الدرس في كتاب الصلاة 10، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول شرح حديثين نبويين حول الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم قبل القراءة وصفة صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم-. يتم توضيح معاني الأحاديث وشرح ألفاظها وتوضيح عللها.
يشرح كيفية وضع اليدين في الصلاة ورفعهما عند التكبير، حيث كان النبي يضع يده اليمنى على اليسرى على صدره ويرفع يديه حذو المنكبين في تكبيرة الإحرام والركوع والرفع منه والقيام من الركعتين.
يناقش أهمية قراءة الفاتحة في الصلاة ووجوبها، ويتناول الخلاف حول قراءة المأموم للفاتحة خلف الإمام في الصلاة الجهرية، مع الاستدلال بحديث نبوي يفيد بأن الصلاة لا تصح بدون قراءة الفاتحة.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -رحمه الله- الحديث الثامن والثلاثون بعد الثلاثمائة. قال: ونحوه عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- مرفوعا عند الخمسة، وفيه: وكان يقول بعد التكبير: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه». هذا الحديث أعله بعض الحفاظ، فأشار الإمام الترمذي -رحمه الله- إلى كلام العلماء في سند هذا الحديث، وأن فيه علي بن علي الرفاعي، قال الترمذي: كان يحيى بن سعيد يتكلم فيه. وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث، وأن الحديث الصحيح فيه الإرسال. وقد وهم جعفر بن سليمان الضبعي فرواه موصولا. يعني يرجح الإمام محمد -رحمه الله- الإرسال في هذا الحديث، ولهذا ذكره شيخنا -رحمه الله الوادعي- في كتابه «أحاديث معلة ظاهرها الصحة»، ذكر هذا الحديث في هذا الكتاب. وإن كان بعض العلماء يحسن الحديث، كشيخ الباني -رحمه الله-، يعني يرى بلا تحسين الحديث، ولعل ذلك يعني بطرق أخرى. وحمل الله يعني رواية أن الحديث رواية مرسلا ورواية موصولا، لكن يعني كلام الحفاظ في مثل هذه التعليلات للأحاديث مقدم، هم أعلم ممن جاء بعدهم بعلل الحديث. فقوله: «كان يقول بعد التكبير أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه»، من همزه: همز الشيطان قيل: من موته، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر. طيب، لكن إذا علمنا أن هذا الحديث معل، إذن يكتفى بالاستعاذة بما دل عليها القرآن، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، فتقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». نعم، هذا يعني ما تدل عليه الآية من حصول الاستعاذة من الشيطان. والاستعاذة قبل القراءة، الاستعاذة تكون قبل القراءة، وقول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ أي: إذا أردت القراءة، إذا أردت القراءة، وليس المراد أنك تقرأ ثم تستعذ، وهذا قول جمهور أهل العلم، خلافا للظاهرية. فتكون القراءة: الاستعاذة قبل القراءة، مثل قول أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». إذا دخل، أي: إذا أراد الدخول، إذا أراد الدخول. ثم الاستعاذة في قول جمهور أهل العلم أنها مستحبة، بل نقل بعضهم الإجماع على القول باستحباب الاستعاذة قبل القراءة. واستدل أهل العلم على أن الاستعاذة مستحبة مع أن الآية فيها الأمر، قالوا: لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- في مواضع عديدة كان يبدأ القراءة من غير ذكر الاستعاذة، كان يقرأ -عليه الصلاة والسلام- من غير ذكر الاستعاذة، فدل هذا على أن الاستعاذة مستحبة وليست واجبة. ومعنى «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم»: أعوذ بالله، أعتصم بالله، وألتجئ به، ألتجئ بالله وأعتصم به من شر كل ذي شر، السميع العليم: أي الموصوف بالسمع الذي له صفة السمع، فهو يسمع -جل وعلا- أصوات