التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 45

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 45

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 45، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

النهي عن التشبه بالكفار في الصلاة وتأصيل الحكم

نهى النبي عن التشبه بالكفار في الصلاة، وذكر ابن تيمية أن الحديث ليس منسوخا وأنه يدل على النهي عن مشابهة الكفار في الصورة. هذا يؤكد أهمية مخالفة الكفار في أفعالهم.

حكم الجلوس مع الإمام و القيام للجنازة وآراء العلماء

يناقش آراء العلماء حول الجلوس مع الإمام في الصلاة وحكم القيام للجنازة، معتمدًا على أقوال السلف واستدلالات من الأحاديث النبوية. يشير إلى اختلاف العلماء في هذه المسائل ويبين صحة بعض الأحاديث وضعف أخرى.

تفسير الأحاديث الواردة في القيام للجنازة وتأصيل حكمه

يناقش حكم القيام للجنازة وتفسير الأحاديث الواردة في ذلك، ويبين أن القيام للجنازة ليس للميت بل للموت. يذكر اختلاف العلماء في نسخ هذا الحكم أو استمراره، ويفرق بين القيام للموت والتشبه بالكفار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فذكر الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من الأحاديث التي تنهى عن التشبه بالكفار قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا صلى الإمام جالسا فصلوا جلوسا، وإذا صلى الإمام قائما فصلوا قياما، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها». ثم قالوا: في هذا الحديث أيضا نهى عن ما يشبه فعل فارس والروم، وإن كانت نيتنا غير نيتهم، أنا نيتنا كانت لأجل التعظيم، لكن لما كان الفعل مثلهم فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه لقول: «فلا تفعلوا»، فهل بعد هذا في النهي عن مشابهتهم في مجرد الصورة غاية؟ قالوا: ثم هذا الحديث سواء كان محكما في قعود الإمام أو منسوخا، فإن الحجة منه قائمة؛ لأن نسخ القعود لا يدل على فساد تلك العلة. وذكرنا أن الصحيح أنه ليس منسوخا، وإن قلنا بالنسخ، إنما يكون نسخا جزئيا فقط، وهو أن النسخ إنما يكون إذا كان في أثناء الصلاة، إذا جلس الإمام في أثناء الصلاة، فإن المأمومين يكونون قياما، فهنا انتفت تلك العلة التي هي القيام أو القعود للإمام إذ كان جالسا، فانتفت تلك العلة إذا كان في أثناء الصلاة، فلهذا فليس هناك تشبه. وعما قاله من قال بأن الحديث منسوخ كله، فهذا قول غير صحيح؛ لأن الحديث الذي استدل به على النسخ فيه إشكال من ناحية أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى جالسا وأبو بكر كان يكبر بتكبيره، فكأن الإمام الذي يصلي هو أبو بكر والناس يقتدون بأبي بكر، وأبو بكر يقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام، فهذه حالة خاصة. لكن إذا قلنا بعموم هذا الحديث، فقلنا أنه ينسخ إذا كان في أثناء الصلاة، وأما نسخ الجلوس خلف الإمام كله فهذا بعيد جدا. ولهذا فالقول الصحيح إما أن يقال: أنه يجلس مع الإمام كما قال كثير من السلف، وإما أن يقال: أنه يجلس إذا كان في بداية الصلاة، وأما إذا كان في أثنائها فلا يجلس، وهذا كما قلنا قول الإمام أحمد، وهو جمع بين النصوص. قال: قد استفاض عنه صلى الله عليه وسلم العمل بالجلوس، استفاضة صحيحة صريحة، يمتنع معها أن يكون حديث المرض ناسخا له. أنا أريد حديث المرض لما جلس النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته بجنب أبي بكر، قال: