الدرس في كتاب الإيمان 17، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يروي قصة وفاة أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم ومحاولة النبي دعوته للإسلام، لكن دون جدوى بسبب أبي جهل وعبد الله بن أبي أمية. يبين الحديث جواز زيارة الكافر لدعوته.
يناقش أهمية الصحبة الصالحة ودورها في تشكيل دين الإنسان وأخلاقه، ويحذر من خطورة الصحبة السيئة مستشهدًا بقصة أبي طالب. يؤكد على تأثير الصحبة في لحظات احتضار الإنسان.
يشرح أهمية تلقين المحتضر الشهادة كدليل على استقامة الإنسان، ويناقش حكم الاستغفار للكافر مستدلًا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية، ويبين عدم جواز الاستغفار حتى للأقرباء الكافرين.
يتوجه لله سبحانه وتعالى بالتسلّيم لأمره، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، معبرًا عن التوجه الدعوي والإيماني في الختام.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم ابن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه، في كتاب الإيمان: وحدثني حرملة بن يحيى التوجيبي، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب عن أبيه، وهو المسيب بن حزن، قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية ابن المغيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فأنزل الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، وأنزل الله تعالى في أبي طالب، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. هذا الحديث فيه أن أبا طالب، واسمه عبد مناف، وهو عم النبي عليه الصلاة والسلام، وكان ممن حمى النبي عليه الصلاة والسلام، ودافع عنه، ومنع المشركين أن يصلوا إليه بسوء أو يصيبوه بشر، وهو على دينه، على الكفر والشرك، إلى أن الله عز وجل سخره لحماية نبيه. ولما كان لأبي طالب من منزلة وشرف، ما استطاع أحد من المشركين أن يصل إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فلما حضرت أبا طالب الوفاة، ومعنى حضرت الوفاة، أي قربت وفاته، ووجدت دلائل الموت، يعني اشتد عليه المرض والوجع، وظهرت دلائل الموت، جاءه النبي عليه الصلاة والسلام يرجو هدايته، وأن يسلم فينجو من عذاب الله جل وعلا. فلما أتاه النبي عليه الصلاة والسلام، وجد عنده أبا جهل، وهو عمر بن هشام، رأس من رؤوس الكفر والشرك، وعبد الله بن أبي أمية من المغيرة، وهو كذلك أيضا من رؤوس الكفر، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله. طلب النبي عليه الصلاة والسلام منه أن يقول هذه الكلمة، وأن يشهد بشهادة التوحيد، حتى إذا قالها ونطقها ومات بعد ذلك، سيكون مات على قول لا إله إلا الله. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة»، كما سيأتي معنى في الأحاديث التي بعد هذا الحديث، يكون للنبي عليه الصلاة والسلام حجة يحتج بها، ويشفع له عند الله جل وعلا. فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ يعني هل تترك دين آبائك وأجدادك؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، يعني يعرض عليه كلمة التوحيد أن يقول لا إله إلا الله، ويعيد له تلك المقالة، ويعيد له تلك المقالة، يعني أنه على ملة عبد المطلب. وفي بعض الروايات أنهما، أي أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، كانا يعيدان على أبي طالب هذه المقالة: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ قال: حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، ما لم يأتي نهي ينهاني عن الاستغفار لك، وإلا فسأستغفر لك. فأنزل الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. وأنزل في أبي طالب أيضا للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. هذا الحديث فيه فوائد