كتاب المساجد ومواضع الصلاة 31

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 31

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 31، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شرح حديث عائشة عن فتنة القبر

يشرح المقطع حديث عائشة عن يهوديتين أخبرتاها أن أهل القبور يعذبون، ثم جاء النبي ﷺ وأكد ذلك. يذكر المقطع أيضًا فقهاء المدينة السبعة ومنهم عروة بن الزبير.

عذاب القبر وفتنة الناس في قبورهم

يشرح المقطع حديث عائشة حول فتنة الناس في القبور وعذاب القبر، ويستدل بالأحاديث والآيات القرآنية على إثبات عذاب القبر. يبين المقطع موقف أهل السنة والجماعة والمعتزلة من هذه المسألة.

أدلة عذاب القبر من السنة النبوية

يؤكد المقطع على أن أحاديث الآحاد الصحيحة تثبت بها العقائد وتفيد العلم والعمل، ويرد على من ينكر عذاب القبر مستدلاً بالأحاديث النبوية التي تثبت عذاب القبر ونعيمه.

الاستعاذة من عذاب القبر في الصلاة

يذكر الإمام مسلم رحمه الله حديث أبي هريرة الذي يتضمن الأمر بالاستعاذة من عذاب القبر في الصلاة، وهذا الحديث مذكور في سياق آخر التشهد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، هذه التبويبات ليست من وضع الإمام مسلم، وإنما الإمام النووي. طيب، تنبه لهذا، الأبواب الموجودة في الكتاب: باب كذا، وباب كذا، هذا لم يضعه الإمام مسلم، وإنما وضعه الإمام النووي. الإمام مسلم ذكر الأحاديث مجردة، كان يذكر الأحاديث سردًا، فجاء الإمام النووي وبوب هذه الأبواب على حسب هذه الأحاديث. فعند ذكر الباب تقول: قال الإمام النووي رحمه الله: باب كذا، ثم قال الإمام مسلم: تذكر الحديث. طيب، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا هارون بن سعيد وحرملة بن يحيى، قال هارون: حدثنا، وقال حرملة: أخبرنا ابن وهب، وعبد الله ابن وهب المصري، قال: أخبرني يونس ابن يزيد، وهو ثقة، عن ابن شهاب، وهو الزهري، محمد بن مسلم ابن عبيد الله، عن عبد الله، عن شهاب، قال: حدثني عروة، عروة عن الزبير، أو عروة عن الزبير عن العوام، أحد الفقهاء السبعة، فقهاء المدينة. ومن هم فقهاء المدينة السبعة؟ ها، من يذكرهم؟ من يذكر فقهاء المدينة السبعة؟ ها، محمد، أبو بكر، إذا قيل: من في العلم سبعة أبحر، روايتهم ليست عن الحق خارجة، فقلهم: عبيد الله، عروة، قاسم، سعيد، أبو بكر، سليمان، خارجة، هؤلاء فقهاء المدينة السبعة، ومنهم عروة ابن الزبير، وكان يقول لأبنائه: يا بني، أنتم اليوم صغار قوم، وغدًا كبارهم، يعني يحثهم على طلب العلم والحرص على تحصيله، وأنهم اليوم وإن كانوا صغارًا، فسيكبرون في الغد، ويحتاج الناس إلى علمهم. أنتم اليوم صغار قوم، وغدًا كبارهم، ستسيرون من كبار الذين يلتف الناس حولهم، ويحتاجون إلى علمهم، فكأنه يقول: جدوا واجتهدوا، واحرصوا على تحصيل العلم واستغلال الأعمار، وعدم تضييع الأوقات. وكان الأمر كما قال رحمه الله، فاحتاج الناس إلى علم أبنائي بعد ذلك، وروى الناس عنهم، كهشام ابن عروة، كثيرًا ما يمر معنا في الأسانيد: هشام، عروة، عن أبيه، عن عائشة. قال: أن عائشة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ، وعند امرأة من اليهود، وهي تقول: هل شعرت أنكم تفتنون في القبور؟ قالت: فارتاع رسول الله ﷺ، وقال: «إنما تفتن يهود». قالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله ﷺ: «هل شعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور؟» قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ بعد يستعيذ من عذاب القبر، يعني كان في أول الأمر لم يحد النبي عليه الصلاة والسلام بفتنة القبر وعذاب القبر، ولهذا قال: «إنما تفتن يهود»، هم الذين يفتنون في القبور، ثم بعد ليالي أوحي للنبي عليه الصلاة والسلام بأن المسلمين كذلك يفتنون في قبورهم، فأخبر النبي ﷺ عائشة بذلك، فكان بعد ذلك يستعيذ من عذاب القبر. قال: وحدثني هارون بن سعيد وحرملة بن يحيى وعمر بن سواد، قال حرملة: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، وابن يزيد، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، وابن عون، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ بعد ذلك يستعيذ من عذاب القبر. قال: حدثنا زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن جرير، وابن عبد الحميد، قال زهير: حدثنا جرير عن منصور ابن المعتمر، عن أبي وائل، وهو شقيق ابن سلم، عن مسروق ابن الأجدع، عن عائشة، قالت: دخلت علي عجوزان من عجز يهود المدينة، فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم، قالت: فكذبتهما، ولم أنعم أن أصدقهما، لم أنعم يعني لم تطب نفسي أن أصدقهما بما أخبر به من هذا الخبر. قالا: فخرجتا، ودخل علي رسول الله ﷺ، فقلت له: يا رسول الله، إن عجوزين من عجز يهود المدينة دخلتا علي، فزعمتا أن أهل القبور يعذبون في قبورهم، فقال: «صدقتا، إنهم يعذبون عذابًا تسمعه البهائم». قالت: فما رأيته بعد في صلاة إلا يتعوذ من عذاب القبر. وهذه الرواية تحمل على أن عائشة رضي الله عنها لما أخبرت بذلك، يعني لما كذبت هاتين المرأتين من يهود المدينة، كان ذلك قبل أن يخبرها النبي عليه الصلاة والسلام بما أوحى الله إليه من فتنة الناس في القبور. ورواية الأولى التي فيها: قالت: فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله، يعني في هذه الليالي تكون قد جاءت هذه العجوزان إلى عائشة، وأخبرتاها بهذا الخبر بفتنة الناس في القبور، فيكون ذكر هذه الرواية الأولى مختصرًا. فأخبرت بعد ذلك، يعني بإخبار النبي عليه الصلاة والسلام بما أوحى الله إليه من أن الناس يفتنون في القبور. قال: حدثنا هناد من السري، قال: حدثنا أبو الأحوص، وهو سلام من سليم، عن أشعث، ومن سليم، عن أبيه، وهو سليم أسود ابن حنظلة، قال: عن مسروق، عن عائشة بهذا الحديث، وفيه قالت: وما صلى صلاة بعد ذلك إلا سمعته يتعوذ من عذاب القبر. هذه الأحاديث فيها بيان أن الناس يفتنون في قبورهم، ومن هذه الفتنة التي تحصل للإنسان في القبر سؤال الملكين له، كما جاء في حديث البراء في الصحيحين، وجاء مطولًا في السنن، حين يأتيانه فيسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ هذه من الفتنة التي تحصل للعبد في قبره، يسأل هذه الأسئلة، ويثبت الله جل وعلا من شاء من عباده في الجواب عنها، كما قال جل