وهو مقرر في غير هذا الموضع إما بجواز الأمرين، إذ فعل القيام لا ينافي فعل القعود، وإما بالفرق بين المبتدئ للصلاة قاعدا والصلاة التي ابتدأها الإمام قائما. وقلنا: الثاني هو الذي جاء عن أحمد، وهو الصحيح لعدم دخول هذه الصلاة في قوله: «وإذا صلى قاعدا»، ولعدم المفسدة التي علل بها، ولأن بناء فعل آخر الصلاة على أولها أولى من بنائها على صلاة الإمام. قال: وأيضا، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اتبع جنازة لم يقعد حتى توضع في اللحد»، فعرض له حبر فقال: «هكذا نصنع يا محمد؟ قال: فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: خالفوهم». رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي، وقال: بشر بن رافع ليس بالقوي في الحديث. وهذا الحديث لا يصح، وفيه كما قال الشيخ الإسلام: بشر بن رافع وهو ضعيف في الحديث. لكن صح عن علي رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالقيام للجنازة ثم أمر بالجلوس، فجلس. سيأتي -سيذكر المؤلف- وجه هذا. قال: قلت: قد اختلف العلماء في القيام للجنازة إذا مرت، ومعها إذا شيعت. وحديث الأمر بذلك كثيرة مستفيضة. ومن اعتقد نسخها أو نسخ القيام للمارة، فعمدته حديث علي وحديث عبادة هذا. أما حديث عبادة فليس صحيحا. وحديث علي في صحيح مسلم قال: «رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فقمنا، وقعد فقعدنا». وجاء في لفظ: «أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقيام للجنازة ثم قعد، فقعدنا»، أو قال: «ثم أمر بالقعود فقعدنا». وهذا يحتمل أمرين: إما أنه أمر بالقعود بعد أن كان يأمر بالقيام، وإما أنه قعد بعد وضع الجنازة. فسيذكر المؤلف رحمه الله هذا الأمر. قال: وإن كان القول بهما ممكنا، معناه يقال بالقيام للجنازة وبالقعود؛ لأن المشيع يقوم لها حتى توضع عن مناكب الرجال، لا في اللحد. فهذا الحديث إما أن يقال به جمعا بينه وبين غيره، أو نسخا لغيره. وقد علل المخالفة، ومن يقول به يضعفه، وذلك لا يقدح في الاستشهاد به والاعتماد على جنس المخالفة. ولا حديث التي جاءت في القيام للجنازة كثيرة، وعلل القيام للجنازة إنما هو لمخافة الموت، وليس للميت. وهذا علة غير المعنى الذي يكون فيه القيام للتعظيم. وإنما كان قياما للموت، وليس للميت. قالوا: قد روى البخاري عن عبد الرحمن بن القاسم أن القاسم كان يمشي بين يدي الجنازة ولا يقوم لها، ويخبر عن عائشة، قال: «كان أهل الجاهلية يقومون لها، يقولون: إذا رأوها كنت في أهلك ما كنت مرتين، يثنون عليه». فقد استدل من كره القيام بأنه كان من فعل الجاهلية. وليس الغرض هنا الكلام في عين المسألة. وخلاصة الأمر كما ذكر الشيخ هنا: أن هذا النهي الذي جاء أو الأمر بالقيام للجنازة، فهو ليس أمرا بالقيام للميت، وإنما أمر للقيام للموت، كما جاء في بعض الأحاديث: «كان إذا رأى جنازة قام عظمة للموت». وكان أيضا اليهود يفعلون ذلك، وأن النبي عليه الصلاة والسلام مر عليه جنازة يهودي فقام، وقام الناس معه. ولهذا اختلف العلماء: هل القيام للجنائز منسوخ أو غير منسوخ؟ والظاهر أنه ليس منسوخا، قلت له. وإنما صار جائزا: من قام للجنائز له أن يقوم، ومن قعد له أن يقعد، كما جاء في حديث علي: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم للجنازة وقمنا معه، ثم قعد وقعدنا»، فله أن يقوم وله أن يقعد. وليس فيه -كما قلنا- تشبه؛ لأن القيام ليس للميت، وإنما للموت فزعا من الموت، كما جاء في الحديث.