متعددة، منها جواز زيارة الكافر لأجل دعوته إلى الإسلام. فالنبي عليه الصلاة والسلام زار أبا طالب عند حضور الموت، رجاء إسلامه، يريد أن يقول لا إله إلا الله. فإذا كان يرجى من الكافر أن يسلم، فيجوز أن يزوره المسلم ليدعوه إلى الإسلام. ومثل ذلك زيارة النبي عليه الصلاة والسلام لذاك الغلام اليهودي الذي كان في حال مرض أو عند احتضاره. وهذا يدلنا على أن الداعية إلى الله عز وجل الصادق المخلص يحرص على هداية الناس، يحرص على هداية الناس وإيصال الخير لهم، وأن يبين لهم السبل التي بها ينجون من عذاب الله ويفوزون بنعيم الله سبحانه وتعالى، سواء كان المدعو مسلما أو كافرا. فإذا كان الكافر يجوز زيارته لدعوته إلى الإسلام، وأن يدعى بالكلمة الطيبة والتي هي أحسن، فالمسلم من باب أولى. والله عز وجل يقول: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. وقوله: «لما حضرت أبا طالب الوفاة»، قلنا هذا عند اشتداد المرض وظهور علامات الموت، قبل أن تصل الروح إلى الحلقوم، وأن يصل العبد لحال الغرغرة. فإذا وصل إلى هذا الحال، فإن التوبة لا تنفعه، يعني إذا أراد الإنسان أن يتوب وهو في سكرات الموت، وقد بلغت الروح إلى الحلقوم، هنا ما ينفعه. قال الله عز وجل: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾. حضر أحدهم الموت، يعني في حال غرغرته ووصول الروح إلى الحلقوم، هذا ما ينفعه التوبة. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «يقبل الله توبة العبد ما لم يغرغر»، ما لم يغرغر. أما قبل ذلك، ولو كان على فراش الموت، ولو كان على فراش الموت، قبل أن يموت، إذا تاب أو أسلم، وكان كافرا، فإنه تقبل منه التوبة، ويقبل منه الإسلام، يقبل منه الإسلام في مثل هذه اللحظة. والدليل هذا الحديث، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له: قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله. وأحاديث كثيرة بقصة أسامة بن زيد، لما قتل الرجل المشرك الذي قال لا إله إلا الله، عاتبه النبي عليه الصلاة والسلام، وقبل قوله عليه الصلاة والسلام: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة». ويرى ذلك من الأدلة. وكذلك أيضا زيارة النبي عليه الصلاة والسلام له في حال الاحتضار، هذا أيضا يفيد أن زيارة الإنسان في حال مرضه، واستغلال الحالة التي هو عليها من المرض، مما ربما يرجى به هدايته، لأن الإنسان إذا مرض يضعف وينكسر ويذل، ربما إذا كان عنده شيء من الفسق أو التجبر، أو شيء من المعاصي، إذا مرض واشتد عليه المرض، يكون عنده شيء من الذلة، فهذه تستغل، ربما إذا نصح وذكر بالله ينتفع بذلك، فيستغل مثل هذا الحال الذي يصل به هذا الإنسان في حال مرضه، في دعوته إلى الله سبحانه وتعالى. قال: فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية، النبي عليه الصلاة والسلام لما زار أبا طالب، وجد عنده هذان الرجلان من المشركين، وجد هذين الرجلين من المشركين، وجد أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية، فكان سببا في منع أبي طالب من دخول الإسلام. وهذا أيضا يدلنا على خطورة الصحبة، إذا كانت صحبة سيئة، فإنها تضر بصاحبها، حتى في مثل هذه الحال، عند الموت والاحتضار. فالنبي عليه الصلاة والسلام يعرض له كلمة التوحيد، وأذان يصدانه عنها: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فما زال به حتى أبى أن يقول لا إله إلا الله، ومات على الكفر. فلذلك حثت الشريعة على صحبة الأخيار وأهل الصلاح والخير، لأنهم يعينوك على طاعة الله، وكذلك ينصحوك إن رأوا منك خطأ أو زلة، وإن رأوا منك خيرا، فإنهم يزيدون في همتك. ولهذا الله عز وجل يقول: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، خلتهم وصحبتهم تستمر، لا تكون بينهم