الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 61

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 61

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 61، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

محاولة قريش التفاوض مع أبي طالب ورد فعل رسول الله

حاولت قريش التفاوض مع أبي طالب بشأن رسول الله بعد انتهاء الحصار، وطلبت منه تسليم رسول الله أو أخذ تعهدات عليه، فطلب أبو طالب من رسول الله الكف عن شتم آلهتهم. قال رسول الله إن كلمة 'لا إله إلا الله' تكفي لدخول العرب في دين الإسلام وأداء العجم الجزية.

شرح حديث يدل على أهمية التوحيد وثبات النبي

شرح حديث نبوي يدل على ثبات النبي في الدعوة وأهمية كلمة التوحيد 'لا إله إلا الله'، ويبين أن الإسلام يحقق مصالح الدين والدنيا لمن يتمسك به.

رحلة النبي إلى الطائف بعد وفاة أبي طالب

ذهب النبي إلى الطائف بعد وفاة أبي طالب ليجد متنفسًا للدعوة إلى الله، وواجه اضطهادًا، واختار الذهاب ماشيًا مع زيد بن حارثة لسرية الرحلة.

الإشارة إلى مسألة فقهية مهمة وختام الدروس

أشار المقطع الأخير إلى مسألة فقهية مهمة لم يذكرها المؤلف، وطلب من الله النفع بما قيل والصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، مر معنا إخواني في الله في الدروس التي مضت في السيرة النبوية ما يتعلق ببعض الحوادث التي فات المؤلف رحمه الله تعالى أن يذكرها في منظومته، فكان من ذلكم الإشارة إلى مسألة المقاطعة، والتي عبر عنها بالمقاطعة العامة، حينما حاصر الكفار كل من أبي طالب ومن كان من بني عبد المطلب وبني هاشم في الشعب عندما تضامن مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكيف أن الحصار دام ثلاثة أعوام، ولاقى الناس ما لاقوا فيها من العنة والتعب إلى أن فرج الله سبحانه وتعالى عنهم. ثم أشرنا إلى الفوائد والمسائل التي يستفيدها المسلم من هذه الحادثة. ثم بعد الحصار، إخواني في الله، مما يذكر في هذا المقام، بعد أن انتهى الحصار، أبتلي أبو طالب بمرض، ولا يزال هذا المرض يشتد به حتى أطرحه الفراش، وكان قد تجاوز الثمانين من عمره. فحينها شعرت قريش وكادت أن تجزم أن هذا المرض لا قيام بعده، أي لا عافية بعده، وأنه النهاية لأبي طالب. فحينها تشاور فيما بينهم في هذه الفرصة الأخيرة في أنهم يفاوضون أبا طالب في أنه إما أن يسلمهم محمد بن عبد الله، أو أنه يأخذ عليه التعهدات والوصايا بعدم الخوض والكلام فيما نحن فيه. فكان هذا الأمر منهم، وأن هذا أفضل من الآن، بدل من أن يموت أبو طالب ثم نحن ننتقم بعد ذلك، فما الذي يصدهم العار الذي يصدهم العار أن الناس يتكلمون فيما بعد، ويلمزونهم ويقولوا: انظروا كيف أنهم انتظروا وفات عمه ثم طعنوا وتكلموا وقتلوه. فخشية العار هي كانت الهاجس الأعظم لهذا، فكانوا يستغلون كل فرصة متاحة، وخاصة في هذا الوقت الأخير من حياة أبي طالب مع مرضه. فدخلوا عليه، وكانوا جماعة من صناديد وكبراء قريش، من أمثال أبي جهل، وعتبة، وشيبة أبناء ربيعة، وهكذا أمية بن خلف، فكانوا جماعات ووجهاء قريش، فدخلوا على أبي طالب وأخبروه