كتاب المساجد ومواضع الصلاة 13

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 13

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 13، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

محاولة عفريت الجن إفساد صلاة النبي

يروي الإمام مسلم حديثين عن النبي يصفان محاولة عفريت إفساد صلاته، واستعاذته بالله. الحديثان يبينان جواز الاستعاذة بالله من الشيطان في الصلاة.

جواز الاستعاذة والعمل اليسير في الصلاة

المقطع يشرح جواز الاستعاذة من الشيطان أثناء الصلاة، ويبين جواز العمل اليسير فيها للحاجة، مستندا إلى حديث عن النبي.

رؤية الجن والتحصن من الشيطان

الجواب عن إمكانية رؤية الجن، وتحذير المسلمين من عداوة الشيطان وضرورة التحصن بذكر الله والطاعات.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إماما مسلم الحجاج أبو الحسين، أن يسابور القشير رحمه الله، في الصحيحة: حدثنا إسحاق بن إبراهيم وإسحاق بن منصور، قالا: أخبرنا النضر بن شميل أبو الحسن البصري، إمام في الحديث وفي اللغة، وكان -يعني- يقال له مفخرة أهل بغداد، وكان راويا للشعر وعارفا بالأنساب. قال: أخبرنا شعبة، قال: حدثنا محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن عفريتا من الجن جعل يفتك علي البارحة، ليقطع علي الصلاة، وإن الله أمكنني منه، فذعته -يعني خنقته-"، قال: "فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد، حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون أو كلكم"، ثم ذكرت قول أخي سليمان: "رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي"، فرده الله خاسئا. وقال ابن منصور: شعبة عن محمد بن زياد. وقال ابن منصور: شعبة عن محمد بن زياد -يعني في رواية إسحاق بن منصور-، وهو شيخ الإمام مسلم، قال في روايته: أخبرنا النضر بن شميل عن محمد بن زياد عن شعبة عن محمد بن زياد. وأما هذه الرواية في هذا السند، قال: أخبرنا شعبة، قال: حدثنا محمد -وهو بن زياد-، هذا في رواية إسحاق بن إبراهيم -يعني أراد أن يميز الإمام مسلم ما قاله شيخ إسحاق بن إبراهيم وما قاله شيخ الثاني إسحاق بن منصور-. قال: حدثنا محمد بن بشار المروذي -مندار-، أي كثير العلم، قال: حدثنا محمد -وهو بن جعفر-، والملقب بغندر، قال: حفص. قال: وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا شبابة، كلاهما عن شعبة في هذا الإسناد. وليس في حديث من جعفر قوله: "فذعته". وأما ابن أبي شيبة، فقال في روايته: "فدعته" -يعني بالدال المهملة-، في رواية ابن أبي شيبة بالدال المهملة. ومعنى "فدعته": يعني أبعدته، أو بمعنى دفعته بشدة، بمعنى الدفع بشدة. قالوا: حدثنا محمد بن سلم المغربي، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح، يقول: حدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعناه يقول: "أعوذ بالله منك"، ثم قال: "ألعنك بلعنة الله ثلاثا"، وبسط يده كأنه يتناول شيئا. فلما فرغ من الصلاة، قلنا: يا رسول الله، قد سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسط يدك. قال: "إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فلم يستأخر ثلاث مرات، ثم أردت أخذه، والله لولا دعوة أخي سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة". قال: نعم، هذان الحديثان -حديث أبي هريرة وحديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنهما- فيه أن عفريتا من الجن، والعفريت هو المتمرد من الجن، المتمرد من الجن، من كان شديد الكفر، شديد الشر والأذية من شياطين الجن، يقال لهم المردة، لأن الجن -يعني- درجات، منه من هو من مردة الجن، ومنه من هو دون ذلك، من هو دون ذلك. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن عفريتا من الجن أراد أن يؤذي النبي عليه الصلاة والسلام، وأن يحرقه بشهاب من نار. في رواية أبي هريرة: "يفتك علي البارحة"، يعني يريد أن يأتي علي بغفلة فيصيبني بشيء من السوء والشر. فالنبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يمسكه، قبل ذلك تعوذ بالله عز وجل من الشيطان، تعوذ بالله ثلاث مرات، ثم لعنه، لعن الشيطان بلعنة الله التامة. وهذا فيه جواز الاستعاذة بالله جل وعلا من الشيطان في الصلاة. ومثل هذا جائز، لو أن الشيطان وسوس للإنسان، ولبس عليه في صلاته، جاز له أن يستعيذ بالله من الشيطان، كما في حديث عثمان بن العاص، لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هناك شيطانا يقال له خنزب، فقال: "إذا شعرت به أو أحسست به، فاستعيذ بالله من الشيطان ثلاثا، وادخل عن يسارك ثلاثا". فالشيطان قد يأتي للإنسان، يلبس عليه في صلاته، ويذكره أشياء قد نسيها، حتى لا يطمئن ولا يتدبر ولا يخشع في صلاته، فيستعيذ بالله جل وعلا منه. وفيه أيضا جواز لعن الشيطان في الصلاة، أن النبي صلى الله عليه وسلم لعنه: "ألعنك بلعنة الله التامة". قال ذلك هو في الصلاة عليه الصلاة والسلام. والمراد بلعنة الله التامة: قيل التي لا نخص فيها، أو المراد التامة التي -يعني- يستحقها الشيطان، الموجب له بالعذاب ودخول النار. ثم النبي عليه الصلاة والسلام خنق هذا الشيطان، خنقه حتى هم أن يربطه إلى سارية من سواري المسجد. ثم ذكر -يعني- أنه ذكر دعوة سليمان عليه السلام، نبي الله سليمان بن داود، حين قال: "ربي اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي، إنك أنت الوهاب". قال الله: "فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، والشياطين كل بناء وغواص، وآخرين مقرنين في الأصفاد". فالله عز وجل سخر الشياطين لسليمان عليه السلام، يكون تحت أمره ونهيه، ومنهم من هو في الأغلال والسلاسل مقيدين. فلما ذكر هذه الدعوة نبينا عليه الصلاة والسلام ترك ذلك، ترك عزمه أن يربط هذا الشيطان في سارية من سواري المسجد، بمعنى أن هذا الأمر هو خاص بسليمان عليه السلام، أنه ملك خاص به. فترك النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، لعله تواضعا عليه الصلاة والسلام، أو علم أنه لن يمكن من ذلك لدعوة نبي الله سليمان عليه السلام، لأنه قال: "هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي"، فكان من ذلك تسخير الشياطين له وسيطر عليهم. فمعنى ذلك أن مثل ذلك لا يقع لغيره أو لأحد بعده. وعلى كل، فترك النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، أي عزمه على ربط هذا الشيطان في سارية من سواري المسجد، وكان عزم على ذلك عليه الصلاة والسلام. والأظهر الله علم في ذلك أنه ترك ذلك تواضعا. فقوله عليه الصلاة والسلام: "هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد"، يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مستطيعا لذلك، لكن ترك ذلك تواضعا عليه الصلاة والسلام. قال: "فرده الله خاسئا"، أي رد الله الشيطان وهو حقير ذليل، لم يستطع أن يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم بشيء. فهذا الحديث فيه جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة، وهكذا أيضا التعوذ منه، أن يقول الإنسان: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، كما أن الاستعاذة تشرع قبل قراءة الفاتحة، فكذلك إذا حصل شيء عارض، كما سمعنا إذا لبس على الإنسان في صلاته، فإن يستحب له أن يستعيذ بالله جل وعلا من الشيطان. "أعوذ بالله" -يعني- ألتجئ وأعتصم بالله جل وعلا من شر الشيطان. وهكذا أيضا كذلك جواز العمل اليسير في الصلاة، جواز العمل اليسير في الصلاة، فالنبي صلى الله عليه وسلم مد يده حتى رآه الصحابة رضي الله عنهم كأنه يريد أن يمسك شيئا، موفد آخر الصلاة، فدل هذا على أن العمل اليسير للحاجة لا يضر في صحة الصلاة. وفيه أيضا دليل على وجود الجن، دليل على وجود الجن، وأن الجن موجودون، إلا أننا لا نراهم، كما أخبر الله عز وجل: "إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم". فالجن عالم مخفي، عالم مخفي مستتر. "إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم". هل معنى هذا أن بني آدم لا يمكن أن يروا الجن؟ الجواب: لا، لا يمنع ذلك أن يروا الجن، أن يرى الإنسان الجني. وقد يظهر له ويتصور له بغير صورته، فالجن أعطاهم الله عز وجل قدرة وقوة على التشكل والتصنع. نعم، غالب الجن أنهم يكونوا على هيئة الحيات، وكذلك الكلاب، وكذلك أيضا قد يظهر على صورة إنسان، قد يظهر على صورة إنسان، يتشكل بصورة إنسان، كما حصل لأبي هريرة رضي الله عنه في قصته مع ذاك الشيطان الذي كان يأتي ويأخذ من طعام الصدقة، حتى أمسكه ثلاث مرات، وهو يدعي أنه مسكين وفقير وذو حاجة وذو عيال، فيتركه أبو هريرة رضي الله عنه، ثم تبين في آخر الحديث أنه شيطان. وحصل مثل ذلك لأبي بن كعب رضي الله عنه، كما في خارج الصحيح. فالجن قد يتشكلون ويظهرون للإنسان بصورة إنسان، فيراهم الشاص من بني آدم. فهذا لا ينافي ما دلت عليه الآية في قوله جل وعلا: "إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم". فهذا يحمل على الأغلب والأكثر، الأغلب والأكثر أن الناس ما يرون من الجن، وقد يراهم البعض، قد يراهم البعض على صور وأشكال يتشكلون بها. حتى النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، لما أراد أن يمسكه وأن يربطه في سارية، العلا وراءه في صورة، يمكن ذلك، يمكن أن يربطه في سارية من سواري المسجد، لأن الجن -يعني- عالم روحاني، وهم مخلوقون من نار، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه أيضا عداوة الشيطان، شدة عداوة الشيطان لأهل الإيمان، إذا كان هذا الشيطان يريد أن يفعل هذا مع النبي عليه الصلاة والسلام، وهو خير خلق الله وأفضل الأنبياء والرسل عليه الصلاة والسلام، فكيف بمن هو دونه؟ كيف هو بمن دونه من أهل الإيمان ومن أهل الخير والصلاح؟ فلا شك أن الشيطان عدو، عدو مبين. "إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا، إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير". فالشيطان من أعدى عداء الإنسان، ومن أقرب العداء إليه، أقرب العداء إلى الإنسان هو الشيطان. "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم". هذا العدو يراك وأنت لا تراه، لا شك أن هذا يدل على خطورة هذا العدو، إذا كان هناك عدو أنت ما تراه، وهو يراك، إذن متى ما أراد أن يصلت عليك أو يصيبك بسوء، فالأمر عنده سهل، لأنه يراك وأنت ما تنظر إليه ولا تراه. هذا يجعل المسلم أن يكون على خطر عظيم، على خطر عظيم من تصلت الشيطان عليه، ومن أذية الشيطان له، وأن يكون في حصن حصين من الشيطان، وذلك بذكر الله جل وعلا. أعظم ما يتحصن به المسلم من الشيطان هو ذكر الله، هو ذكر الله، فإنه إذا ذكر الله عز وجل، خسئ الشيطان وخنس ورجع خائبا خاسرا. فإذا كان الإنسان ملازما لذكر الله، محافظا على فرائض الله وواجبات الله جل وعلا، فإنه بإذن الله عز وجل سيكون في حفظ عظيم من الشيطان. أما إذا كان مضيعا، لا ذكرا لله ولا طاعة ولا عبادة، فمثال هؤلاء تجد الشيطان يتصلت عليهم ويؤذيهم، وكثير ممن يتلبس فيهم الشيطان في الغالب، تجد أنه بسبب الغفلة عندهم، غفلة عن ذكر الله عز وجل وعن طاعة الله. ربما تجد منهم من هو منهمكا بسماع الغناء والمزامير، وبعيد عن الصلاة، فهذا -يعني- يجده الشيطان كالبيت الخرب، كالخرابة التي ما يسكنها أحد، يدخل فيها الشيطان متى شاء. وهكذا حال الإنسان الخالي من ذكر الله، الخالي من ذكر الله، هو ما هو للشياطين، يسهل على الشيطان التلبس به والدخول فيه، بخلاف المتحصن بذكر الله جل وعلا، فإن الشيطان يكون بعيدا عن غاية البعد. ومع ذلك فالمسلم يكون دائما متيقظا لعداوة هذا الشيطان الرجيم، وكذلك أيضا متحصنا بالأسباب التي تحفظه من أذية الشيطان. صلى الله عليه وسلم عن أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.