شرح العقيدة الواسطية 26

شرح العقيدة الواسطية 26

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 26، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في الصفات السلبية لله عز وجل

الدرس يبدأ بالحديث عن الصفات السلبية لله عز وجل، وهي الصفات التي نفاها الله عن نفسه في القرآن الكريم، مثل عدم وجود شريك أو ولد أو ند له. نفي هذه الصفات يتضمن إثبات كمال الضد.

شرح الآيات الدالة على توحيد الله

يتم شرح الآيات القرآنية التي تنفي وجود شريك أو ند لله تعالى، مثل قوله تعالى ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾ و﴿فلا تجعلوا لله أندادا﴾، ويبين دلالتها على توحيد الله ونفي المثيل والنظير عنه.

تفسير تسبيح المخلوقات لله عز وجل

الدرس يناقش تفسير الآية الكريمة "يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض" ويشرح معنى التسبيح ويناقش مسألة تسبيح الجمادات والمخلوقات لله، ويبين اختلاف العلماء في تفسير تسبيحها.

ختام الدرس والدعاء

الدرس ينتهي بالدعاء لله تعالى بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ويظهر الاحترام والتقدير للشخصيات الدينية الهامة في الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. قال مؤلف -رحمه الله تعالى- قال: ﴿فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمية﴾. قال: وقوله ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾، وقوله ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾، وقوله ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾، وقوله ﴿وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا﴾. قال: وقوله ﴿يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد وهو على كل شيء قدير﴾. قال: وقوله ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا﴾. قال: وقوله ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذن لذهب كل إله بما خلق ولعلى بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون﴾. قال: وقوله ﴿عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون﴾، فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون. قال: وقوله ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾. أورد المؤلف -رحمه الله تعالى- هذه الآيات بصدد تتبع الصفات السلبية، وهي صفات منفية عن الله عز وجل. وهذه التي يعبر عنها بعض العلماء بصفات السلب، يعبر عنها جماعة من أهل العلم بصفات السلب والسلب من النزع السلب، مأخوذ من النزع. ففي هذه الآيات نفي السمي والكفء والند والولد والشريك والولي من ذل وحاجة إلى غير ذلك. مع أن هذه الآيات كذلك تضمنت إثباتا لكمالات الله، إثباتا لصفات الكمال لله عز وجل. هي ما خلت كذلك من ذلك، ففيها إثبات لصفة القدرة والكبرياء والتبارك والملك والحمد. لكن أصالة المؤلف -رحمه الله تعالى- أورد هذه الآيات لنفي عن الله الصفات المنفية. وأشرنا إخوانا في الله في باب الأسماء والصفات أن هذا الباب يقوم على ركنين أساسيين: على الإثبات والنفي. قد مرت معنا الآيات المتضمنة لإثبات كثير من الصفات لله، وهنا. هنا المؤلف -رحمه الله تعالى- أورد هذه الآيات لما فيها النفي عن الله ما يتعلق بهذه الصفات المنفية. وقبل الشروع إخواني في الله في بيان هذه الآيات، مما يمهد له هذا الباب أولا: أن الصفات المنفية هي كل صفة نفاها الله عن نفسه، إما في كتابه أو على لسان رسوله. وكلها صفات نقص، لا كمال فيها. الأمر الثاني: لابد مع نفي الصفة إثبات كمال الضد. فلما تنفي عن الله عز وجل مثلا الشريك والأنداد والأضاد، فهل المقصود نفي فقط؟ لا. قال علماء: النفي يتضمن معه إثبات كمال الضد. ما الذي يثبت بعد هذا النفي؟ يثبت بعد هذا النفي أن الله جل وعلا لوحد، قادر، قدرة الله التامة على إدارة ملكوت السماوات والأرض. والقاعدة عند العلماء: أن النفي المحض ليس بكمال. وإنما الكمال يظهر في إثبات كمال الضد. وتوكل على الحي الذي لا يموت، فهنا نفى ربنا عن نفسه ماذا؟ صفة الموت. لكن بالمقابل من الذي أثبت؟ أثبت كمال الضد، وهي الحياة الكاملة. أثبت لنفسه الحياة الكاملة. فالنفي المحض ليس بكمال حتى يكون ماذا؟ مصاحبا بإثبات كمال الضد. الفائدة الثالثة في باب الصفات المنفية: أن أسلوب القرآن في الصفات المنفية أنها تأتي مجملة، بخلاف الصفات المثبتة فإنها تأتي مفصلة. وهذا في الأغلب. نرجع إخواني في الله إلى الآيات التي استدل بها المؤلف -ورحمه الله تعالى-. في الآية الأولى في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمية﴾. قوله سبحانه وتعالى: ﴿فاعبده﴾، الأمر بعبادة الله جل في علاه، والخطاب لرسول الله، ولكن الأمة تبع. قوله: ﴿واصطبر﴾، قال علماء: أصلها استبر، لكن لمبحث صرفي قلبت التاء طاء. فاعبده واصطبر، فيه الأمر لعبادة الله، واستبر لعبادته. والعلماء يذكرون أن الصبر على أقسام ثلاث: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على القضاء والقدر. وما هو أعظمها؟ وأكبرها؟ وأشدها؟ أعظمها وأكبرها وأشقها هو الصبر على الطاعة. ولهذا قال ربنا: ﴿فاعبده واصطبر لعبادته﴾. قوله: ﴿هل تعلم له سمية﴾، قال العلماء: هذا استفهام إنكاري، والاستفهام الإنكاري يؤتى به للتحدي. ويؤتى به على شكل سؤال: هل تعلم له سمية؟ فماذا يكون الجواب؟ يكون الجواب: لا أعلم له سمية. فيكون بهذا الجواب ماذا؟ الخضوع بعد العز، لا أعلم له سمية، يخضع لربه إظهارا لعزه. قال العلماء: أن كلمة سمي أو تعلم له سمية يعود إلى أمرين اثنين: أي هل تعلم له مسامية؟ أي مساوية. أو أن هل تعلم له سمية من التسمية؟ أي هل تعلم أحد تسمى باسمه؟ وليس المقصود هنا اسم فقط، بل اسم يتقبل ما يحمله هذا الاسم من عظمة. فهذا الشاهد من إرادة هذه الآية في هذا الباب: هل تعلم له سمية؟ أي من تسمى باسمه أو مساويا له. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: وقوله ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾. قد مرت معنا سورة الإخلاص، لو تذكرون في بداية الرسالة، في بداية شرحنا، ذكرنا ما يتعلق في ذلك. المؤلف آية الكرسي، وذكر سورة الإخلاص، وأشرنا ما يتعلق بها من مسائل. وهنا أشار المؤلف لهذه الآية لما فيها من نفي المكافع عن الله. ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾، والكفوا هنا بمعنى المكافئ المساوي. أي هل ولم يكن لهم مكافئا؟ ولم يكن لهم مساويا؟ فالآية هنا تنفي عن الله النظير والمثيل. تنفي عن الله عز وجل النظير والمثيل. وفي قوله تعالى: ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾، أحد نكرة، وفي سياق النفي، فتفيد العموم. وفي هذا رد على الفرق الضالة، ورد على الممثلة ممن جعلوا مع الله كافيا ومساويا. الممثلة والمشبهة، وكذلك فيه رد على المعطلة، لأن المعطلة ما عطلوا إلا بعد ما مثلوا. فظنوا أن لله مثيل، فسارعوا إلى التعطيل. فهم أولا مثلوا، ثم عطلوا. إذن هم أثبتوا لله مثيلا، وتحرجا لهذا المثيل، قاموا بالتعطيل. فقالوا: هل لله مثيل؟ أصلا. ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾، ما هناك أحد يكافئ الرب عز وجل، يساويه، جل في علاه. قال -رحمه الله تعالى-: وقوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾. أندادا جمع ند، وهو النظير المناو، والمناو بمعنى المنافس، وهو المعادي. لهذا بعضهم يقول: الأنداد هي الأضاد. فالآية الأولى: ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾، فيها النفي عما يكافئه، أي يماثله سبحانه. وفي هذه الآية النفي عما هو يضاده، أي يناوئه. فهذا من في، وذاك من في. فكما أن الله ليس له مثيل، وليس له نظير، فكذلك سبحانه ليس له ضد، جل فعلا، ليس له ضد يناوئه ويعاديه وينافسه. وفي هذه الآية كذلك تحريم للندية من كل وجه، لأن أندادا نكرة، وهنا سياق سياق نهي: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا﴾، فهذا يفيد العموم، ويدخل في ذلك الند الأكبر والند الأصغر. وإذا سيأتي معنى في مسألة الكتاب التوحيد -بإذن الله- بمعرفة صور الندية لله: أن منها ما هو أكبر، وهذا مخرج من الدين والملة. ومنه ما هو اتخاذ ند أصغر. إن قال ذاك الرجل: يا رسول ما شاء الله وشئت. قال: «أجعلتني لله ندا؟» هنا عبر نبيه بالندية. فدل ذلك على أن الندية بعمومية تدخل في الشرك الأكبر والشرك الأصغر. لهذا قال ربنا: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا﴾. قال -رحمه الله تعالى-: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله. كذلك هذه الآية فيها إثبات الند لله جل وعلا، فلا هناك ند مع الله جل فعلا، كائنا ما كان: لا ملك المقربة، ولا نبيا مرسلا، لا صنم، ولا وثن، لا شجر، ولا حجر. قال -رحمه الله تعالى-: وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا. هذه الآية كذلك تضمنت النفي لعدة أمور. فقوله تعالى: ﴿وقل الحمد لله﴾، فيه إثبات الحمد. وألف ولام هنا استغراقية، ضابط الاستغراقية: أن تجعل بدلا عنها كل، أي كل حمد لله. فجميع المحامد لله سبحانه وتعالى. وقال العلماء: أن الحمد يتضمن إثباتا لجميع الكمالات، لأنه لا يستحق أحد الحمد المطلق إلا من بلغ الغاية. فلما تقول: الحمد لله، أي كل المحامد لله. من أين جاء الاستحقاق لغاية الكمال التي وصلها الله عز وجل؟ ففيها قال العلماء: ففي إثبات الحمد أصلا إثبات لماذا؟ لإثبات الكمالات التي تليق بالله جل في علاه. ثم ذكر ربنا أن نفي عن الولد: ﴿الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك﴾، نفي للشركاء. ﴿ولم يكن له ولي من الذل﴾، وفيه كذلك نفي للأولياء. هنا قد يشكل في مسألة الولاية. قد مر معنا في أصول الستة مبحث طويل عن الولاية. وهناك أولياء لله بنص القرآن والسنة. وهنا عندي نفي: ﴿ولم يكن له ولي﴾، نفي للولاية. فكيف الأمر؟ فقال علماء: أن الولاية المثبتة إنما أثبتها الله للخلص من عباده ممن ينصرهم ويؤيدهم. أما هنا الولاية المنفية، الولاية التي يظن أن الله اتخذ أولياء لحاجتهم، أنا محتاج إليهم. لا. الله ما يحتاج لأحد من خلقه. ولهذا قال: ﴿ولم يكن له ولي من الذل﴾، أي من الحاجة. هذا في حق الإنسان. نعم الإنسان قد يضطر إلى أن يحتاج أصحاب، ويحتاج إلى زملاء. لماذا؟ لأني محتاج إليهم أصلا. أنا محتاج إليهم في أشياء. هذا في حق البشر. لكن في حق الخالق لا. الله ليس له أولياء بحاجة إليهم، بل الخلق كل بحاجة إليه. فهذا هي الولاية المنفية عن الله: أن يكون له ولي لحاجة. لحاجة. قال -رحمه الله تعالى-: وقوله ﴿يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد وهو على كل شيء قدير﴾. هذه الآية نختم بها المجلس، وإن شاء الله نواصل في درس غد بإذن الله ما يتعلق بباقي آيات المنفية. هنا في قوله تعالى: ﴿يسبح﴾، التسبيح والتنزيه والإبعاد عن السوء. فكل من في السماوات وكل من في الأرض يسبح لله أن ينزه الله عز وجل. كل من في السماوات وكل من في الأرض من مخلوقات يسبح لله أن ينزه الله عن النقائص وعن المعايب. ولهذا كان من أعظم الذكر عند الله: سبحان الله. أعظم الذكر أنك تنزه الله، فتكثر من سبحان الله، وتكثر من الحمد لله. فالحمد في إثبات الكمالات لله، واستسبيح فيه ماذا؟ نفي النقائص والمعايب عن الله. سبحان الله وبحمده. وهنا مسألة إخواني في الله في قوله تعالى: ﴿يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض﴾، هل الجمادات تسبح؟ هل المخلوقات تسبح لله؟ نعم تسبح بنص القرآن. لأي اختلف العلماء: هل تسبيحها بلسان الحال أم بلسان المقال؟ يعني لسان الحال: أي وجودها، حياتها، نموها، هو تسبيح لله. حالها شاهدة على وجود الله وعلى وجود الخالق جل في علاه. أم بلسان المقال؟ أنها تسبح لها ألفاظ تنطق. منهم من قال كذا، ومنهم من قال كذا. ومن أهل العلم يرجح أن المخلوقات والكائنات، بل حتى الجمادات تسبح بلسانها، لها ألفاظ تنطق. واستدل هؤلاء بما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾. فاستدل العلماء على هذه الآية على أن هذه الآية تضمنت على أن الجمادات والكائنات والمخلوقات والسماوات والأرض كل شيء يسبح، وله لفظ. لفظ، لكن نحن كبشر ما نفقه هذا اللفظ. ما نفقه هذا اللفظ. ولعل هذا القول قوي. ومما يؤيد هذا المعنى: أن المخلوقات والكائنات والجمادات تسبح، ما جاء في قوله تعالى: ﴿إنا سخرنا الجبال معه يسبحن﴾، فأثبت ربنا جل وعلا أن الجبال تسبح. تسبح. وأن داود يسمع تسبيحها. كذلك ما جاء في أدلة السنة، قال عليه الصلاة والسلام: «إني لأعلم حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث». وما جاء كذلك من أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن قتل الضفادع. لماذا؟ جاء في بعض الروايات في السنن: أن نقيقها تسبيح. نقيقها تسبيح. وجاء كذلك في بعض الآثار: من أن النبي كان يسمع تسبيح الطعام بين يديه. وليخفاكم حنين الجذع الذي سمعه نبينا عليه الصلاة والسلام. فدل على أن هذه الكائنات، وحتى الجمادات لها لسان تتكلم وتنطق، فتسبح الله جل في علاه. لكن نحن نعجز عن فقه ذلك، وعن فهمه. فربما تهب الرياح، تسبح الله. الحال ما نفقه. تمر على الشجر، وهي تسبح الله. وحن لا نسمع. ولهذا من أهل العلم من يرى أن تسبيح الكائنات والمخلوقات والجمادات يكون بلسان المقال. ومن أهل العلم يقول: لا، هي لسان الحال. فالأمر في ذلك واسع. وما نخرج أبدا على أن هذه المخلوقات والعوالم كلها تسبح لله بلسان حالها أو بلسان مقالها. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.