الدرس في كتاب الإيمان 48، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
حب الأنصار يعتبر من علامات الإيمان وبغضهم من علامات النفاق، لأنهم ناصروا النبي عليه الصلاة والسلام. هذا الحب دليل على الإيمان لأنهم حملوا الخير والإيمان.
الأنصار مدحهم الله عز وجل في كتابه وأثنى عليهم، وحبهم واجب على كل مسلم. هم أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام الذين آووه ونصروه.
حب علي بن أبي طالب وأهل البيت من الإيمان وبغضهم من النفاق. أهل السنة والجماعة يحبونهم دون إفراط أو تفريط، وقد استُدل على ذلك بخمسة أحاديث نبوية شريفة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم في صحيحه، بكتاب الإيمان: حدثنا محمد بن المثنى، أبو موسى العنزي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن عبد الله بن جبر، قال: سمعت أنسا، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آية المنافق بغض الأنصار، وآية الإيمان حب الأنصار». حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي، قال: حدثنا خالد بن يزيد الحارث، قال: حدثنا شعبة، عن عبد الله بن عبد الله، عن أنس. عبد الله بن عبد الله، ما اسمه؟ جده، محمد اسمه جبر، المذكور في السند الذي قبل هذا، قال: عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «حب الأنصار آية الإيمان، وبغضهم آية النفاق». قال: وحدثني زهير بن حرب، قال: حدثني معاذ بن معاذ، قال: حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، قال: سمعت البراء يحدث، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال في الأنصار: «لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله». قال شعبة: قلت لعدي: سمعته من البراء؟ قال: إياي حدث. يعني حدثني به. هذان الحديثان، وسيأتي أيضا نحوه من حديث أبي هريرة وأبي سعيد، فيها فضيلة للأنصار، رضي الله تعالى عنهم، وأن حبهم من الإيمان، وبغضهم من النفاق. جعل النبي عليه الصلاة والسلام حب الأنصار من آيات الإيمان، أي علامات الإيمان، وبغض الأنصار من علامات النفاق. قال: «آية المنافق بغض الأنصار، وآية المؤمن حب الأنصار». الأنصار هم أهل المدينة الذين ناصروا النبي عليه الصلاة والسلام، وبايعوه بيعت العقبة الأولى على أن يناصروه، وأن يحموه، وأن يمنعوه مما يمنعون أنفسهم وأهليهم، إن أتى إليهم عليه الصلاة والسلام. فانتشر الإسلام في المدينة، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إليهم، إلى بلادهم، ثم هاجر عليه الصلاة والسلام بنفسه، وأسس دولة الإسلام في المدينة، فكان لهم فضل عظيم في حماية النبي عليه الصلاة والسلام، وفي نصرة هذا الدين، والجهاد مع النبي عليه الصلاة والسلام، وبذل أرواحهم وأموالهم وأنفسهم في الدفاع عن هذا الدين، وعن النبي عليه الصلاة والسلام، فأحبهم النبي عليه الصلاة والسلام، وجعل حبهم من علامات الإيمان؛ لأن المؤمن لا يبغض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وأهل الإيمان لا يبغضهم إلا منافق. لماذا يبغضهم؟ هم على هذا الخير، وعلى هذا الإيمان، وهذا التقى، وهذا الصلاح، جاهدوا مع النبي عليه الصلاة والسلام، ونصروا، وحموه، وأيدوه، وجاهدوا في الله عز وجل، وبذلوا أرواحهم وأنفسهم وأموالهم. ما يبغضهم إلا لبغض ما يحملون من هذا الدين، لا يبغضهم إلا لبغض ما يحملون من هذا الدين، فهذا دليل على نفاقه، دليل على نفاقه. وإذا أحبهم، دل على إيمانه؛ لأنه يحبهم لما عندهم من الخير والإيمان، ولمحبتهم للنبي عليه الصلاة والسلام، ومحبتهم لدين الإسلام. فكان حبه للأنصار دليل على إيمانه، «لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق». والله عز وجل قد أثنى عليهم في كتابه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، وقال جل وعلا: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. هذا مدح وثناء من الله عز وجل للأنصار، ﴿تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾، الدار: أي المدينة، هم أهلها وسكانها من الأوس والخزرج، وآمنوا قبل كثير ممن آمن من أهل مكة، ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾: أي من إخوانهم المهاجرين ممن هاجر من مكة إليهم، ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾: يعطونهم مما أعطاهم الله، ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾: يعني لو كان بهم حاجة، فيقدمونهم على أنفسهم، ضربوا رضي الله عنهم أروع الأمثلة في الإيثار والإخاء. آخى النبي عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين والأنصار، فكان الأنصاري ربما يعطي للمهاجري، ربما ما يقتسم ماله، إن كان عنده بستان أو بستانين أعطاه أحدهما، وربما عزم على تطليق إحدى زوجتيه حتى يتزوجها المهاجري، وكانوا يرثون بهذه الأخوة، يرث أحدهما الآخر، حتى نزل قول الله عز وجل: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، فكانت أخوة عظيمة