرض للإيذاء والرفض من أهلها. المقطع يناقش تفاصيل الرحلة ومصادرها.

ما لاقاه النبي من أهل الطائف

تعرض النبي للإيذاء والرفض من أهل الطائف، ومشى مهمومًا حتى وصل إلى قرن الثعالب. كانت هذه التجربة صعبة عليه.

ختام الحديث عن رحلة الطائف

المقطع يختتم الحديث عن رحلة النبي إلى الطائف، ويشير إلى مسائل وفوائد تذكر في هذا السياق، ويختم بدعاء الله أن ينفع بما قيل.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيما ذكرناه إخواني في الله في هذه المنظومة المئية في بيان حال أشرف البرية عليه الصلاة والسلام، كان وقوفنا على ما يتعلق بذهاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أرض الطائف، وإن هذه المسألة من المسائل التي تركها المؤلف رحمه الله تعالى ولم يشر إليها في منظومته، فناسب أن نذكرها تتمةً للفائدة. ذكرنا أن ذهاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف كان ذلك في شهر شوال من السنة العاشرة من البعثة، ومكث نبينا عليه الصلاة والسلام في الطائف عشرة أيام، وذلك في سبيل الدعوة إلى الله جل في علا. وكان ذلك على إثر وفاة عمه أبي طالب، وذلك حين مات عمه تجرى عليه الكفار من أهل قريش، فتكالبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد نبينا أن يبحث عن أرض أخرى تعينه في انطلاق الدعوة، فذهب إلى الطائف صلوات ربي وسلامه عليه. تأتي مسألة وهي لماذا الطائف بالذات؟ القبائل العربية التي تحف الجزيرة كثيرة، فلماذا اختار نبينا صلى الله عليه وسلم هذه البلدة بالذات؟ ذكر العلماء عدة علل وأسباب وعوامل لأجلها اختار النبي صلى الله عليه وسلم الذهاب إلى الطائف. فمن ذلك ما يتعلق بالموقع الاستراتيجي، كما يقال، فإن قريشًا إخواني في الله تعتبر هي الأم وهي لب الجزيرة العربية، وأن بإسقاط قريش ستسقط القبائل العربية الكثيرة التي تدين لقريش بالولاية، لكن لما كان هذا الأمر بصعوبة بمكان ولم يتأتى هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بحث نبينا عن البديل، فكان البديل هي الطائف. البديل عن قريش هي الطائف، وذلك لما تتمتع به هذه البلدة من عدة أمور، فهي أقرب البلدان إلى مكة وأكبرها، ولهذا تعتبر من المدن الكبيرة في الجزيرة العربية. كانت من المدن الكبيرة في الجزيرة العربية، بل يذكر أهل التاريخ أن قريشًا نفسها قد عزمت على ضم الطائف إليها، وقد نقل أنهم في فترة من الفترات وثبوا على وادي وج ووادي وج معروب بوادي الطائف، كل ذلك حرصًا من قريش على ابتلاع الطائف لأهميتها. فكانت هذه النظرة عند رسول الله عليه الصلاة والسلام لهذه البلدة بالذات، فاختارها من دون البلدان. زد على ذلك ما يتعلق بالناحية الاقتصادية، فقد كانت تربط بين قريش وبين الطائف الكثير من المصالح المالية والاقتصادية والتجارية. فقد كان الكثير من أغنياء مكة لهم مصالح ولهم أملاك موجودة في الطائف، الكثير من أغنياء مكة كانت عندهم أملاك ومصالح موجودة في الطائف. بل يذكر أن بين قبيلة بني هاشم وعبد شمس وبني مخزوم عندهم من المصالح المالية الكثيرة مع أهل الطائف، فلهذا نبينا عليه الصلاة والسلام لو صلى الله عليه وسلم في الطائف، ما الذي جرى لنبينا؟ أهل السير والتواريخ ذكروا عدة أمور قد حصلت لرسول الله عليه الصلاة والسلام عندما وصل إلى الطائف. فمن ذلك ما كان من لقياه لبعض أشرافها وأعيانها عليه الصلاة والسلام بأسوأ رد، كيف أن هؤلاء الأعيان والكبراء والوجهاء أساءوا في الرد على رسول الله عليه الصلاة والسلام. ثم كان مما يذكر من التفاصيل في هذا المقام وفي رحلة ما كان من انعزاله عليه الصلاة والسلام لهؤلاء، وأنه توجه إلى أحد البساتين من بساتين أهل الطائف عليه الصلاة والسلام، وبين هذا الغلام النصراني حتى أنه تأثر جدًا برسول الله، فأخذ يقبل على رسول الله فيقبل يديه ورجليه. وأيضًا مما أثر مما جرى لرسول الله أنه أتى بذلكم الدعاء الشهير والذي قد اشتهر في كتب السيرة، حينما تضرع إلى ربه وأظهر فقره وحاجته ومسكنته لله جل في علا، قائلاً في دعائه: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، إلى من تتركني؟ إلى بعيد يتهجمني؟ أم إلى قريب ملكته أمري؟» إلى آخر تلكم الأدعية الدعاء الطويل الذي هو مذكور في كتب السيرة. هذه التفاصيل إخواني في الله الذي سمعتموها، و مما حصل لنبينا في بلاد الطائف من حيث التحقيق العلمي فيها نظر، إذ أن من أهل العلم من يتوقف في مثل هذه التفاصيل، وذلك لأن الأسانيد لا تنهض في ثبوتها. فمثلاً هذه التفاصيل رواها ابن هشام صاحب السيرة عن محمد بن كعب القرضي، ومحمد بن كعب القرضي روايته من قبيل المراسيل، إذن هذا الحديث مرسل. وأما الدعاء فقد أورده ابن سعد رحمه الله تعالى لكنه بغير سند، وقد جاء في بعض الروايات أنه كذلك جاء مرسل. وقد أورد الهيثم رحمه الله تعالى في المجمع هذه القصة من حديث عبد الله بن جعفر، كذلك مرسل. ورواه الطبراني في الكبير من طرق عن ابن إسحاق رحمه الله تعالى، وهو كذلك مدلس. وصاحب الطبقات ابن سعد ذكر هذا القول وهذه القصة عن الواقدي، لكن من غير إسناد. فهذه المسألة وهذه التفاصيل إخواني، فلا تجد أن الأسانيد الموصلة إليها فيها الذي فيها من الضعف والعلل. ومن أراد مزيد نظر في أسانيد هذه التفاصيل فلينظر ما ذكره العلامة الألباني رحمه الله تعالى، وكان في رسالته الدفاع عن الحديث النبوي أو ما كان في تعليق الأرناؤوط على زاد المعاد، فتجد فيها التعليقات. ومع ذلك يوجد من الباحثين من يرى أن هذا الحديث بشواهده ترتقي إلى الحسن، وخاصة أن هذا الدعاء مع تضافر الأدلة عليه، ما كان من جزالة ألفاظه ومن قوة معانيه ما يدل على أنه خرج من مشكاة النبوة. فالحاصل أن من أهل العلم من يردها، ومنهم من يتقبلها. ولكن في هذا المقام إخواني، فلا ينبغي النظر إلى الأسانيد لأن الرواية هنا رواية عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. لكن بالمقابل ليس معنى ذلك أن كل ما ورد لم يصحب، بل هناك حكايات وهناك أمور حصلت مع رسول الله وهي ثابتة، الوقائع فمن ذلك مثلاً ما وقع لرسول الله عليه الصلاة والسلام في الطائف، ما جاء موضحًا في الصحيحين في البخاري ومسلم. عندما قالت عائشة لرسول الله: «يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟» هل أتى عليك يوم أشد من هذا اليوم؟ تعلمون ما وقع لرسول الله في غزوة أحد، سال الدم من وجهه ومن وجنتيه، وسقط عليه الصلاة والسلام متأثرًا بجراحاته عليه الصلاة والسلام. فعائشة تسأل: هل مر عليك يوم أشد من هذا اليوم؟ فكان من إجابته عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لقد لقيت من قومك ما قد لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يليل بن عبد كلال». وهؤلاء وهذا الرجل ابن عبد كلال، ابن عبد يليل، هؤلاء هذا من كبار الشخصيات في الطائف، من أعيانها ومن أعوانها. وقد ذكر أهل السير أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل إلى الطائف لقي ثلاثة من هؤلاء الإخوة، هم ثلاثة إخوة وهم الأعيان لأهل الطائف، فذهب نبينا عليه الصلاة والسلام ولقي عبد يليل، واسمه كينانة، وهو لا يعرف هل أسلم بعد ذلك أم لا، لا يعرف له إسلام. والتقى أيضًا بأخيه عبد كلال، واسمه مسعود، والتقى كذلك بحبيب، وقد قال الذهب رحمه الله تعالى: «وفي صحبته نظر»، فشاهد أن هؤلاء الثلاثة هم كانوا الأعوان وكانوا الوجهاء لأهل الطائف، فلقيهم نبينا عليه الصلاة والسلام والتقى بأكبرهم وهو كينانة. قال: «عرضت نفسي على ابن عبد يليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت»، أي ما أعطاني الذي كنت أريده، وهو أن يأويني ويأوي الدعوة بأن يجعل لي متنفس في الدعوة إلى الله. قال: «فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أفق إلا بقرن الثعالب»، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما لم يجد بغيته من أهل الطائف من استقباله وفي الحفاوة وفي إكرامه، خرج مهمومًا عليه الصلاة والسلام يمشي على وجهه يمشي ويمشي حتى وصل إلى قرن الثعالب. والقرن يطلق على ما هو شبيه بالجبل، وهو المكان المرتفع الذي عنده قليل ارتفاع، والثعلب جمع ثعلب، وقيل: لعل هذا المكان سمي بهذا الاسم لكثرة الثعالب حينها، وهذا من المسميات القريبة، وهو الآن يسمى بالسيل الكبير، يسمى الآن بالسيل الكبير معروف الآن بهذا الاسم، وهو أصبح ميقات ميقات لأهل نجد. فنبينا صلى الله عليه وسلم خرج من الطائف يسير على وجهه حتى وصل إلى هذه المنطقة، العلماء يذكرون الآن حديثًا أنها تبعد بين الطائف إلى هذا المكان تصل المسافة إلى خمسين كيلو، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم يمشي على وجهه مشيًا وهو لا يدري لشدة الهم والغم الذي اعتراه، يمشي خمسين كيلو صلوات ربي وسلامه عليه. وهذا إخواني في الله ما يذكر من هذا الحديث، وهي من الوقائع الثابتة في الصحيحة، تدل على ما كان من ذهابه إلى الطائف وما كان من ردهم. وهناك مسائل وفوائد تذكر في هذا الحديث، تترك إن شاء الله في درس غد. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.