كتاب الإيمان 74

كتاب الإيمان 74

الدرس في كتاب الإيمان 74، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تفسير حديث أبي هريرة حول حديث النفس وتجاوزه

يشرح المقطع حديث أبي هريرة الذي يبين أن الله تجاوز عن الأمة ما يحدث به نفسها ما لم تتكلم أو تعمل به. هذا يدل على أن مجرد حديث النفس لا يؤاخذ به الإنسان.

مسؤولية الإنسان عن حديث النفس والعزم على الفعل

الإنسان لا يؤاخذ بحديث النفس ما لم يتكلم أو يعمل به، ولكن إذا عزم على الفعل أو قام به فيؤاخذ عليه. الحديث النبوي يبين أن الله تجاوز لأمة الإسلام عن حديث النفس.

كيفية كتابة الحسنات والسيئات عند الله تعالى

شرح الحديث النبوي الذي يصف كيفية كتابة الحسنات والسيئات عند الله، حيث يُكتب للإنسان حسنة إذا هم بحسنة ولم يعملها، وعشر حسنات إذا عملها. يُوضح أيضًا أن الهم الذي يحصل للإنسان ينقسم إلى قسمين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم، الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه، بكتاب الإيمان: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وهو عبد الله، قال: وأبو كريب محمد بن العلاء، وإسحاق بن إبراهيم، وهو ابن رهويه الحنظلي، قال: واللفظ لأبي بكر، قال إسحاق: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا وكيع، عن الجراح، عن سفيان، عن آدم بن سليمان، مولى خالد، قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا»، قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قال: «قد فعلت»، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾، قال: «قد فعلت»، ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾، قال: «قد فعلت». والكلام على حديث ابن عباس مر معنا في الدرس السابق في الكلام على حديث أبي هريرة، بما يغني عن الإعادة. قال رحمه الله: حدثنا سعيد بن منصور، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن عبيد الغبري -واللفظ لسعيد- قالوا: حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، وهو ابن دعامة أبو الخطاب السدوسي، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم يتكلموا أو يعملوا به». إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم يتكلموا أو يعملوا به. هذا الحديث يبين لنا فيه النبي عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل تجاوز عن هذه الأمة ما وقع في نفسها من حديث، وأنها لا تؤاخذ بذلك ما لم يحصل منها قول أو فعل. وليس هذا على إطلاقه وعمومه، بل فيه تفصيل. فما خطر في بال الإنسان وتحدث به في نفسه من غير عزم على الفعل، ولا نية، ولا قصد في فعل ما خطر في نفسه، فإنه لا يؤاخذ بذلك. لقوله عليه الصلاة والسلام: «ما لم يتكلموا أو يعملوا به». إذا حدث الإنسان نفسه مثلاً بالسرقة، جاءه الشيطان ووسوس له أن يسرق، خطر هذا في باله، ثم ترك ولم يعمل شيئاً، ولا تكلم بذلك بلسانه، فهذا لا يؤاخذ عليه. وأما إن حصل منه القول أو الفعل بما خطر في باله، فهذا يؤاخذ به، كما دل عليه منطوق هذا الحديث: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم يتكلموا أو يعملوا به». يعني إذا تكلموا، أخذوا وحوسبوا، وإذا حصل منهم عمل، كذلك حصلت المؤاخذة. إذا وقع في نفس الإنسان أن يسرق، طيب هو ما تكلم، ما قال: أنا سأسرق، لكن قام بنفسه وذهب إلى المكان الذي يريد أن يسرق منه، ثم عجز عن ذلك، أو حصل له مانع فرجع، هل يؤاخذ هذا؟ الجواب: نعم يؤاخذ، لماذا؟ لأنه عمل بما خطر في نفسه، وعزم على فعل السرقة، أراد أن يسرق، لكن عجز عن ذلك لوجود مانع من الموانع. قال رحمه الله: حدثنا عمر الناقد، وزهير بن حرب، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا علي بن مسهر، وعبدة بن سليمان، وحدثنا ابن المثنى، وابن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، كلهم عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تكلم به». وهذا الحديث يؤكد نسخ قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، وأن حديث النفس الذي قد يقع في نفس الإنسان ولا يظهره، فإنه لا يؤاخذ به إلا إذا حصل منه قول أو فعل. قال رحمه الله: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم، واللفظ لأبي بكر، قال إسحاق: أخبرنا سفيان، وقال الآخران: حدثنا ابن عيينة، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرا». هذا الحديث فيه بيان عظيم عفو الله جل وعلا ومغفرته، وعظيم فضله وكرمه. فالله عز وجل يقول: إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها، يعني إذا حدث نفسه بفعل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها سيئة واحدة. وإذا هم بحسنة فلم يعملها تكتب له حسنة، وإن هم بها فعملها فتكتب له عشرا، أي عشر حسنات. هم الإنسان أن يصوم ثم ترك، تكتب له حسنة، فإن صام عشر حسنات. وسيأتي أن الحسنات تضاعف. هم أن يصلي نافلة ثم ترك، تكتب له حسنة، أراد أن يفعل لكن ترك لإنشغال أو نحو ذلك، تكتب له حسنة، وإن فعلها فعشر حسنات. هذا من عظيم فضل الله وكرم الله، أنك تهم بالحسنة فلا تعملها تكتب لك حسنة. وهكذا أيضا من عظيم عفو الله أنك تهم بالسيئة فلا تعملها، تكتب لك ماذا؟ لا تكتب عليك حتى تعملها، فإن عملتها كتبت سيئة واحدة. قال: والهم الذي يحصل من الإنسان على قسمين: قسم هو مجرد خواطر تخطر على البال، كما مر معنا في الحديث السابق، يهم بفعل سيئة بسرقة أو زنا أو فعل شيء من الأمور المحرمة، بسماع غناء أو نحو ذلك، ويترك، فهذه لا تكتب عليه سيئة، مجرد حديث نفس وخواطر وقعت في النفس وتركها. وقسم آخر يؤاخذ به الإنسان وإن لم يعمل هذه السيئة بنفسها، لكن يكون عنده هم وعزم، مصمم على الفعل، لكن يمنعه من فعله مانع، كما ذكرنا قبل ذلك: أراد أن يسرق، حدث نفسه بذلك، لكنه عمل وخرج وذهب وصعد المكان الذي يريد أن يسرق منه، لكن سمع أصواتا فترك ورجع، هذا يؤاخذ، لأنه عمل. حديث أبي هريرة: «إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل»، إذا لم يحصل منه قول أو فعل، ما يؤاخذ به، مجرد حديث نفس، ما يؤاخذ به. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.