الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 60، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ابن تيمية يبين أن التخفيف كان في القراءة والتطويل في الركوع والسجود، وأن الصحابة وصفوا صلاة النبي بأنها متوازنة. العبادات ترجع إلى الشرع ولا دخل لها بالعرف.
النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، وركوعها وسجودها قريب من قيامه، وعلّم أصحابه كيفية الصلاة بفعله وأمره.
النبي عليه الصلاة والسلام كان يخفف الصلاة ويقرأ سورًا مختلفة الطول حسب الصلاة، وكان يراعي حالة المصلين خلفه ويخفف أو يطول حسب الحالة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مبعدًا، ففي الدرس الذي مضى، ذكرنا ما ذكره الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من الكلام في مسألة التخفيف، تخفيف القراءة وإطالتها، وكذلك مسألة الركوع والسجود. وخلاصة ما ذكره رحمه الله أن التخفيف الذي كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم هو تخفيف القراءة، والتطويل هو تطويل الركوع والسجود، لكن ليس المراد تطويلًا أكثر من القراءة، وإنما بحسب ما كان المعروف في بني أمية أنهم يطولون القراءة جدًا ويقصرون الأركان من الركوع والسجود. فكان أنس رضي الله عنه ينكر عليهم ذلك، وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يطيل في الأركان. قال رحمه الله: وهذا الذي وصفه أنس ووصفه سائر الصحابة، فرواه مسلم في صحيحه، وأبو داود في سننه، عن هلال بن أبي حميد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «رمقت الصلاة مع النبي عليه الصلاة والسلام، فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فسجدته، فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبًا من السواء». ورواه مسلم أيضًا في صحيحه، كما تقدم معنا في حديث أنس، أنه كان يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يطيل في الاعتدال وفي الجلوس بين السجدتين. وروى البخاري هذا الحديث «ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء»، ويريد بالقيام قيام القراءة، والقعود التشهد. قالوا: مثل هذا أنه صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف، فقرأ في الركعة بنحو من سورة البقرة، وركع فكان ركوعه نحوًا من قيامه، وكذلك سجوده. وهذا جاء في حديث ابن عباس أنه قرأ نحوًا من سورة البقرة. وهذا الذي جعل الإمام الشافعي رحمه الله يقول: إن قراءة صلاة الكسوف كانت سرًا. لكن قد جاء في الصحيحين حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بالقراءة. فالصحيح أن الجهر ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأصح القولين أن ركوع صلاة الكسوف وسجودها يكون قريبًا من قيامه، بقدر معظمه أكثر من النصف. وكذلك روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول بعد الرفع من الركوع من الذكر ما يصدق حديث أنس والبراء. قال: ثم هذا القيام الذي وصفه أنس وغيره بالثقل والتخفيف الذي أمر به النبي عليه الصلاة والسلام قد فسره صلوات الله وسلام عليه بفعله وأمره، وبلغ ذلك أصحابه. فإنه لما صلى على المنبر قال: «إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي». وقال لمالك بن الحويرث وصاحبه: «صلوا كما رأيتموني أصلي». قال: وليس الفعل من العادات كالإحراز والقبض والاستيلاد وإحياء الموات، حتى يرجع في حده إلى عرف اللغة، بل هو من العبادات، والعبادات يرجع في صفاتها ومقاديرها إلى الشارع. لأن العبادات لا دخل لها بالعرف، وإنما ترجع إلى الشرع. فلهذا مسألة التخفيف والطول ترجع إلى صلاة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فروى مسلم في صحيحه عن زهير بن حرب قال: سألت جابر بن سمرة عن صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «كان يخفف الصلاة»، هذا يخفف الصلاة بالنسبة للصلاة التي كانت معروفة عندهم. «ولا يصلي صلاة هؤلاء»، أي الأمراء. قال: «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر بقاف والقرآن المجيد ونحوها». وروى أيضًا عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال: «كان النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى، وفي العصر بنحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك». قال: وقد ثبت في الصحيح أن أم سلمة أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر بالطور في حجة الوداع. وثبت في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنه قال: إن أم الفضل سمعته وهو يقرأ «والمرسلات عرفًا»، قالت: يا ابني، لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب. قال: فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصلاة بالسور الطوال، وأنه كان يخفف أحيانًا ويطول أحيانًا. وهذا يدلنا على حسب الحالة لصلاة الناس، وكذلك صلاة من خلفه ومراعاتهم. إن شاء الله تعالى، نكتفي بهذا، ونكمل في درس قادم.