الخلائق كلها، العليم بأحوالهم وتقلباتهم، من الشيطان، فأنت تستعيذ بالله -سبحانه وتعالى- من شر الشيطان، أن يعني يوسوس لك أو يصدك عن الخير، أو كذلك يعني يبعدك عما فيه رضوان الله -سبحانه وتعالى-. الرجيم: أي المطرود من رحمة الله -سبحانه وتعالى-. وعرفنا معنى «من همزه ونفخه ونفثه». قال الحديث التاسع والثلاثون بعد الثلاثمائة. وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه، ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما، وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسا، وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى، وكان ينهى عن عقبة الشيطان، وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم». أخرجه مسلم، وله علة. وهذه العلة هو أن أبا الجوزاء لم يسمع من عائشة، أن أبا الجوزاء لم يسمع من عائشة كما قال الأئمة، ونقل هذا من عبد البر -رحمه الله- عن الأئمة الحفاظ، قال: رجال إسناد هذا الحديث كلهم ثقات، إلا أنهم يقولون: يعني أئمة الحديث: إن أبا الجوزاء لا يعرف له سماع من عائشة، وحديثه عنها مرسل، وحديثه عنها مرسل. نعم، لكن الحديث يعني له شواهد تدل على صحة ما فيه. فكون النبي -صلى الله عليه وسلم- يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، ها حديث كثيرة في أحاديثه كثيرة، حديث أبي حميد الساعدي، وحديث أبي هريرة في المصلي في صلاته، وسيأتي من حديث أنس في الجهر بالحمد لله رب العالمين. نعم، وقوله: «كان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه»، يعني: إذا ركع يجعل رأسه مستويا مع ظهره، لا يرفع رأسه إلى الأعلى ولا ينزله إلى الأسفل، هذا معنى «لم يشخص رأسه»، يعني يرفعه، «ولم يصوبه» أي ينزله، فيجعله مستويا مع ظهره. وهذا أيضا ثابت في أحاديث أخرى. «وكان إذا رفع من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما»، يعني: إذا رفع من الركوع لم يتعجل بالسجود حتى يستوي قائما، فيرجع كل عظم إلى محله ويطمئن في القيام. «وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسا»، كذلك يعتدل ويطمئن في الجلسة بين السجدتين. قال: «وكان يقول في كل ركعتين التحية»، يعني: إذا صلى ركعتين يجلس تشهد ويأتي به التشهد، والمراد بالتحية التشهد: «التحيات لله، الصلاة والطيبات» إلى آخره، والتشهد يسمى التحية، يعني في كل ركعتين كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتشهد، وهذا ثابت بحديث كثيرة. «وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى»، كما مر معنا في حديث أبي حميد الساعدي، أنه يفعل هذا في التشهد الأول. «وكان ينهى عن عقبة الشيطان»، ينهى عن عقبة الشيطان، وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، عقبة الشيطان المراد: الله أعلم، يعني الجلوس الذي نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- في الإقعاء، فقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن إقعاء كإقعاء الكلب أو إقعاء القرد. طيب، أو كان المراد شيء آخر، فينظر، إن شاء الله متأكد من هذه اللفظة، هل مراد بها «نهى عن الإقعاء» أو شيء آخر؟ «وكان ينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع»، يعني في السجود ما يفرش ذراعيه هكذا مثل ما يفعل الكلب إذا جلس، بل يرفع ماذا؟ يديه، ويرفع ذراعه عن الأرض، ويجافي بجنبي مرفقيه عن جنبيه. قال: «وكان يختم الصلاة بالتسليم»، يعني: إذا أراد الخروج من الصلاة فيسلم، وهذا أيضا ثابت في أحاديث كثيرة. قال الحديث الأربعون بعد الثلاثمائة. قال: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب». متفق عليه. نعم، هذا الحديث فيه الأمر باعتدال في السجود، وأن المصلي حال السجود لا يرفع، لا يبسط ذراعيه، يعني افترشه في الأرض كما يفعل السبع، الكلب إذا يجلس ترونه يفرش ذراعيه هكذا يضعها على الأرض، فنهى النبي -صلى الله عليه وسلم- المسلم أن يشبه بهذا الحيوان، بل يكون معنى الاعتدال: أن ترفع الذراعين من الأرض ارتفاعا معتدلا، والسنة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يجافي بجنبيه عن جنبيه، ويبالغ في ذلك إذا كان الإنسان منفردا أو إماما، وأما إذا كان مأموما فلا يفعل، لا يبالغ في ذلك حتى لا يؤذيه من بجانبه. طيب، بالنسبة هنا لقولي في حديث عائشة: «وكان يختم الصلاة بالتسليم»، التسليم من الصلاة وركن من أركان الصلاة، ركن من أركان الصلاة، خاصة تسليمة الأولى، وأما الثانية فمستحبة. ويدل على الركنية حديث: حديث علي -رضي الله عنه- أو جاء عن غيره في قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم». «تحريمها التكبير» أي: إذا كبر الإنسان في الصلاة حرم عليه كل ما كان له حلالا قبل الصلاة، كالكلام والحركة والأكل والشرب والضحك إلى آخره، «وتحليلها التسليم»: يعني يحل ما كان حراما عليه في الصلاة بالتسليم، إذا سلم، معناه خرج من الصلاة، خرج من الصلاة، وحل له ما كان عليه حراما، فهذا الحديث دل على ركنية السلام. قال الحديث الحادي والأربعون بعد الثلاثمائة. وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وكان لا يفعل ذلك في السجود». متفق عليه. وللبخاري عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-». هذا الحديث فيه استحباب رفع اليدين في هذه المواضع الأربع، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يرفع يديه حذو منكبيه، يعني يجعل يديه حذو المنكب، حذو منكبيه، قال: «إذا افتتح الصلاة»، يعني في تكبيرة الإحرام، عند تكبيرة الإحرام، «وإذا كبر للركوع»، إذا أراد أن يركع الله أكبر رفع يديه، «وإذا رفع رأسه من الركوع»، إذا قال: «سمع الله لمن حمده»، كذلك يرفع يديه. والموضع الرابع قال: «وإذا قام من الركعتين رفع يديه»، يعني إذا قام إلى الركعة الثالثة، فإنه كذلك يرفع يديه. وهذه المواضع الأربع يعني يتأكد استحباب رفع اليدين فيها، ورفع اليدين مع التكبير مستحب، لكن في هذه المواضع يتأكد استحبابه، يتأكد استحبابه، وإلا ترك الإنسان فليس عليه شيء، وصلاته صحيحة. قال حديث ثاني وأربعون بعد ثلاثمائة. وفي حديث أبي حميد عند أبي داود: «يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر». في حديث ابن عمر: أن رفع اليدين مع التكبير، قال: «يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة»، يعني إذا كبر الله أكبر يرفع يديه. في حديث أبي حميد: «يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر»، ثم تفيد ماذا؟ تفيد التراخي، يعني يكبر، يرفع يديه، ثم يكبر الله أكبر، إذن يفيد حديث أبي حميد كيفية أخرى في رفع اليدين، أنه أولا يبدأ برفع يديه، ثم يكبر بعد ذلك، يكون التكبير بعد الرفع. قال: وللنسائي الحديث الثالث والأربعون بعد ثلاثمائة. وللنسائي عن مالك بن الحويرث -رضي الله عنه- نحو حديث ابن عمر، لكن قال: «حتى يحاذي بهما فروع أذنيه»، يعني في رفع اليدين إذا رفع يجعل يديه تحاذي فروع الأذنين، فيكون الرفع هكذا، فتكون اليدان حذو المنكبين وتحاذي كذلك فروع الأذنين، فتكون هذه كيفية أيضا أخرى في رفع اليدين، إما أن ترفع إلى حذو المنكبين، أو ترفعها إلى الأعلى فتكون محاذية لفروع الأذنين مع المنكبين. هناك كيفية ثالثة في رفع اليدين مع التكبير، وهو أنه يكبر ثم يرفع يديه، يقول: «الله أكبر»، ثم يرفع يديه، هذا أيضا ثابت عن النبي -عليه الصلاة والسلام-. هذه ثلاثة كيفيات في رفع اليدين مع