بأن ابن أخيك لا زال يشتم الآلهة وأنه يقول ويقول وأنه يفعل ويفعل، فلا يزالون يتذمرون عند أبي طالب من أفعال وأقوال رسول الله عليه الصلاة والسلام. ثم قالوا: فلو بعثت إليه فنهيته. قال: فبعث إليه، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو طالب: يا ابن أخي، ما بال قومك يشكوك ويزعمون أنك تشتم آلهتهم وأنك تقول وتقول وتفعل وتفعل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: يا عم، إني أريدهم على كلمة واحدة يقولها تدين لهم العرب وتؤدي إليهم العجم الجزية. كلمة قالوها حينها العرب قاطبة تدين وتخضع لكم بالرئاسة والقيادة وتولية زمام الأمور، ليس العرب بل حتى العجم في الشرق والغرب يأتون إليكم ذليلين يدفعون الأموال إليكم. ففزعوا وقالوا: كلمة واحدة تفعل هذه الأفعال العظيمة؟ قالوا: كلمة واحدة؟ قال: نعم. قالوا: وأبيك عشرة، سنطيك عشر كلمات، ما هي كلمة واحدة إن كانت هذه مؤداها؟ فقالوا: ما هي؟ قال: «لا إله إلا الله». قال: فقاموا فزعين وهم ينفضون ثيابهم ويقولون: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا؟ إن هذا لشيء عجاب. هذا الحديث، إخواني في الله، رواه الإمام أحمد في مسنده، وهكذا الإمام الترمذي في سننه، وفي إسناده يحيى بن عمارة، ويقال عنه ابن عباد، وهذا الراوي ذكره ابن حبان في الثقات، وقال عنه الذهبي كما في الكاشف: وثق. وجاء هذا الحديث كذلك بإسناد آخر من طريق الأعمش عن عباد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. ولهذا جماع من أهل العلم على تحسين هذا الحديث، ومن من صرح بتحسينه الترمذي والحاكم ووافقه الذهبي، وهكذا من المعاصرين أحمد شاكر. ومن أهل العلم من مال إلى ضعف هذا الحديث، إلا أنه قال: وهو يحتمل التحسين يحتمل التحسين للشواهد التي تسعف هذه الطريقة التي جاء بها الحديث. فالشاهد أن هذا الحديث، إخواني في الله، من الأحاديث التي يذكرها العلماء فيما كان من بعد الحصار، حين مرض أبو طالب وطرح الفراش، وحاول الكفار من ثني رسول الله عن طريق عمه، لكنهم لم يستطيعوا. وفي ذلك من الفوائد، إخواني في الله، ما فيه دلالة على أن الكفار يستميتون كل الاستماتة لا هوادة في محاربة الإسلام والمسلمين. وفيه كذلك ثبات الداعية، وأن من قام بالدعوة إلى الله عليه أن لا ينثني ولا يرضخ لا أمام التهديدات ولا كذلك أمام المساومات. وفيه كذلك على أن العرب كانوا على علم تام بمعرفة معنى هذه الكلمة «لا إله إلا الله»، هم عرفوا ما معناها، وأن معناها أن العبادات ينبغي أن توجه إلى الله جل فعله، لا يشاركه لا يزاحمه لا صنم ولا وثن. لما قال، لما سمعوا هذه المقالة من رسول الله «لا إله إلا الله»، قالوا: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا؟ عرفوا أن الموصب الألوهية، وأن القضية كلها تدور حول هذا المحك أن الله جل وعلا يفرد بالعبادة، هم يأبون هذا. فالعجب كل العجب أن تجد أن العربي الجاهلي عنده من المعرفة والعلم بمعنى «لا إله إلا الله» أكثر مما يعرف الكثير ممن ينتمي للإسلام. تجد إن بعض المسلمين ما معنى «لا إله إلا الله»؟ لا ربما كرر السؤال: «لا إله إلا الله»، «لا إله إلا الله»، ما معناها؟ فإن كان من الحذاق كما نسمع من بعض المتكلمين من بعض الفرق التي ضلت عن الجادة، قالوا: «لا إله إلا الله» لا خالق لا رازق لا محيي لا مميت إلا الله، هذا، هذا «لا إله إلا الله» ما جئت بجديد يا عبد الله، فـ«لا إله إلا الله» الذي جاء به القرآن وجاء به السنة، والذي بذل نبينا حياة في سبيل هذه الكلمة، والتي عرفها العرب هو أن الله هو الذي يستحق أن يعبد، هذه حقيقة «لا إله إلا الله». ولهذا لما طلبها نبينا منهم أبوا، أبوا. وفي هذا الحديث كذلك فيه أهمية التوحيد، وأنه الأس والأساس في هذا الدين، فمن قالها دخل في الإسلام، ومن أباها فلا كرامة. وفيه كذلك بيان على دليل من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام. ومن أين علمنا أن في هذا الحديث دليل من دلائل نبوته؟ أن النبي قال لهم: إن قلتموها تدين لكم العرب وتؤدي لكم العجم الجزية، وقد تحقق هذا. فلما جاء من بعدهم وهم من أصحاب رسول الله واعتنقوا هذا الدين وحملوا هذه الكلمة وأدوا حق هذه الكلمة على أحسن مقام، كان الأمر بما أخبر عليه نبينا عليه الصلاة والسلام، دانت العرب، وجاء العجم من الفرس والروم إلى الجزيرة يؤدون الجزية وهم صغارًا وهم أذلة، فهذا من دلائل نبوة عليه الصلاة والسلام. وفيه كذلك أن الإسلام يحقق مصالح الدين ومصالح الدنيا، مصالح الدين والدنيا، من أخذ بهذا الدين يا عبد الله، ومن تمسك بالإسلام ليس فقط حظه أنه يؤدي دين الله ويحصل ما عند الله في الآخرة، لا بل حتى حظ الدنيا يناله من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن، فينعم بحياة طيبة في الدنيا والآخرة. تجد يا عبد الله راحة البال، تجد يا عبد الله ستر الحال، تجد يا عبد الله غنى النفس، تجد جمع الشمل، تجد الأمن والأمان، بل حتى المصائب، ذكر هذا ابن القيم رحمه الله تعالى أن ما يجده المسلم من الفقر والضيق والشدة والنكبات أقل بكثير مما يجده الكافر. حتى قال ابن القيم رحمه الله: والواقع شاهد بذلك، من دخل في الإسلام يجد تغيرًا ليس فقط يستلم حق الدين وحق الآخرة، بل حتى حفظ الدنيا يعطيه ربنا يعطيه من حفظ الدنيا ليس فقط عطاء بل حتى دفع دفع المصائب والشدائد. ما نجده نحن يا عبد الله والذي تشتكي منه كثير من الشعوب الإسلامية، والله أقولها ولست بحانث، والله أن ما يبتل به الكفار أشد أشد بكثير بكثير بكثير. فالله جل وعلا لطيف بعباده، لطيف بأهل الإسلام. فالشاهد أن هذا الحديث فيه من الفوائد أن من حقق الإسلام يحقق له ربنا جل وعلا حظ الدين والدنيا كذلك. وفي هذا الحديث بيان كذلك على أن الكفار من أعظم ما يغيظهم أن تتكلم في عقائدهم، أن تتكلم في عقائدهم. فالشاهد إخواني في الله، هذا ما يذكر من هذه الحادثة، وهي مما فات المؤلف رحمه الله فما ذكر في منظومته أيضًا من الحوادث وأشير إليها إشارة من الحوادث التي ما ذكرها الناظم رحمه الله تعالى في منظومته، ويتحدث عن السيرة النبوية، حادثة مهمة، لكنه ما أشار إليها، ألا وهي الخروج والذهاب إلى بلاد الطائف، إلى بلاد الطائف. فهذه كذلك من المسائل والحوادث والأحداث المهمة، وقد جاء ذكرها