بينهم، أي بين المهاجرين والأنصار، ضربوا بها أروع الأمثلة، رضي الله تعالى عنهم. فلذلك كان حبهم واجب على كل مسلم، يجب على كل مسلم أن يحب الصحابة جميعا، ومنهم الأنصار، رضي الله تعالى عنهم، «لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق»، «من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله». هذا فيه دليل أن من أسباب محبة الله حب الأنصار، من أسباب محبة الله حب الأنصار، فمن أحبهم، أي أحب الأنصار، أحبه الله؛ لأن الله عز وجل يحبهم، ويحب من يحبهم. من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله، من أبغض الأنصار أبغضه الله؛ لأنه يبغض أهل الإيمان وأهل الصلاح وأهل الخير وأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا دليل على نفاق من أبغض الصحابة، رضي الله عنهم، كحال الروافض الذين يبغضون صحابة النبي عليه الصلاة والسلام، بل يسبونهم ويلعنونهم، بل يكفرونهم، هذا دليل على نفاقهم وكفرهم، «لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق». قال عليه الصلاة والسلام: «حب الأنصار آية الإيمان»، علامة الإيمان حب الأنصار، «وبغضهم آية النفاق»، أي علامة النفاق. قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، عن يعقوب بن عبد الرحمن القاري، عن سهيل، وأبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر». قال: وحدثنا عثمان بن محمد بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر». وهذا الحديث فيه نفي الإيمان عمن أبغض الأنصار، «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر»، معنى ذلك: من أبغضهم فإنه لا يؤمن بالله واليوم الآخر، من أبغضهم لا يؤمن بالله واليوم الآخر. وهذا لا شك أنه دليل على فضل الأنصار، رضوان الله عليهم، حتى صار حبهم واجب، يتحقق به الإيمان، وأن من لم يحبهم فأبغضهم، فإن الإيمان منتفيا، وهو أيضا من دلائل النفاق، من دلائل النفاق، «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر»، يعني من آمن بالله واليوم الآخر فإنه لا يبغضهم، فإنه لا يبغضهم. وهذا قد يسدل به على كفر من أبغضهم، قد يسدل به على كفر من أبغض الأنصار، لظاهر هذه الأدلة على أنه من علامات النفاق، ونفي الإيمان عن من أبغضهم، فيسدل به على كفر من أبغض الأنصار. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، وأبو معاوية، عن الأعمش، عن عدي بن ثابت، عن زر، وهم ابن حبيش. قال: قال علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وزوج ابنته فاطمة، وأحد العشرة المبشرين بالجنة: «والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إليه: ألا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق». قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، وهذا حلف بالله جل وعلا، وصف من صفاته، فالذي فلق الحبة: أي شقها وأخرج منها الزرع والنبات، هو الله جل وعلا، ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾، وبرأ النسمة: يعني أنشاها وخلقها، والمراد بالنسمة: النفس. إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إليه، أي أن النبي عليه الصلاة والسلام عهد إليه بذلك، وهو يحلف بالله، رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم عهد إليه بذلك: أنه لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق، «لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق». هذا فيه فضيلة لعلي، رضي الله عنه، أن حبه من الإيمان، أن حبه من الإيمان، وبغضه من النفاق. ونحن نشهد الله عز وجل، وملائكته، على حبنا للأنصار، وحبنا لعلي، رضي الله عنه، وسائر الصحابة وأهل بيته، رسول الله عليه الصلاة والسلام، نحبهم الحب الشرعي. فإن عليا، رضي الله عنه، وغيره من أهل البيت، ظل في حبهم، وفي الإيمان بهم، وفي فضلهم، طائفتان: ظلت طائفتان في حبهم، وفي موقفهم منهم. الطائفة الأولى: الروافض، الذين غلوا في حب آل البيت، حتى رفعوا فوق منزلتهم، وجعلوا لهم من خصائص الله، وكذلك من صفات الله جل وعلا، جعلوها لعلي، رضي الله عنه، ومنهم من يعتقد أنه إله، وأنه تصرف في الكون، وأنه كذا وكذا، من هذه الكفريات، هذا باطل. والطائفة الأخرى: النواصب، الخوارج، الذين عادوا أهل البيت، ونصبوا لهم العداء، فسبوهم وشتموهم وتنقصوهم. وأهل السنة وسط بين الطائفتين، وهم يحبون أهل بيت رسول الله، وسائر الصحابة، رضوان الله عليهم، المحبة الشرعية، فلا يغلون في محبتهم، كما أنهم لا يرفعونهم فوق منزلتهم، يحبونهم ويترضون عنهم، ويعرفون فضلهم وشرفهم ومنزلتهم، من غير إفراط ولا تفريط. الشاهد من هذه الأحاديث: أن حب الأنصار، رضي الله عنهم، وحب علي، رضي الله عنه، من الإيمان، وأن بغضهم وبغضه من النفاق. قرأنا خمسة أحاديث: حديث أنس، وحديث البراء، وحديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد، وحديث علي، رضي الله عنه، خمسة أحاديث. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.