التكبير، إما أن ترفع مع التكبير، حديث ابن عمر، وإما أن ترفع ثم تكبر، كحديث أبي حميد، وإما أن تكبر ثم ترفع، أيضا ثابتة عن النبي -عليه الصلاة والسلام-. قال: حديث الرابع والأربعون بعد الثلاثمائة. وعن وائل بن حجر -رضي الله عنه- قال: «صليت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره». أخرجه ابن خزيمة، وأصله في مسلم. نعم، أصل هذا الحديث في مسلم، وليس فيه قوله: «على صدره»، وسيأتي ذكره في الحديث الذي بعده. وبهذا اللفظ الحديث في ضعف، فهو من طريق مؤمل بن إسماعيل، وهو سيء الحفظ. وصح مرسلا عن عطاء قال: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشد بينهما على صدره، وهو في الصلاة». رواه أبو داود، وهو مرسل صحيح، وهو مرسل صحيح. فهذا الحديث مع هذا المرسل قد يرتقي إلى الحسن، وهو أصح ما ورد في الباب في موضع وضع اليدين في الصلاة، أنه في الصدر، أن تكون اليدين على الصدر، وغير ذلك فهو ضعيف، وغير ذلك فهو ضعيف، بعض الروايات تحت السرة، نعم، هي أيضا غير ثابتة، وهو حديث علي، فيه ضعف. لكن هذا أصح شيء في الباب، أنها توضع على الصدر. قال الحديث الخامس والأربعون بعد الثلاثمائة. وعنه -رضي الله عنه- أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- رفع يديه حين دخل في الصلاة، كبر، وصف: ما حيال أذنيه، ثم التحف بثوبه، التحف بثوبه يعني لف الثوب على جسده كالشال ونحوه، قال: ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبر فركع، فلما قال: «سمع الله لمن حمده» رفع يديه، فلما سجد سجد بين كفيه». رواه مسلم. نعم، نظف هذه الرواية ما قال: «على صدره»، قال: «وضع يده اليمنى على اليسرى». نعم، لهذا كانت الرواية هذه في قولي «على صدره» التي قبلها في هذا الضعف. قال: الحديث السادس بعد الثلاثمائة. وعن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن». متفق عليه. قالوا: في رواية لابن حبان: «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب». وفي أخرى لأبي داود: «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها». قال: الحديث السابع والأربعون بعد الثلاثمائة. وعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: «إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطبنا، فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا، فقال: إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا». الحديث رواه مسلم، وصححه الإمام أحمد. وتكلم في قوله: «فإذا قرأ فأنصتوا». هذا الحديث. حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- فيه دلالة على وجوب قراءة الفاتحة، وأن الصلاة لا تصح إلا بقراءتها، «لا صلاة»: أي لا صلاة صحيحة، «لمن لم يقرأ بأم القرآن»، أي الفاتحة، فنفى النبي -عليه الصلاة والسلام- صحة الصلاة إذا لم تقرأ فيها الفاتحة، فدل هذا على أن قراءتها يعتبر ركنا من أركانها. وفي رواية ابن حبان: «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب»، وهو جار بعض الروايات: «أن من صلى ولم يقرأ بأم القرآن فهي خداج»، «فهي خداج»، «فهي خداج»، غير تمام، يعني ناقصة، غير كاملة، غير تامة. واختلف أهل العلم: هل يقرأ المأموم الفاتحة إذا صلى خلف الإمام في الصلاة الجهرية أو لا؟ نعلم أن قراءة الفاتحة يجب قراءتها في كل ركعة، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما علم المسيح بصلاته أمره بالقراءة: «أم القرآن»، ثم قال في آخر الحديث: «ثم فعل ذلك في صلاتك كلها»، يعني اقرأ الفاتحة في كل ركعة. طيب، تأتي مسألة أخرى: على أن علمنا أن قراءة الفاتحة ركن، طيب هل يقرأها المأموم خلف الإمام في الصلاة السرية؟ لا إشكال أنه يقرأها، لكن في الصلاة الجهرية هل يقرأ المأموم خلف الإمام في الصلاة الجهرية؟ هذه المسألة فيها خلاف، والصحيح أنه يقرأها، الصحيح أنه يقرأها، لعموم هذا الحديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن»، هذا يشمل الصلاة الجهرية، ويشمل الصلاة السرية. ورواية أبي داود لما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها»، هذا فيه دلالة على أن المأموم يقرأ يقرأ الفاتحة خلف الإمام، ولو في الصلاة الجهرية، وأن هذا مستثنى، الأصل أن المأموم لا يقرأ في الصلاة الجهرية خلف الإمام إلا بفاتحة الكتاب، إلا بفاتحة الكتاب، لعموم الحديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، وأيضا لدلالة هذا الحديث: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب». وذهب آخرون إلى أنه لا يقرأ المأموم خلف الإمام في الصلاة الجهرية، واستدل بحديث: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة». وهذا الحديث ضعيف لا يصح، ففيه جابر الجعفي، وهو ضعيف، الكذاب. واستدل أيضا بحديث أبي موسى المذكور عندنا هنا، قال: «فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا». قال: هذا الحديث فيه أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإنصات إذا قرأ الإمام، ومعنى هذا أنه إذا قرأ فنحن لا نقرأ، وعلينا أن نستمع، وعلينا أن نستمع. وهذه اللفظة أشار المصنف لأن فيها كلام، قالوا: تكل ما في قوله: «فإذا قرأ فأنصتوا». نعم، فهي في حديث أبي موسى تعتبر شاذة، لأن سليمان التيمي تفرد بذكرها، سليمان التيمي تفرد بذكرها في روايته لهذا الحديث عن قتادة، وقد روى وتابعه، تابعه سالم بن نوح، لكنه ليس بالقوي، ليس بالقوي، كما أشار الإمام دار قطني -رحمه الله-. وأما الثقات الحفاظ الذين رأوا هذا الحديث عن قتادة لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة، كهشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة، وهمام، وأبو عوانة، ومعمر، وجماعة، هؤلاء رأوا الحديث عن قتادة، ولم يذكروا هذه اللفظة، ولم يذكروا هذه اللفظة. ولهذا حكم الحفاظ على هذه الرواية بالشذوذ، فهي إذن شاذة لا تصح. وجاء أيضا ذكرها في حديث أبي هريرة، في حديث أبي هريرة، جاء فيه ذكر هذه اللفظة: «وإذا قرأ فأنصتوا»، وهو أيضا يعني هذا الحديث معل، قال أبو حاتم في «العلل»: «ليست هذه الكلمة بالمحفوظ»، وهو من تخاليط ابن عجلان، يعني في حديث أبي هريرة. إذن علمنا أن هذه اللفظة لا تصح، لا تصح، إذن ليس فيها دلالة على منع المأموم من قراءة الفاتحة، حتى لو صحت فنحملها على ماذا؟ على غير الفاتحة، «وإذا قرأ فأنصتوا»: يعني في غير الفاتحة، أما في الفاتحة فلابد أن تقرأ. وستدلوا كذلك بالآية: ﴿فَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، نقول: هذا أيضا في غير الفاتحة، أما في الفاتحة فلابد من قراءتها. وهذا هو أرجح الأقوال، والله أعلم، في هذه المسألة. وأيضا سكت أبو داود لضعف هذه اللفظة، فقال في سننه: «وهذه الزيادة: وإذا قرأ فأنصتوا، عندنا ليست بمحفوظة». نعم، وأكد الأئمة: البيهقي في كتابه «المعرفة» قال: «قد أجمع الحفاظ على خطأ هذه اللفظة في الحديث، وأنها ليست بمحفوظة»: يحيى بن معين، وأبو داود، وأبو حاتم الرازي، وأبو علي الحافظ، وعلي بن عمر الحافظ، وأبو عبد الله الحافظ. نعم، هؤلاء كل الحفاظ على إعلال هذه اللفظة. نعم، وأكد أيضا إمام البخاري في كتابه «جزء القراءة خلف الإمام»، أشار إلى ضعف هذه اللفظة. إذن القول الصحيح والراجح بهذه المسألة: أن المأموم يقرأ خلف الإمام، يقرأ الفاتحة، ولو في الصلاة الجهرية. نستمر أو نقف؟ يكفي. طيب، إلى هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.