كتاب الإيمان 16

كتاب الإيمان 16

الدرس في كتاب الإيمان 16، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهمية نطق الشهادتين في الإسلام

النطق بالشهادتين يكف عن قتال الكافر ويجعله مسلمًا، مع التشديد على أهمية التوحيد والاستسلام لله. هذا مبني على حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أصناف الكفار المعفيين من القتل

يستثنى من الكفار ثلاثة أصناف: الذمي، والمعاهد، والمستأمن، لما لهم من عهود أو أمان أو دفع جزية، ولا يجوز الاعتداء عليهم أو سفك دمائهم.

شروط إعفاء الدماء والأموال

حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حول قتال الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا به وبما جاء به، يبين الشروط التي إذا فعلها الناس عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها.

الرواة من الصحابة وختام الروايات

ذكر أربعة من الصحابة في الروايات المذكورة، مع ختام بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مما يدل على أهمية التمسك بالسنة النبوية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه في كتاب الإيمان: حدثنا أبو الطاهر وهو أحمد بن عمر، وحرملة بن يحيى، وأحمد بن عيسى. قال أحمد: حدثنا، وقال الآخران: أخبرنا ابن وهب، وهو عبد الله. ماذا تسمى رواية هؤلاء الثلاثة عن ابن وهب؟ رواية هؤلاء الثلاثة عن ابن وهب تسمى متابعة تامة؛ لأنها متابعة في الرواية عن الشيخ الواحد، وهو ابن وهب. قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، ومحمد بن مسلم. قال: حدثني سعيد بن المسيب، وهو من أئمة التابعين، أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله». ومر معنا الكلام على معنى هذا الحديث في الكلام على حديث أبي هريرة السابق في الدرس الماضي. وذكرنا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله». وقلنا: إن الكافر إذا نطق بالشهادتين كف عنه، ويكون بذلك دخل في الإسلام. ولا يدخل في الإسلام بغير النطق بالشهادتين. فإذا نطق بهما وتكلم بهما وجب الكف عنه. ولهذا أنكر النبي عليه الصلاة والسلام على أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما لما قتل ذاك الكافر الذي شهد أن لا إله إلا الله. وقال أسامة: إنما قالها اتقاء من السيف. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أشققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟». وعتبه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: «كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟». وشدد عليه النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا يدل على أن الكافر إذا نطق بالشهادتين صار معصوم الدم ابتداء. ثم بعد ذلك ينظر في أمره: هل يأتي ببقية الفرائض والواجبات، أو هل يأتي بما ينقض هذه الكلمة؟ هذا أمر آخر. لكن ابتداء يجب الكف عنه، ويكون بنطقه للشهادتين مسلمًا. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» دليل على أنه يجب على كل عبد أن يشهد لله جل وعلا بشهادة التوحيد، وأن يكون مسلمًا لله. يجب على كل عبد أن يكون مسلمًا. فإن لم يكن مسلمًا فهو غير معصوم الدم، إلا من استثناه الشرع. أما كونه يقاتل الكافر حتى يشهد أن لا إله إلا الله، فهذا هو الأصل أنه يجب على كل عبد في هذه الأرض أن يكون عبدًا لله، وأن يكون موحدًا لله ومسلمًا لله. إن الدين عند الله الإسلام، ومن يبتغي غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين. ثم بعد ذلك يستثنى من بعض الكفار. فقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس» هذا العموم له استثناء دلت عليه الأدلة. وممن يستثنى من هذا القتل من الكفار ثلاثة أو أربعة: الذمي، والمستأمن، والمعاهد. هؤلاء ثلاثة أصناف من الكفار، ومع ذلك لا يجوز للمسلم أن يعتدي عليهم، وأن يسفك دماءهم. أما الذمي، فهو الكافر الذي يكون تحت حكم الإسلام، ويدفع الجزية للمسلمين في كل سنة، ويبقى على دينه، إلا أنه لا يظهر شيئًا من شعائر دينه ظاهرا. وله أحكام كثيرة ذكرها العلماء في كتب الفقه. وألف ابن القيم رحمه الله مؤلفًا خاصًا في ذلك، سمه «أحكام أهل الذمة». هذا يسمى ذميًا، كاليهودي والنصراني، يبقى على ملته تحت حكم الإسلام، ويدفع الجزية. ومع ذلك لا يجوز الاعتداء عليه، ولا يجوز قتله إلا إذا أتى بما يوجب قتله. ودليل ذلك قول الله عز وجل: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾. فإذا