في صميم السنة، وفي صحيح السنة، وتتابع الأئمة ممن كتب في التاريخ وممن كتب في السير والمغازي، أشار إلى هذه الحادثة التي وقعت لرسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذه الحادثة مفادها وخلاصتها بعد وفاة أبي طالب، بعد موته، اشتد البلاء على نبينا عليه الصلاة والسلام، حيث استطاع من استطاع من السفهاء المساس برسول الله عليه الصلاة والسلام. بل قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «ما زالت قريش كاعة حتى توفي أبو طالب»، معنى لا زالت قريش كاعة بمعنى جبانة، جبانة، ما يستطيعون على أن يمسوا بسوء، لكن في حياة أبي طالب. فلما توفي أبو طالب ماذا؟ انقلبوا عليه. قال: «ما زالت قريش كاعة حتى توفي أبو طالب». فحينها احتاج نبينا عليه الصلاة والسلام أن ينتقل إلى بيئة أخرى، إلى مكان آخر يجد فيه متنفسًا في الدعوة إلى الله، وفي نشر دين الإسلام من غير الوقوف أمامه. فحينها اختار نبينا صلى الله عليه وسلم الذهاب إلى الطائف. وهنا مسائل سريعة، إخواني في الله، من هذه المسائل، قال العلماء: إن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى الطائف ماشيًا، ذهب إلى الطائف ماشيًا، ولماذا لم يركب؟ مع أن المسافة بعيدة. نحن في هذا الزمن المعاصر من ذهب إلى بلاد الحرمين ورأى المسافة من مكة إلى الطائف بعيدة جدًا، الآن نحن في السيارات مع الشوارع السريعة، كم ينقضي من الوقت وأنت تسير؟ فما ظنك مشيًا؟ بقي لماذا ذهب نبينا مشيًا عمدًا إلى الطائف؟ قال العلماء: لأن النبي ما أراد أحدًا أن يعرفه أن يعرف وجهته، فخيل لغيره أنه يمشي، فبينما كان يمشي كانت همته السفر إلى بلاد الطائف. لأنه لو ركب بعيرًا لعلم الناس من كفار قريش أنه أراد السفر، فلربما تقصدوه. وما أراد نبينا أن أحدًا يعرف بمقصده ونيته لسفره، ففعل هذا الفعل عليه الصلاة والسلام. كذلك مما ذكر أهل السير أن النبي عند ذهابه إلى الطائف أخذ معه زيدًا، وكان زيد حينها ابنه بالتبني، أخذه معه. ولماذا اختاره؟ قال العلماء: لما كان يعلم من أمره من صدقه وأمانته وأنه لا يفشي سرًا، وأنه بحاجة إليه في إعانته وفي مساعدته في هذه الرحلة الطويلة. فالشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم عزم على الذهاب إلى الطائف، قلنا والغرض من ذلك أن يجد ويوجد لنفسه متنفسًا للدعوة، وهكذا الداعية بشكل خاص، والمسلم بشكل عام، إن ابتلي بمكان ضيق عليه في تعبده لربه، فلينتقل. ما ضيق الله عليك ما ضيق الله عليك يا عبد الله؟ فاذهب إلى أي بقعة، سواء كانت فاضلة أو مفضولة، إن كان فيها متنفس في أن تتعبد الله. وسأتي هذا المعنى في الفوائد. لكن بقي مسألة إخواني في الله، وهي لماذا اختار نبينا الطائف؟ القرى والعشائر حول مكة كثيرة، لماذا اختار الطائف؟ هذا مما يطول ذكره، ولعل نرجئ الكلام إخواني في الله عن هذه المسألة في دروس قادمة. وهي كما قلنا، وإنما ألمحنا إلى هذه المسألة، إذ أنها من الحوادث التي ما أشار إليها المؤلف رحمه الله تعالى في منظومته، فناسب أن نذكرها وأن نشير إلى أهم مباحثها. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.