التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 44

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 44

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 44، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكم صلاة المأمومين مع إمامهم

يشرح حكم صلاة المأمومين بحسب حالة إمامهم، حيث نهى النبي عن تقليد أهل فارس والروم في قيامهم وهم قعود، وأمر بأن يصلي المأمومون بحسب حالة إمامهم. يشمل هذا الحكم حتى ما كان فرضا في الصلاة.

تفسير نهي النبي عن الصلاة قياما مع جلوس الإمام

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة قياما إذا كان الإمام جالسا، معللاً ذلك بتشبه المأمومين بفارس والروم، ويشدد على مخالفة تشبههم حتى في الصورة. هذا النهي يشمل حتى ما كان فرضا في الصلاة.

اختلاف العلماء في حكم صلاة المأمومين جلوسًا مع إمام جالس

اختلف العلماء في حكم صلاة المأمومين جلوسًا إذا صلى الإمام جالسًا، حيث يرى بعضهم نسخ هذا الحكم لحديث عائشة، بينما يرى الإمام أحمد رحمه الله أن الجمع بين الأحاديث ممكن دون نسخ. يفرق بين حالة صلاة الإمام جالسًا من البداية وحالة جلوسه أثناء الصلاة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم بعد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأيضًا عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيرًا، فالتفت إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودًا. فلما سلم، قال: «إن كنا آنفًا نفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا، صلوا بأئمتكم، إن صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا». رواه مسلم وأبو داود. وهذا الحديث كما قال المؤلف: أخرجه الإمام مسلم من طريق الليث عن يزيد بن أبي الزبير عن جابر، تفرد به من دون البخاري؛ لأن البخاري لم يخرج رواية يزيد بن أبي الزبير عن جابر، لكن مسلمًا أخرجها، سواء كان ذلك من رواية الليث أو من غيره. قال: من حديث الليث عن يزيد بن أبي الزبير عن جابر. ورواه أبو داود وغيره من حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، قال: ركب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرسًا بالمدينة، فصرعه على جذع نخلة، فانقطعت قدمه، فأتيناه نعوده، ووجدناه في مشربة لعائشة يسبح جالسًا. يسبح جالسًا: أي يصلي النافلة وهو جالس. قال: فقمنا خلفه، فسكت عنا، ثم أتيناه مرة أخرى نعوده، فصلى المكتوبة جالسًا، فقمنا خلفه، فأشار إلينا فقعدنا. قال: فلما قضى الصلاة، قال: «إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا، وإذا صلى الإمام قائمًا فصلوا قيامًا، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائهم». وقال: وأظن أن إسناد هذا الحديث صحيح من طريق الأعمش عن أبي سفيان، وهو طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا، وإذا صلى الإمام قائمًا فصلوا قيامًا، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائهم، يقومون وهم جلوس». قال: وأظن -أقول الشيخ وأظن- في غير رواية أبي داود: «ولا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضها بعضًا». وهذه الرواية الله أعلم، لعل الشيخ رواها بالمعنى، وإلا فهي ليست موجودة في شيء من الروايات. وإنما رواية أبي داود: «ولا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضًا». وفي رواية الطبراني: «يقوم بعضهم لبعض». فخلاصة هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي الناس قيامًا وإمامهم جالس، أو الناس جلوسًا وإمامهم قائم. ففي هذا الحديث أنه أمرهم بترك القيام الذي هو فرض في الصلاة، وعلل ذلك بأن قيام المأمومين مع قعود الإمام يشبه فعل فارس والروم لعظمائهم في قيامهم وهم قعود. وهذا استنباط عظيم من الشيخ رحمه الله. أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالجلوس مع أن الجلوس فرض، لكن هذا معنى في حديث جابر كان في الفرض، وفي الحديث الثاني كأنه في النافلة. وأما حديث جابر الأول فهو في الفرض، فأمرهم بترك القيام الذي هو فرض في الصلاة، وعلل ذلك بأن قيام المأمومين مع قعود الإمام يشبه فعل فارس والروم يقومون لملوكهم