دفعوا الجزية كف عنهم. والنوع الثاني من الكفار: المعاهد، الذي بينه وبين دولة الإسلام عهد. هذه الدولة الكافرة مثلًا بينها وبين دولة الإسلام عهد بترك القتال، أو يكون بينهم صلح كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام مع المشركين بصلح الحديبية. صالح المشركين على ترك القتال عشر سنين، واختلط المسلمون بالمشركين والكفار، وكان بذلك مصلحة، وانتشر الإسلام، وتعرف كثير من الكفار على الإسلام. حتى نقض المشركون العهد، فقاتلهم النبي عليه الصلاة والسلام وفتح مكة. هذا الكافر المعاهد لا يجوز الاعتداء عليه، مع أنه كافر، لكن له عهد. قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر في الصحيحين: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة». وذم شديد. والمستأمن هو الذي يدخل إلى بلاد الإسلام بأمان، يدخل بأمان سواء من جهة الدولة أو من بعض المؤسسات، كبعض العمال الذين يأتون إلى بلاد الإسلام لعمل من الأعمال. ولو كذلك أمنه أحد المسلمين، لا يجوز الاعتداء عليه. والله عز وجل يقول: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم». يعني إذا أمن أحد من المسلمين رجلًا من الكفار، سرت هذه الذمة على سائر المسلمين، ولم يجز لأحد منهم أن يعتدي عليه. هؤلاء الثلاثة لا يجوز الاعتداء عليهم، ولا سفك دمائهم. يبقى القسم الرابع، وهو الكافر الحربي، هذا ليس له مأمن، دمه غير معصوم. الكافر الحربي الذي ليس له عهد ولا ذمة ولا أمان. إذن قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس» هذا العموم في قوله «الناس» مخصوص بمن سمعنا ممن خصهم الشرع بالكافر: الذمي، والمعاهد، والمستأمن. حتى يقول: لا إله إلا الله. فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه. قال: حدثنا أحمد بن عبد الله الضبي. قال: أخبرنا عبد العزيز -يعني الدراوردي- عن العلاء. قال: وحدثنا أمية بن بسطام، واللفظ له. قال: حدثنا يزيد بن زريع. قال: حدثنا روح عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله». هذه الرواية فيها زيادة على الرواية التي قبلها: الإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام وبما جاء به. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. قال: حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش -وهو سليمان بن مهران أبو محمد الكوفي- عن أبي سفيان، عن جابر، وعن أبي صالح، عن أبي هريرة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس» بمثل حديث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. قال: حدثنا وكيع بن الجراح. قال: وحدثنا محمد بن المثنى أبو موسى العنزي. قال: حدثنا عبد الرحمن -يعني ابن مهدي- إمام من أئمة الجرح والتعديل. قالوا جميعًا: حدثنا سفيان عن أبي الزبير -وهو محمد بن تدرس، وهو مدلس- عن جابر. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فإذا قالوا: لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله». ثم قرأ: ﴿إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر﴾. وهذه الرواية فيها زيادة: ذكر هذه الآية ﴿إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر﴾. يعني ما عليك إلا أن تعظ وتذكر، وليس عليك سلطان، ولست عليهم بمسيطر، أي بجبار. كما قيل في تفسير قوله جل وعلا: ﴿بمسيطر﴾. قال: وحدثنا أبو غسان المسمعي -وهو مالك بن عبد الواحد-. قال: حدثنا عبد الملك بن الصباح عن شعبة عن واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله». قال: وحدثنا سويد بن سعيد، وابن أبي عمر. قالا: حدثنا مروان -يعني الفزاري- عن أبي مالك، عن أبيه. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله». هذه الرواية فيها زيادة على ما تقدم: الكفر بما يعبد من دون الله. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. قال: حدثنا أبو خالد الأحمر. قال: وحدثنا زهير بن حرب. قال: حدثنا يزيد بن هارون. كلاهما عن أبي مالك، عن أبيه. أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من وحد الله» -بمعنى: شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وكفر بما يعبد من دون الله-. وبهذا انتهينا من ذكر روايات هذا الحديث: أبو هريرة، وجابر، وابن عمر، وأبو مالك. أربعة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في هذه الروايات. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.