وعلا: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾. قال النبي عليه الصلاة والسلام: في هذه الآية هو سؤال العبد في قبره، كما في حديث البراء في الصحيحين، فيثبت الله سبحانه وتعالى أهل الإيمان في الجواب عن هذه الأسئلة في القبر، فيقول: ربي الله، ودين الإسلام، ونبي محمد ﷺ. وأما الكافر والفاجر، فإنه لا يستطيع أن يجيب، يقول: ها، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، كما جاء في الحديث. فأذم الفتنة العظيمة التي يفتن بها الإنسان في قبره، وكذلك أيضًا فيها إثبات عذاب القبر، وأن العبد في قبره يعني قد ينعم وقد يعذب، قد ينعم وقد يعذب، ويعاقب في قبره، كما في هذه الأحاديث. وهكذا أيضًا يعني ما أخبر الله سبحانه وتعالى به في قوله: ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخل آل فرعون أشد العذاب﴾. قال أهل العلم: قوله جل وعلا: ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا﴾ هذا في البرزخ، في عذاب القبر، بدليل قوله: ﴿ويوم تقوم الساعة﴾، إذن هذا العذاب الذي قبله من عرض النار غدوا وعشيا هذا في البرزخ، فتدل الآية على إثبات عذاب القبر. وهكذا أيضًا في قول الله سبحانه وتعالى أيضًا في سورة السجدة: ﴿ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون﴾، هذا العذاب الأدنى هو عذاب البرزخ، كما قال جمع من أهل العلم: العذاب الأدنى هو عذاب البرزخ، والعذاب الأكبر عذاب يوم القيامة، فيها دليل على إثبات عذاب القبر. وهكذا أيضًا إخبار الله سبحانه وتعالى بنزع أرواح الكفار، وأن الملائكة يعني تستقبلهم بالعذاب، وكذلك بالضرب، فهذه الآيات وغيرها من الأدلة على إثبات عذاب القبر. أما في السنة، فالأدلة متواترة، حديث ابن عباس بقصة عذاب صاحب القبرين، لما قال النبي ﷺ: «إنهم ليعذبان وما يعذبان في كبير»، وأيضًا حديث البراء، وغيرها من الأحاديث الكثير. ومن أحاديث هذا الباب حديث عائشة رضي الله عنها في إخبار هؤلاء النسوة من اليهود لعائشة بأن الناس يفتنون في قبورهم، وبهذا قال أهل السنة والجماعة: أن الناس يعذبون في قبورهم، وأثبتوا هذه المسألة العقدية من إثبات عذاب القبر، خلافًا للمعتزلة، المعتزلة أنكروا عذاب القبر، وذلك لأنه قالوا: لم يعني يأتي شيء من الأحاديث إلا ما كان متواترًا، والأحاديث الآحاد لا تثبت بها العقيدة، وإنما تثبت بالأحاديث المتواترة. ورد هذه الأحاديث الكثيرة المتواترة معنا في إثبات عذاب القبر بعقولهم وأهوائهم. وحديث الآحاد يعني الذي لم يبلغ درجة التواتر إذا صح عن النبي ﷺ فإنه يفيد العلم والعمل، وكذلك تثبت به العقائد، وكذلك أيضًا مسائل الإيمان، وكذلك أيضًا يعمل به في باب العبادات والمعاملات وغيرها. والتفريق بين أحاديث الآحاد بين مسائل العقيدة وبين مسائل العبادات هذا من بدع المعتزلة، وهكذا أيضًا بعض العقلانيين في هذا الزمان الذين تأثروا بمنهج المعتزلة ينكرون عذاب القبر، يقولون: الله، لو نذهب إلى المقبرة ما نسمع أحد يصيح، ولا أحد يعني يعذب، ونحو ذلك من مثل هذا الكلام. والجواب عن ذلك ما قال أهل العلم: أن عذاب القبر يعني عذاب برزخي، عذاب برزخي، وهو أمر غيبي، ما يطلع عليه الناس، لا يطلع عليه الناس. نعم، في هذا الإنسان لو جلس في