عداوة، بخلاف من كانت خلته وصحبته من أجل الدنيا، من أجل المعاصي والذنوب، فهذه تنقلب عداوة. الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين. وهكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالط، من يصاحب»، فسيكون دينه وأخلاقه وعقيدته كحال الذي يصاحبه، كحال الذي يصاحبه. فإن صاحب مثلا من كان سنيا مستقيما، سيكون عقيدته ومنهجه مثله. ومن صاحب مبتدعا منحرفا، سيكون مثله. ومن صاحب فاسقا فاجرا عاصيا، فسيكون مثله، سيتأثر به. لا يقول: أنا ما سأتابعه، أنا الحمد لله أحافظ على الصلاة وأحافظ على الواجبات. وما تمر الأيام إلا وتكون مثله. شيء تام. «أبيت المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالط»، هذا أمر خطير جدا، ينبغي الانتباه له، لا يتساهل فيه الإنسان، يصاحب من يرى عنده شيء من الشر والسوء، ويتساهل فيه صحبته، فما يدري إلا وهو ينجرف معه. يبقى في أول الأمر يرجع ويقدم، كما يقال: قدما ويؤخر قدما، ثم إذ بقدمه تغوص، فلا تستطيع أن ترجع. لا تستطيع أن ترجع، ويتأثر بصاحبه، بأخلاقه ومما هو عليه. حال من يقع في المعاص، كحال من دخل البحر، فهو عند أول دخوله يجد قوة، يجد أنه يستطيع أن يرجع متى شاء. وكلما دخل، كلما ضعفت قوته، وكلما دخل ازداد الضعفا، حتى يغرق، فلا يستطيع أن يخرج. وكذا حال من يتدرج في المعاصي. في أول الأمر يقول: سأرجع، أو يقول: سأنكر إذا رأيت منه شيء، سأنكر عليه، وهكذا شيئا فشيئا، حتى يسقط. نعم إذا صحبت القوم فاصحب خيارهم، ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي، احرص على صحبة أهل الخير. فالصحبة لها أثر عظيم، لها أثر عظيم في استقامة الإنسان، وفي انحرافه، في استقامته وبانحرافه. من رأيت أنه عنده شيء من المعاصي، ينصح، إن لم ينتصح تركته، ما تجالسه، ما تجالسه. بل ينبغي أن تبتعد منه، بل وتحذر غيرك من الجلوس معه، هذا من باب النصيحة، من باب النصيحة. إذا لم ينتصح، فإنه يترك، ويحذر من الجلوس معه، حتى لا يتأثر به أحد. فانظروا أبا طالب، وهو في آخر حياته، النبي عليه الصلاة والسلام يقول له: قل لا إله إلا الله، وهما يقولان له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ تترك دين آبائك وأجدادك؟ النبي صلى الله عليه وسلم يحاول أن يكون سببا في هدايته، وهما ماذا يريدان؟ أن يبقى على دينه، على ملته، حتى بقي عليها، ومات على الكفر. وفيه كذلك أيضا أن من حضر إنسانا في حال الموت، يلقنه الشهادة: قل لا إله إلا الله. وقد جاء بذلك الأمر في صحيح سعيد، قال عليه الصلاة والسلام: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله». إذا حضرت إنسانا في حال الموت، تلقنه كلمة التوحيد، تقول: قل لا إله إلا الله، حتى يكون آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله. ثم النطق بها توفيق من الله سبحانه وتعالى. كم من الناس من ربما يقال له: قل لا إله إلا الله، فلا يستطيع أن ينطق بها، ما يستطيع. يريد أن ينطقها، فيثقل لسانه، يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فهذا توفيق من الله عز وجل. لكن له أسباب، فكون الإنسان في حال حياته، وفي حال صحته، على استقامة وعلى خير وعلى عمل صالح، هذا يوفق للنطق بكلمة التوحيد. وأما من كان على فسق وفجور ومعاصي وترك الواجبات، وتكاب المحرمات، في الغالب ما يوفق، ما يوفق أن ينطق بها. وفيها أيضا أن الكافر إذا نطق بلا إله إلا الله، فإنه يكون بذلك مسلما، يكون بذلك مسلما، إذا نطق بكلمة التوحيد، بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإنه يكون بذلك مسلما. وفيه أيضا أن من مات على الكفر والشرك، لا يجوز الاستغفار له، ولو كان من أقرب الناس إليك، ولو كان من أقرب الناس إليك، ولو كان أبوك مثلا، أو أمك، ماتت على