الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 504

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 504

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 504، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في شرح حديث معاوية بن أبي سفيان

شرح حديث معاوية بن أبي سفيان عن نقض عرى الإسلام، حيث يبين أن أول ما ينقض هو الحكم وآخرهن الصلاة. هذا الحديث يشير إلى أن بقاء الصلاة يعني بقاء الدين.

تفاصيل نقض عرى الإسلام وعلاقته بالحكم والصلاة

يناقش مفهوم نقض عرى الإسلام وعلاقته بذهاب الحكم، ويوضح أن ذهاب الصلاة يعني ذهاب الدين. كما يستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الطائفة المنصورة.

ضوابط التعامل مع الحاكم الظالم

النصوص الإسلامية تشير إلى عدم جواز الخروج على الحاكم الظالم إذا أدى إلى فتنة، وأن التغيير يجب أن يكون من قبل أهل الحل والعقد. كما يناقش عواقب الخروج على الحكام وتسلط غير المسلمين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا الوليد بن مسلم، وهو أبو العباس الدمشقي، وكان عالما محافظا من حفاظ الحديث، وانتقد عليه التدليس، كان يدلس كثيرا، حتى إنه يدلس تدليس التسوية، وهو أن يسقط ضعيفا بين ثقتين قد سمع كل منهما من الآخر. يقول الهيثم بن جميل: قلت للوليد بن مسلم: إنك تروي عن الأوزاعي عن الرجل عن الزهري، ثم تسقط ما بين الأوزاعي والزهري، فإن الناس سيتهمون الأوزاعي - أو كما قال - أن الأوزاعي سيتهم أنه يدلس. فقال الوليد بن مسلم: أنبه الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء. فبين له الهيثم بن جميل أن هذا قد يضر الأوزاعي، يقولون إن الأوزاعي هو الذي يدلس وليس كذلك، فهذا كان منه خطأ؛ لأنه يحذف الضعفاء، فيبين أن الإسناد صحيح: الأوزاعي عن الزهري، الأوزاعي قد سمع من الزهري. فهذا التدليس كان من شر التدليسات؛ لأنه فيه خفاء أكثر. قال: وما يعلمه إلا جهابذة العلم. قال: حدثني عبد العزيز بن إسماعيل بن عبيد الله، وهو دمشقي كذلك، لا بأس به، قال: إن سليمان بن حبيب حدثهم. سليمان بن حبيب هو قاضي دمشق، والله أعلم، يقال: إنه قضى ثلاثين سنة، وهو في قضاة دمشق، وقيل أكثر. قال: حدثهم عن بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن معاوية بن أبي سفيان، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «لينقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة». قال: هذا حديث حسن، خرّجه محمد بن نصر في كتاب الصلاة. فقال رحمه الله: حدثنا أبو جعفر عبد الله بن محمد المسندي - من المسندي الجعفي البخاري، شيخ البخاري، شيخ البخاري معروف - قال: حدثنا الوليد بن مسلم به. فهذا الحديث حديث صحيح، وفيه إخبار النبي عليه الصلاة والسلام - وهو من علامات نبوته - أن عرى الإسلام تنتقض عروة عروة، كما جاء في حديث ابن الديلمي عن نبيه، كما ينتقض الحبل قوة قوة. وهذا الإسلام ينتقض عروة عروة، والعروة هي أحد الخرز في السلسلة، أو في العقد، أحد الخرز في العقد تسمى عروة. فالعقد إذا ذهبت عروة ذهبت التي بعدها، وهكذا حتى يذهب كلها، أو حتى تذهب كلها أي العرى. وهكذا هنا قال: «لينقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة». معنى ذلك: إذا بقيت الصلاة بقي الدين، وإذا ذهبت الصلاة ذهب الدين. وهذا المعنى تجدونه في الأحاديث، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام - كما في حديث عوف بن مالك - لما قال: يكون عليكم أمراء تحبونهم ويحبونكم - أو قال في رواية مسلم: حديث عوف: خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم - أي تدعون لهم ويدعون لكم - «وشرار أئمتكم الذين تلعنونهم ويلعنونكم، وتبغضونهم ويبغضونكم». فقالوا: أفلا ننابذهم بالسيف يا رسول الله؟ - أي هؤلاء الذين يبغضون - أفلا ننابذهم بالسيف يا رسول الله؟ قال: «لا، ما أقام فيكم الصلاة». وجاء في حديث ابن عباس قال: لما قال: «من رأى من أميره شيئا فليكره عمله، ولا ينزعن يدا من طاعة». فقالوا: أفلا ننابذه بالسيف يا رسول الله؟ قال: «لا، ما صلوا». فتبين أن الصلاة أو إقامة الصلاة هي الدين، إقامة الدين. فإذا ذهبت الصلاة ذهب الدين، فالذي لا يقيم الصلاة ليس بمسلم، والذي يمنع الصلاة ويحارب الصلاة ليس بمسلم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أقام فيكم الصلاة»، ولهذا يحمل حديث معاوية الذي في الصحيح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأمر في قريش ما أقام فيكم كتاب الله»، وقوله: «ما أقام فيكم كتاب الله» أي ما أقام الصلاة، ما أقام هذا الدين، وإقامة الدين. وفيه أيضا أن الحكم قد ينقض، وقد تذهب بعض أشياء كثيرة من أشياء الحكم، وليس معنى ذلك أنه ذهاب الإسلام. قال نبي صلى الله عليه وسلم: «ينقضن عرى الإسلام عروة عروة، وكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، أولهن نقضا الحكم». وهذا النقض قد يكون نقضا كليا، وقد يكون نقضا جزئيا، إما أنه كله ينقض، لكنه ليس في وقت واحد، وإنما يكون مجزأ. كلما جاء وقت، كلما ترك الناس شيئا من حكم الله، كما قال الله عز وجل في النصارى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا عَلَيْهِم مِّيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. فكلما تأخر عليهم الوقت نسوا. وهكذا هنا كلما تأخر الوقت جاء ناس ونقضوا أشياء من دين الله، وابتعدوا عن أشياء من دين الله، ومن ذلك ابتعادهم عن الحكم. والمراد بالحكم هنا أي الرجوع إلى حكم الله جل وعلا، سواء كان من الحاكم أو من المحكوم. وليس المراد تطبيق الحدود أو بعض الأشياء التي هي من الحكم التي حكم الله عز وجل بها. فالحكم هنا عام، أي كلما حكم الله عز وجل به، أي أن الناس يتناسون أحكاما كثيرة من أحكام الإسلام، أو من أحكام الإسلام لا يحكم بها، سواء كان في مجتمعاتهم - المجتمعات الكبيرة -، أو سواء كان في البيوت، في العوائل والأسر، أو سواء كان أيضا في المجتمعات التي تجتمع على شيء، مثل هذا المركز - يعني أنه يعتبر اجتماعا أيضا -، كذلك المدارس، المستشفيات، وغيرها من هذه الأمور التي تجتمع فيها الناس. فكذلك أيضا ينتقد فيها الحكم، وتتباعد فيها أيضا أمور الإسلام: «لينقضن عرى الإسلام عروة عروة». لكن هل معنى ذلك أن الإسلام كله يذهب؟ لا، لا يذهب الإسلام كله، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بطائفة منصورة قائمة على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم. لكن قد يكون في زمن، وأيضا هذا الزمن لا يكون في كل مكان، وإنما في بعض المواضع، وليس في كلها، كما ذكر ذلك ابن عبد البر والنووي وغيرهم، على أنه يقع درس الإسلام، أنه يدرس الإسلام، وكذلك تنتهي معالمه، لكنه ليس في كل الدنيا، وليس أيضا في كل زمان، وإنما في زمن، وكذلك في بعض المواضع. فيبقى بعض المواضع موجودة فيها الخير، وانتشار السنة، وكذلك انتشار دين الله جل وعلا، ومحافظة الناس على صلاتهم. ويكون في بعض الأماكن يتهاون الناس بالصلاة أولا، ثم حتى قد يتركوها. وأما الحكم إذا تركت الصلاة، فالحكم باب أولى. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة». فلهذا فنقض الحكم - كما قلنا - ليس معنى ذهاب الإسلام، لكن ذهاب الصلاة يعتبر ذهاب الإسلام؛ لأن آخر عروة من عرى الإسلام هي الصلاة، فإذا ذهبت ذهب الدين. وكما ذكرنا على حديث التي جاءت عن نبي عليه الصلاة والسلام في إقامة هذا الدين، وأن الدين لا يقوم إلا بالصلاة، فإذا ذهبت الصلاة فإنه يتغير الحكم. فمن لم يقم الصلاة فهو لا يعتبر مسلما، أو إذا وجد أنه ينتقد حكمه فإنه ينتقد. وفي هذا الحديث أيضا فيه دليل لأهل السنة على أنه لا يخرج إذا انتقض شيء من الحكم، وأن الإسلام باق. قد دلت الأدلة المتكاثرة عن النبي عليه الصلاة والسلام بعدم الخروج على إمام الظلم، مثل ما ذكرنا لحديث عوف بن مالك، وحديث ابن عباس، وغيرها من الأحاديث المتكاثرة التي ذكرها العلماء. وأكثر من جمع هذه الأحاديث في موضع واحد هو الإمام مسلم رحمه الله في كتاب الإمارة، جمع أحاديث النهي عن الخروج على إمام الظلمة. وقرر أهل السنة هذا المذهب، بل ذكروا إجماعا فيه. وقال الإمام أحمد: استقر أمر أهل السنة على عدم الخروج. وأما من ذكر كالظاهرية كابن حزم، وكذلك بعض من تشبع بفكر المعتزلة من الفقهاء، وكذلك بعضهم من الشيعة، رأوا أن الخروج على إمام الظلم جائز. واستدل ابن حزم بالنصوص التي فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذه ظاهرية مقيتة وخطأ. كيف يستدل بأمور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على عدم الخروج؟ فهذه النصوص خاصة - أي عدم الخروج على إمام الظلمة - خاصة في هذا الأمر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نصوص عامة. ولهذا كان الإمام أحمد يحذر من الفهم الخطأ لبعض الأحاديث، فكان ينهى عن انتشار بعض الأحاديث أو تحديث بها في كل مكان، مثل حديث عبد الله بن مسعود: «يكون فيكم خلفاء يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، من جاهدهم بيديه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان». فهم هذا الحديث جماعة من المعتزلة وغيرهم من فقهاء أيضا الذين تأثروا بالمعتزلة، فهموا من هذا جواز الخروج على إمام الظلمة بالسيف؛ لأنهم يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. وإنما هذا الحديث وجه إلى من بيده الحل والعلاج، أنه إذا كان هناك مثلا مجلس شورى يستطيعون إخراج هذا الظالم، فإنهم يخرجونه بأيديهم، أن يقوموا عليه ويخرجوه بدون أن تحصل هذه الفتن. وأما أن الحديث يوجه إلى الخروج فهذا خطأ، وإنما يوجه إلى أنه يخرجه أهل الشورى وأهل الحل والعقد. وهذا مثل حديث عبادة بن الصامت: «إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان». فهذا من حمله على كفر بواح حتى على الفسق، فإنه حمل الحديث على عدم المنازعة، وأن لا ننازع الأمر أهله حتى تروا كفرا بواحا. وهذا المنازع منه هم أهل الشورى وأهل الحل والعقد، فهم الذين يستطيعون نزع الحاكم إذا كانت هناك هيئة تستطيع نزع الحاكم، فإنه يجب عليها نزعه إذا كان ظالما فاسقا. وأما إن لم تكن هناك طائفة كذلك فلا يجوز الخروج حتى لا تحصل الفتن. وهذا أيضا مما نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، وفي حديث حذيفة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ليكونن أئمة فيكم يهتدون بغير هديي، ويستنون بغير سنتي، تعرفون منهم وتنكرون». قال: «وسيقوم فيهم أناس قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس». أي سيقوم على هؤلاء ويحدثون الفتن. فلهذا جاءت الأحاديث تبين أنه لا يجوز الخروج الذي يسبب الفوضى بين المسلمين، وأيضا كذلك يذهب بالجماعة المسلمين، ولا فائدة، فإنه كما قال الإمام أحمد رحمه الله، وذكر وقرره علماء السنة كشيخ الإسلام ابن تيمية، والنووي وغيرهم. فذكر الإمام أحمد أنه ما خرج أناس من أهل الإسلام إلا وساءت حالهم، أي حال أهل الإسلام، وما أحرزوا شيئا من الخير، وما أحرزوا تقدما في المصالح العامة، وإنما صار خروجهم بلية على أهل الإسلام، وفتن على أهل الإسلام، وذهب الدماء، ولم يتغير الحكم، وغالبا فإن الحكم أيضا يسوء. فالحكم يسوء. لهذا لما جاء إلى أنس - كما جاء في حديث زبير بن عدي في صحيح مسلم - يريدون الخروج على الحجاج، قال لهم: «اصبروا، فوالذي نفسي بيده، لا يأتيكم عام إلا والذي بعده شر منه»، سمعته من نبيكم عليه الصلاة والسلام. أي لا تخرجوا حتى لا تسيئوا، وستأتي عليكم أيام تندمون على هذا الخروج. ولهذا لما قالوا للحسن البصري - لما جاءه بعض الفقهاء واستشاروه في الخروج على الحجاج - قال: «والله ما أرى إلا ستحكمكم اليهود والنصارى». أي إذا أردتم الخروج على إمامكم ستتسلط عليكم اليهود والنصارى في أحكامكم، وكذلك في حكمكم. وهذا الذي حصل الآن، فتجد كلما خرج أقوام وأحدثوا فتنة في البلاد، تسلطت اليهود والنصارى على المسلمين، ويأتون وكأنهم مصلحون، لكنهم هم يفتنون هذا، وأيضا يثيرون الفتن بين المسلمين حتى تزداد. ولهذا تجد أنهم لا يحلون شيئا من المشاكل والفتن التي تحصل بين المسلمين. انظر إلى ليبيا، ما حلوا شيئا، بل لما دخلت القضية زادت الحروب. وانظر إلى اليمن أيضا كذلك زادت الحروب، واشتعلت الفتن، ومكّن للرافضة في شمال البلاد، وكذلك أيضا في جميع بلدان المسلمين، تجد ما يجدون حلا، وإنما يثيرون الفتن، لكنهم يدخلون على أنهم يصلحون، وعلى أنهم يريدون حلا سياسيا، وغيرها من هذه الأمور التي يذكرونها. وهذا كما قال الحسن: فإن هذا الخروج - قال - ما أرى إلا أنه سيحكمكم اليهود والنصارى - أي يتسلطون على المسلمين بسبب خروجهم على الحكام - فهذا ما يذكر في هذا المقام.