المقبرة ما سيسمع شيء، لأن حياة البرزخ حياة خفية غير حياة الدنيا، غير حياة الدنيا، فهو أمر غيبي، نحن نؤمن به كما أخبر به النبي ﷺ، فنؤمن بأن الناس يعذبون وينعمون في قبورهم. وكما قال شيخ الإسلام رحمه الله: ولكل حي عاقل في قبره عمل يقارنه هناك، ويسأله كما دلت على ذلك الأدلة الكثيرة. وكذلك أيضًا وفيه أن عذاب القبر يسمعه البهائم، قال النبي ﷺ: «إنهم يعذبون عذابًا تسمعه البهائم»، تسمع البهائم عذاب القبر، لهذا تصيح البهائم في بعض الأحيان قد ما يعلم الإنسان ما هو السبب، رومة تسمع شيئًا من عذاب القبر، تسمع شيئًا من عذاب القبر. ولو سمعه الثقلان كما قال النبي ﷺ في حديث البراء: لو سمعوا عذاب القبر وصياح الكافر عندما يعذب لصعقوا، أي الجن والإنس، لما تحملوا ذلك، لما تحملوا ذلك. والنبي ﷺ قد سمع، أسمعه الله من عذاب القبر، وهذا قال عليه الصلاة والسلام: لو لو يعني معنى الحديث ستتحملون لأسمعتكم مما أسمع، يعني من عذاب القبر. وقال: «لولا أن يعني تصعقوا لا أسمعتكم من عذاب القبر ما أسمع». وكما قال عليه الصلاة والسلام: وفيه كذلك أيضًا أن اليهود الذين آمنوا بما أنزل الله عز وجل على نبي الله موسى التوراة، أنهم يعلمون ويؤمنون ويوقنون بعذاب القبر، يؤمنون بعذاب القبر، وأن الواحد منهم يعذب في قبره، في هذه الأحاديث إخبار هؤلاء النسوة من اليهود بعذاب القبر، وأن المرء يعذب في قبره، وهو الحق الذي يعني جاءت شريعتنا بالإخبار به. فيكون موافقًا لما أخبر الله جل وعلا به في الكتب السابقة من أن الناس يعذبون في قبورهم. نعم، وكذلك أيضًا قد يعني يرفع الله يرفع الله عز وجل العذاب عن بعض الناس، يعني يستثنوا من عذاب القبر، يستثنون من عذاب القبر، منهم الأنبياء، الأنبياء لا يفتنون في قبورهم، لما لهم من منزلة عظيمة ومكان رفيعة عند الله جل وعلا. وهكذا أيضًا الشهداء، الشهداء في سبيل الله كذلك ألا يفتنون في قبورهم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كفى ببارقة السيوف على رؤوسهم فتنة»، لما سئل: هل الشهيد يفتن في قبره؟ فقال النبي ﷺ: «كفى ببارقة السيوف على رأسه على رأسه فتنة»، معنى أنه لا يفتن، يكفي يعني ما حصل له من رؤيته للموت عيانًا، وهو يرى السيوف تتخطف الرقاب، وهو ثابت يقاتل في سبيل الله، باع نفسه وروحه لله سبحانه وتعالى، فيؤمن من فتنة القبر. وهكذا أيضًا أخبر النبي ﷺ في بعض الأعمال أن صاحبها يفتن ويؤمن من فتنة القبر. وكذلك أيضًا يسحب للمسلم أن يكثر من الاستعاذة من عذاب القبر، في هذه الأحاديث: قالت عائشة رضي الله عنها: فما رأيته بعد أي النبي ﷺ في صلاة إلا يتعوذ من عذاب القبر، يكثر من الاستعاذة: أعوذ بالله من عذاب القبر، أي ألتج وأعتصم بالله جل وعلا من عذاب القبر. والنبي ﷺ يعني قال ذلك حتى يعلم هذه الأمة هذه العقيدة أولًا أن الناس يعذبون ويفتنون في قبورهم، وثانيًا حتى يتأسون به بمثل هذا الدعاء، ويكثرون من الاستعاذة بالله جل وعلا من عذاب القبر. وسيذكر الإمام مسلم رحمه الله حديث أبي هريرة الذي فيه الأمر بالاستعاذ من عذاب القبر في الصلاة في آخر التشهد. طيب، نكتفي بهذا القدر إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.