الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 15، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
صنع منبر النبي صلى الله عليه وسلم من طرفاء الغابة بأمره، ورأى سهل بن سعد النبي يصلي عليه ويعلم الناس صلاته. هذا الحدث يبين أهمية الرجوع إلى أهل العلم عند التنازع.
بعد صنع المنبر، صلى النبي عليه وخطب، وكان المنبر ذو ثلاث درجات. هذا يبين استحباب ارتفاع الخطيب واستخدام المنبر لتعليم الناس.
يجوز الحركة اليسيرة في الصلاة للحاجة، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عند تعليم الصلاة على المنبر. الحركة الكثيرة تبطل الصلاة إلا لضرورة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس، والإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين، أن إسحاق بن إبراهيم القشيري رحمه الله، في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، وقتيبة بن سعيد، كلاهما عن عبد العزيز، قال يحيى: أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه. وأبو حازم وهو يروي عن سهل بن سعد، وأبو حازم إذا كان يروي عن سهل بن سعد فهو سلمة بن دينار، وهناك أبو حازم آخر يروي عن أبي هريرة، وهو سلمان الأشجعي، كلاهما ثقة. قال: أن نفرا جاءوا إلى سهل بن سعد، قد تماروا في المنبر من أي عود هو، تماروا يعني تجادلوا في منبر النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فقال: أما والله إني لأعرف من أي عود هو، ومن عمله، ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أول يوم جلس عليه. قال: فقلت له: يا أبا عباس، فحدثنا. قال: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى امرأة، قال أبو حازم: إنه ليسميها يومئذ، انظري غلامك النجار يعمل لي أعوادا أكلم الناس عليها، فعمل هذه الثلاثة درجات، ثم أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعت في هذا الموضع، فهي من طرفاء الغابة، يعني من خشب الأثل، والغابة هو موضع قريب المدينة. قال: ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عليه فكبر، وكبر الناس وراءه وهو على المنبر، ثم رفع فنزل القهقرى، يعني رجع إلى الخلف حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس، إني إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي. حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري القرشي، قال: حدثني أبو حازم، سلمة بن دينار نعم، سلمة بن دينار، وأبو حازم عن أبي هريرة سلمان الأشجعي، قال: حدثني أبو حازم أن رجالا أتوا سهل بن سعد، قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وابن أبي عمر، قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي حازم، قال: أتوا سهل بن سعد فسألوه: من أي شيء منبر النبي صلى الله عليه وسلم؟ وساق الحديث نحو حديث أبي حازم. هذا الحديث حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه في إخباره عن منبر النبي عليه الصلاة والسلام، فيه من الفوائد والمسائل: الرجوع إلى أهل العلم عند التنازع والاختلاف وعدم معرفة الحق والصواب في المسألة، فيرجع إلى من هو أعلم. والله عز وجل يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فهؤلاء النفر تنازعوا وتماروا في منبر النبي عليه الصلاة والسلام واختلفوا من أي شيء صنعه، فجاءوا إلى سهل بن سعد فسألوه لأنه أعلم بذلك منهم، وهو من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فأتوا إليه فسألوه، فأخبرهم رضي الله تعالى عنه بأنه صنع من طرفاء الغابة، أي من خشب أو أعواد الأثل من الغابة التي هي بجانب المدينة. وهكذا أيضا فيه أن منبر النبي عليه الصلاة والسلام كان من خشب ذو ثلاث درجات، وهذا استعمله النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن كان يعتمد قبل ذلك على جذع، كان يعتمد على جذع فيخطب الناس عليه وهو معتمد عليه، فلما صنع له المنبر ترك النبي صلى الله عليه وسلم الجذع فحن الجذع، أي جعل يبكي، جماد من خشب جعل يبكي لأن النبي صلى الله عليه وسلم فارقه وترك الاتكاء عليه. قال راوي الحديث: جعل يئن كما يئن الصبي، سبحان الله، شجر جماد لا يسمع ولا يبصر، لكن له إرادة، الجمادات لها إرادات كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. فحن هذا الجذع إلى النبي عليه الصلاة والسلام فجعل يبكي ويئن أنين الصبي حتى نزل النبي عليه الصلاة والسلام فضمه وجعل يسكته، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده لو تركته لبقي يئن إلى يوم القيامة»، لبقي هذا الجذع يبكي إلى يوم القيامة. فترك النبي عليه الصلاة والسلام حينئذ الاعتماد على هذا الجذع وخطب على المنبر، وهذا فيه استحباب أن يكون المنبر ذو ثلاث درجات كمنبر النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا أيضا فيه كذلك استحباب ارتفاع الخطيب إذا خطب الناس أن يكون مرتفعا على شيء مرتفع كمنبر إن تيسر، أو على حصى أو كوم رمل أو نحو ذلك إذا لم يتيسر المنبر، لأن هذا هو هدي النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضا أنه أبلغ في تبليغ الناس وانتباههم للخطبة حين يكون الإمام بارزا أمامهم، فينتبهون له لما يقول ولما يعظ ويذكر، فيكون هذا أبلغ في الانتفاع وحصول المقصود، بخلاف لو لم يكن ظاهرا ولا يرونه، لا يحصل ذلك الانتباه والاستماع لكلامه. وهكذا أيضا فيه جواز الصلاة على المنبر إذا قصد بذلك نفع الناس أو إرادة تعليمهم الصلاة، فالنبي صلى الله عليه وسلم صلى على المنبر، رقى على المنبر فكبر وهو عليه، وركع وهو على المنبر، فلما أراد السجود رجع إلى الخلف إلى القهقرة وهو الخلف حتى لا يستدبر القبلة، ثم سجد في أصل المنبر، ثم فعل ذلك في بقية الركعات أو في الركعة الأخرى، فدل هذا على جواز مثل ذلك. وأبين لهم نبي صلى الله عليه وسلم العلة والحكمة من صلاة على المنبر، أنه أراد أن يأتموا به وأن يتعلموا صلاته، «إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي»، لأنهم إذا صلى على المنبر سيرونه جميعا، بخلاف لو كان على الأرض ما سيرى إلا من كان قريبا منه، لكن على المنبر سيكون بارزا سيرى حتى البعيد فيقتدي به في الصلاة. وأيضا كذلك فيه جواز الحركة اليسيرة للحاجة، الحركة اليسيرة للحاجة، فالصعود على المنبر والنزول هذه حركة في الصلاة لكنها للحاجة، فلا تضر بصحة الصلاة. فكون المصلي يتقدم خطوة أو خطوتين أو يتأخر خطوة أو خطوتين لا بأس بذلك للحاجة، مثل سد فرجة في الصف، قد يحيان إنسان يصلي فيخرج أحد المصلين لعارض فيكون هناك فراغ وفرجة في الصف، لا بأس أن يتقدم ليسد هذه الفرجة خطوة أو خطوتين، لا يضر هذا بصحة الصلاة، بل هذا من مصلحة الصلاة. وهكذا إذا كانت يعني كثيرا غير متوالية، إن كانت كثيرا غير متوالية فإنها لا تضر كذلك بصحة الصلاة إذا لم تكن متتابعة. أما إذا كانت كثيرا متتابعة أو متوالية لغير ضرورة فهذه تبطل بها الصلاة، كإنسان يمشي خطوات يمشي خطوات متتابعة، هذا الذي يراه يقول: ما هذا ليس في الصلاة، ما يصلي مثل هذا، ما تصح صلاته، إلا إذا كان ضرورة كمن يقتل حية أو عقرب وهو في الصلاة، لا شك أنه سيتحرك حركة كثيرة، وهذا لا بأس به، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «اقتلوا الأسودين في الصلاة الحية والعقرب»، وقتلهما يحتاج إلى حركة كثيرة، لكن هذه للضرورة، لا تبطل بها الصلاة. وهكذا أيضا في حسن تعليم النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه وحرصه على تعليمهم وإبلاغهم دين الله جل وعلا، وإيصال العلم إليهم بأيسر الطرق وأحسن الأساليب التي بها يفهم العلم. ومن ذلك العمل والفعل، فإن التطبيق العلم والمسائل من الطرق التي يحصل بها فهم المسألة والعلم بها أبلغ من الكلام. فالنبي صلى الله عليه وسلم بين للناس الصلاة قولا وفعلا، فبين لهم كيف يصلون بلسانه عليه الصلاة والسلام كما في الأحاديث الكثيرة، ومنها حديث مالك بن الحويرث في صلاته، وبيّن لهم كيف يصلون بالفعل كهذا الحديث، صعد على المنبر فركع وهو عليه ثم رجع وسجد وهم ينظرون إليه، يعلمهم كيف يصلون، وهو القائل عليه الصلاة والسلام في حديث مالك بن الحويرث: «صلوا كما رأيتموني أصلي». والصحابة رضوان الله عليهم رأوا النبي عليه الصلاة والسلام ونقل الصحابة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم للتابعين، وهكذا التابعون أخذوها من الصحابة إلى من بعدهم حتى وصل إلينا هذا العلم قولا وفعلا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وأله وصحبه أجمعين.