وهم جلوس. فانظر إلى معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يخالف هؤلاء حتى فيما يكون فرضًا في الصلاة؛ لأن ما يكون مثلهم يكون الملك جالسًا وهم قيام، فخاف النبي صلى الله عليه وسلم أن يتشبه بهؤلاء مع أنه كان مريضًا، كما في حديث جابر الثاني. قال: ومعلوم أن المأموم إذا نوى أن يقوم لله لإمامه، وهذا تشديد عظيم في النهي عن القيام للرجل القاعد أن يقوم لأجله. يقوم لأجله مع أن هذه الوهم هنا لم يقوموا لأجل النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما قاموا لأجل الصلاة، لكن نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. قالوا: نهى أيضًا عن ما يشبه ذلك وإن لم يقصد به ذلك. ولهذا نهى عن السجود لله بين يدي الرجل، وعن الصلاة إلى ما قد عبد من دون الله كالنار ونحوها. وفي هذا الحديث أيضًا نهى عن ما يشبه فعل فارس والروم، وإن كانت نيتنا غير نيتهم، لقوله صلى الله عليه وسلم: «فلا تفعلوا». فهل بعد هذا في النهي عن مشابهتهم في مجرد الصورة غاية؟ قال: ثم هذا الحديث سواء كان محكمًا في قعود الإمام أو منسوخًا؛ لأن بعض العلماء يقول: إنه منسوخ. منسوخ بماذا؟ منسوخ بما جاء في صلاة... معناه حديث جابر هذا لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم جالسًا، وأبو بكر عنده قائم. وجاء في رواية في الصحيحين في حديث عائشة أن أبا بكر صلى بالناس، ثم النبي صلى الله عليه وسلم وجد خفة فخرج، فلما رآه أراد أن يرجع أبو بكر، فقال: مكانه. ثم جلس تحت أبي بكر، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يكبر، وأبو بكر يكبر بتكبيره، والناس يقتدون بأبي بكر؛ لأنه كان مريضًا عليه الصلاة والسلام، فكان صوته قليل أو صوته لا يسمع كثيرًا، فيسمعه أبو بكر فيكبر بتكبيره. فهنا النبي صلى الله عليه وسلم جلس والناس قيام. فقال بعض العلماء كالشافعي وغيره: إن هذا منسوخ. يدل على نسخ هذا الحديث. على نسخ أن الإمام إذا صلى جالسًا فإن المأمومين لا يصلون خلفه جلوسًا. لكن من نظر إلى هذه الأحاديث يجد أنها أحاديث كثيرة، ليس حديثًا واحدًا ولا حديثين، بل جاءت من عدة طرق: عن جابر، وعن أبي هريرة، وعن أنس، وعن عائشة، وعن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، كلهم فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا». فهل هذا الشيء المحكم ينسخه فعل معين قد لا يدرأ أو قد يكون فيه شيء من الأمور التي لم تقصد في ذلك؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم جلس وأبو بكر قائم، فالناس أتموا بأبي بكر وليس بالنبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا عمل به كثير من السلف، صلوا جلوسًا مع إمامهم. وهذا الأصل. لكن هناك قول للإمام أحمد رحمه الله يجمع بين هذه الأحاديث، ولا يقول بالنسخ؛ لأن العلة الآن موجودة، حتى لو قيل بالنسخ فالعلة موجودة، وهي نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن القيام والإمام جالس، وأن هذا فعل اليهود والنصارى أو فعل فارس والروم يقومون لملوكهم وهم جلوس. لكن حمل الإمام أحمد رحمه الله هذا الحديث -حديث عائشة عندما جلس النبي صلى الله عليه وسلم- وأيضًا جاء عن أنس، حمله على أنه إذا حصل ذلك في أثناء الصلاة، إذا حصل للإمام جلوس في أثناء الصلاة فإنه لا يجلسون معه. وأما إذا صلى جالسًا في بداية الصلاة فيصلون جلوسًا. «إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا» أجمعون. وأما إذا حصل له في أثناء الصلاة مثل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وجلس، فإذا حصل مثلًا شيء للإمام وجلس، فهنا لم يقوموا لأجله. معناه الصورة التي من أجلها نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها هنا لا تتصور؛ لأنه لما النبي صلى الله عليه وسلم جلس وهم قد كانوا قيامًا قبل أن يجلس، فلهذا فلا تتحقق هذه الصورة. فلهذا جمع الإمام أحمد بهذا الجمع، وهو جمع صحيح. وإلا فالنسخ غير موجود هنا. إما أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جلس لأجل العلة؛ لأنه مريض، وأيضًا الناس يقتدون بأبي بكر، فكان أبو بكر قائمًا، فلهذا صلوا قيامًا. أو يقال مثل ما قال... وهذا العلة.