الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 513، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح فضل التبكير إلى صلاة الجمعة وتسجيل الملائكة لأجر المبكرين، حيث يكتب الله عز وجل أجرًا عظيمًا للغادي إلى المسجد. يتوقف تسجيل الملائكة عند صعود الخطيب المنبر.
يفسر الشيخ الساعات المذكورة في الحديث بأنها أوقات زمنية غير محددة، ويشرح اختلاف العلماء في تفسير الرواح وبداية الساعات التي يبدأ منها التبكير إلى الجمعة.
يكرم الله العبد الذي يذهب إلى المسجد بالأجر العظيم، ويتجلى هذا الإكرام بشكل خاص في يوم الجمعة حيث يحصل العبد على أجر كبير من الله سبحانه وتعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا زيد، وزيد هو ابن الحباب أبو الحسين العقيلي البصري، صاحب سفيان الثوري، قال: حدثنا حسين، وحسين هو ابن واقد المروزي، كان من عباد أهل مرو، فما سئل ابن المبارك عن الجماعة، قال حسين بن واقد وأبو حمزة السكري جماعة، قال: حدثنا أبو غالب، قال: حدثني أبو أمامة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «تقعد الملائكة على أبواب المساجد يوم الجمعة، فيكتبون الأول والثاني والثالثة، حتى إذا خرج الإمام رفعت الصحف». قال: هذا حديث حسن. وشيخ الإمام أحمد زيد هو ابن الحباب، وحسين هو ابن واقد. هذا الحديث يخبر، أو فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام يخبر أن الملائكة تقعد على أبواب المساجد يوم الجمعة، فيكتبون الأول والثاني والثالثة، أي من يأتي يكتبونه، هذا جاء الأول، هذا جاء الثاني، أنا في درجاتهم. وجاء حديث مختلف فيه أن الناس في الجنة على قدر رواحهم إلى الجمعة. وأيضًا هذا الحديث قد جاء معناه في الصحيحين في حديث أبي هريرة، وأن الملائكة تكتب من يأتي إلى المسجد، حتى إذا طلع الخطيب طوت الملائكة الصحف، وجلست تستمع الذكر، فالذي يأتي والخطيب يخطب لا يتحصل على شيء من هذه الكتابة. وأيضًا كذلك جاء في حديث أبي هريرة أيضًا كتابة الأجر العظيم، كلما كان راحلًا مبكرًا، فجاء في الحديث أن من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، وعن ذبح بدنة لله، قرب إبلًا، البدنة هي الإبل، وغالبًا البدنة هي التي تنسك في الهدي تسمى بدنة، فقرب بدنة قربها لله عز وجل، وكأنه قربها في الحج في الهدي، وهذا أجره عظيم عند الله. ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، وهذا التقرب كله له أجر عند الله. ومن راح في الساعة السادسة فكأنما قرب بيضة. ثم بعد ذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فإذا صعد الخطيب طويت الملائكة الصحف»، وقال أيضًا: «أن الملائكة تكتب الناس، فإذا طلع الخطيب أو صعد الخطيب طوت الملائكة الصحف وجلست تستمع الذكر». وهذه الساعات التي ذكرت في الحديث ليست الساعات المعروفة 24، معنى الساعة التي هي 60 دقيقة، وإنما الساعة هي زمن أو هي وقت من الزمن لم يقدر عند العرب، لكنه وقت يسير. وبعض العلم حسبها بهذه الساعات المعروفة الآن، معنى 60 دقيقة، لكن هذا من باب التقريب. ولهذا أيضًا اختلفوا في الرواح، هل الرواح يكون بعد الزوال كما يقوله مالك رحمه الله، أم أن الرواح يكون قبل؟ كذلك في لغة العرب أن الرواح يكون بعد الزوال، لكن هنا راحة لم يقصد بها الرواح، وإنما يقصد بها الذهاب، من راح أي من ذهب. ويؤيد ذلك معنى الحديث: من راح أي من ذهب في الساعة الأولى، ويؤيد ذلك أيضًا ما جاء في فضل التبكير إلى الجمعة. وإذا كان سيأتي إلى الرواح، فهذا ليس فيه تبكير، لأن الرواح بعد الزوال، أنا بعد دخول الوقت. فأخذ الإمام مالك رحمه الله بظاهر الحديث، وأخذ الشافعي وأحمد بمعنى الحديث، وهو الأصوب، وتؤيده الأدلة. واختلف من متى يبدأ الرواح، هل يبدأ من الفجر فجر يوم الجمعة، أم يبدأ من طلوع الشمس؟ فبعضهم يقول هذا، وبعضهم يقول هذا، بل بعضهم يقول: حتى من السحر، قد كان الصحابة يخرجون، الصحابة والسلف يخرجون يوم ليلة الجمعة قبل الفجر، يخرجون بالفوانيص، يبكرون للجمعة. ولكن الظاهر الذي اختاره لما بالقيم وغيره: أنها تبدأ بعد طلوع الشمس، تبدأ هذه الساعات بعد طلوع الشمس. ولا بأس أن الإنسان كلما بكر وجلس فهو في أجر عظيم. وعدها بعض العلم بالساعات المعروفة عند العرب: أول ساعة الغدوة، ثم بعدها السفر عندما يصفر الضوء، وثم بعدها الشروق، ثم بعدها الضحى، ثم بعدها الاستواء، ثم الزوال، وقيل غير ذلك. فأيضًا كما قلنا: أنها قد جاءت الأحاديث بالتبكير، ومن ذلك حديث أوس بن أوس الذي يخرجه أحمد، أبو داود، النسائي والترمذي: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من بكر وابتكر، وغسل واغتسل، ودنا من الإمام وأنصت، كان له بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها». فهذا الحديث فيه استحباب التبكير، وأن له أجر عظيم عند الله، والحديث حسن. وأوس بن أوس يعتبر من صغار الصحابة الذين أحاديثهم تعتبر من مراسيل الصحابة المقبولة عند جميع العلماء إلا من شدد، فحديثه صحيح، وفيه استحباب التبكير ليوم الجمعة. وهذا أيضًا يؤيد كما قلنا: أن الساعات هذه قبل الرواح، وأن الرواح في هذا الحديث ليس المقصود به الرواح الذي هو في اللغة، وإنما من أراد به الذهاب. وهذا أيضًا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له منزلا كلما غدا أو راح». من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له نزلا كلما غدا أو راح. فهنا أيضًا الرواح والغدو ليس المراد به الساعة المعروفة، الغدو بعد الفجر والرواح بعد الظهر، لكن هنا ليس المقصود هذا، وإنما المقصود كل ذهاب وإتيان، كل ذهاب وإتيان، فإن الله عز وجل يضع لهذا الغادي نزلا. والنزل هو ما يكرم به الضيف، ما يكرم به الضيف، أعد الله له نزلا كلما غدا أو راح. فالغادي هنا المراد به الذاهب، كل الناس يغدو، كما في حديث أبي مالك الأشعري في صحيح مسلم: «كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها». يغدو أن يذهب، فلهذا فالمراد هنا في هذه الأحاديث ليس الرواح الذي هو بعد الزوال، وإنما هو التبكير والذهاب. فمن بكر يوم الجمعة يعطيه الله عز وجل أجر تبكيره، حتى أن الملائكة كما في هذا الحديث تكتب الأول فالأول. وكذلك جاء في حديث أبي هريرة: يكتبون الأول الذي يدخل المسجد والثاني والثالث، وهكذا. وهذا لا شك أن له فضيلة وميزة عند الله عز وجل. وأيضًا كذلك يعد الله عز وجل النزل والخيرات عنده سبحانه وتعالى. وأيضًا يعطيه من الحسنات العظيمة في كل خطوة ألف حسنة، كل خطوة يخطوها ألف حسنة. وكلما كان بيته بعيدًا كان أجره أعظم. ولهذا لما في صحيح مسلم في حديث جابر: لما أراد بنو سلمة أن يقربوا بيوتهم من المسجد، فسمع بذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم». يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم. وفي صحيح مسلم في حديث أبي بن كعب رضي الله عنه: أن رجلًا كان أبعد الناس بيتًا من المسجد، فكان يأتي المسجد يمشي ويرجع مشيًا، فقيل له: يا فلان، ألا ركبت حمارًا أو شيئًا يوصلك إلى المسجد؟ فقال: إني أحب أن يكتب الله عز وجل لي ذهابي ورجوعي. فقال لما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك: «أقول له: إن الله قد جمع لك ذلك كله». إن الله قد جمع لك ذلك كله، ذهابك ورجوعك، حتى الرجوع يكتب عند الله. فكذلك أيضًا كل من جاء إلى المسجد، فإن الله عز وجل يعطيه جوائز عظيمة، أولًا أنه له النزل، له الضيافة. بل جاء عند أحمد: أن الله عز وجل يتبشبش للغادي إلى المسجد، كما يتبشبش المضيف لضيفه. وهذا إكرام من رب العالمين سبحانه وتعالى، يكرم العبد الذي يأتي إلى المسجد، يكرمه بهذا التبشبش العظيم والنزل والأجر. وكذلك إذا كان يوم الجمعة، فهو يوم الرواح العظيم الذي يتحصل فيه العبد على الأجر من الله سبحانه وتعالى. هذا بعض ما يذكر بهذا الحديث، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.