الكفر، ومات على الكفر، لا يجوز أن يستغفر له. النبي عليه الصلاة والسلام يقول، كما بالصحيح: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي، فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها، فأذن لي، فزوروا القبور، فإنها تذكركم الآخرة». فالله عز وجل نهى نبيه عليه الصلاة والسلام، فهو من أظهر الأنبياء والرسل، وخير هذه الأمة، أن يستغفر لأمه، وكان حريصا عليه الصلاة والسلام أن يستغفر لها، لكن الله عز وجل حرم ذلك. ولما استغفر لأبي طالب، أنزل الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، يعني ولو كانوا ماذا؟ من أقربائهم، من بينه وبينهم قرابة. نعم: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، يعني أنهم من أهل النار. كيف يتبين لهم ذلك؟ إذا مات على الكفر، الكافر مصيره إلى النار، مصيره إلى النار. وهذه الآية فيها دليل على أن أبا طالب مات كافرا، وأنه من أهل النار، لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. وهذه آية نزلت في أبي طالب. وفي الصحيحين، النبي عليه الصلاة والسلام سأله العباس عمه: ماذا أغنيت عن عمك؟ فإنه كان يحوطك وينصرك. ماذا أغنيت عنه؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار». وهذا دليل صريح، لأن أبا طالب في النار، وأنه مات على الكفر، خلافا لما يزعمه بعض المتصوفة، الذين ينكرون كفر أبي طالب، ويقولون: لا، مات مسلما. ربما يأتون ببعض الروايات الموضوعة. وهكذا أيضا في أبوي النبي عليه الصلاة والسلام، أن الله أحياهما، فنطقا بشهادة التوحيد، إلى آخر ذلك. والأدلة الصحيحة الصريحة، كما نرى، تدل على أنهم ماتوا على الكفر. وهكذا مات أبو طالب على الكفر. والنبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: حين سأله: أين أبي؟ قال: «في النار». فلما ولّى، قال: «دعا النبي عليه الصلاة والسلام فقال: إن أبي وأباك في النار»، «إن أبي وأباك في النار». والحديث بالصحيح. وكذلك أيضا فيه أن مهما أحرص الإنسان على هداية أحد من الناس، ولم يرد الله عز وجل له الهداية، فلا يستطيع أن يهديه، ما يستطيع أن يهديه. ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، لا تهدي من أحببت، يعني أحببته لقرابته مثلا، كحال أبي طالب، لكونه عمه، أو من أحببت هدايته. ولكن الله يهدي من يشاء، وهو أعلم بالمهتدين، أي بمن قدر الله عز وجل له الهداية، وأن يكون من أهلها. وهل تعارض هذه الآية قول الله عز وجل: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؟ هذه الآية فيها إثبات الهداية للنبي عليه الصلاة والسلام، وأنه يهدي إلى صراط مستقيم. وفي هذه الآية فيها نفي الهداية: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. الجمع بين الآيتين: أن قوله جل وعلا: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، هنا إثبات الهداية، يراد بها هداية الإرشاد والدلالة، تهدي بمعنى تدل وترشد إلى الصراط المستقيم. وهذه الآية التي فيها نفي الهداية، يراد بها هداية التوفيق: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، أي لا توفق من أحببته إلى أن يهتدي، حتى يكون من أهل الجنة، وأن ينجو من النار. فالهداية المثبتة هداية الدلالة والإرشاد، والهداية المنفية هداية التوفيق. وبهذا يعلم المسلم والداعي إلى الله عز وجل وطالب العلم، أن الهداية بيد الله جل وعلا، وهو لا يستطيع أن يهدي أحدا إلا إذا أراد الله عز وجل هدايته. لكن عليك البلاغ، والنصح، وما على الرسول إلا البلاغ المبين. نعم، عليك البلاغ، والهداية بيد الله، والأمر بيد الله سبحانه وتعالى، يهدي جل وعلا من يشاء فضلا، ويضل من يشاء عدلا. والأمر أولا وآخرا لله سبحانه وتعالى. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.