كتاب المساجد ومواضع الصلاة 88

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 88

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 88، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

دراسة أسانيد حديث في صحيح مسلم وتوثيق رواته

استعرض المقطع سلسلة رواة حديث أخرجه الإمام مسلم مع بيان أحوالهم من حيث الثقة والضعف وفق أقوال النقاد كابن حجر والذهبي. ركز على ترجمة أنس بن عياض والحارث بن عبد الرحمن وعبد الرحمن بن مهران موضحاً مراتب التوثيق وحكم الحديث عند وجود الوهم أو الجهالة.

فضل المساجد وذم الأسواق في الحديث النبوي

بين المقطع حديث أبي هريرة أن أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغضها أسواقها، معللاً ذلك بكون المساجد مواضع الطاعة والخير والأسواق مظنة المعاصي ومأوى الشياطين. استدل بأقوال السلف في التحذير من طول المكث في الأسواق وبيان شرف المساجد كبيوت المتقين.

أحكام دخول الأسواق والجلوس فيها بغير حاجة

أوضح المقطع أن دخول السوق للحاجة كبيع أو شراء جائز ولا حرج فيه، بينما المكث فيه وتضييع الوقت بغير حاجة مشروعة أمر مذموم غير مستحب. أكد أن من وفقه الله للزوم المساجد فقد نال خيراً عظيماً يستوجب الشكر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال إمام مسلم، الحجاج، أبو الحسين، النيسابوري، القشيري، رحمه الله، في صحيحه: «محدثنا هارون بن معروف، وهو أبو علي المروزي، وهو ثقة، وإسحاق بن موسى الأنصاري، وهو أبو موسى الخطمي القاضي». قال فيه الذهبي رحمه الله في السير: «الحافظ الثقة الحجة، كان من أئمة السنة». قالا: حدثنا أنس بن عياض، وهو ابن ضمرة، أبو حمزة الليثي، ثقة. قال فيه الذهبي رحمه الله: «سمح بعلمه جدا»، يعني: ما يمتنع من التحديث، من أراد أن يسمع منه الحديث أسمعه. وبعضهم عاب عليه ذلك، كالإمام مالك رحمه الله، وهكذا كأبي داود السجستاني رحمه الله، يعني: تساهله في التحديث. قال: وحدثني ابن أبي ذباب، في رواية هارون، وفي حديث الأنصاري: حدثني الحارث عن عبد الرحمن بن مهران. الحارث هو ابن عبد الرحمن، وهو ابن أبي ذباب، وعبد الرحمن ابن أبي ذباب. قال فيه الحافظ رحمه الله: «صدوق يهم»، قال فيه: «صدوق يهم». قال أبو زرعة: «ليس به بأس»، وقال أبو حاتم: «ليس بالقوي، ليس بالقوي، لا يضعف به»، يعني: ليس من الثقات، فهو أنزل درجة من الثقة، وليس به بأس. هذه تقال في من كان حسن الحديث، وبعضهم تكلم فيه، فالحافظ توسط بين أقوال هؤلاء إلى قولهم، فقال: «صدوق يهم»، يعني: يحصل له شيء من الأوهام، فهو حسن الحديث إلا فيما وهم فيه، فإنه لا يقبل. قال: عن عبد الرحمن بن مهران، مولى أبي هريرة، وهو أبو محمد. وثقه، أو قال الذهبي فيه: «صدوق». قال الذهبي فيه: «صدوق». والحافظ رحمه الله في التقريب يقول: «مقبول». ومعنى مقبول: أي أنه مجهول الحال، أنه مجهول الحال. لكن مادام الذهبي قد قال فيه: «صدوق»، فهو حسن الحديث، فهو حسن الحديث. ومجهول الحال: من هو مجهول الحال؟ ها، من هو مجهول الحال أيها؟ نعم: مجهول الحال من روى عنه اثنان ولم يوثقه معتبر لمن يعتبر توثيقه، يقال فيه: مجهول حال، ومجهول العين. نعم: من روى عنه واحد ولم يوثقه معتبر. فالآن هذا ابن أبي ذباب، وثقه الذهبي، الذهبي يقول فيه: «صدوق»، والذهبي ممن يعتبر توثيقه وتعديله، وعلى هذا فلا يكون مجهول حال كما قال فيه الحافظ بالتقريب، بل هو حسن الحديث. قال: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها». والحديث جاء عند الإمام أحمد والحاكم من حديث جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه. فهذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأن أحب البلاد، أي: البقاع، أحب البقاع إلى الله سبحانه وتعالى المساجد، وأبغض البلاد إلى الله الأسواق. أحب البلاد إلى الله المساجد لأنها مواضع الطاعة والعبادة، مواضع الطاعة والعبادة، فيكثر فيها الخير ويقل فيها الشر، يقبل فيها العبد على عبادة الله: الصلاة، وقراءة القرآن، وتعليم العلم، وذكر الله، وكذلك أيضا من استغفار وغير ذلك من العبادات والطاعة. فالمساجد هي مواضع العبادة والطاعة، فلذلك كانت أحب البلاد والبقاع إلى الله سبحانه وتعالى. وأما الأسواق فهي مواضع يكثر فيها الشر ويقل فيها الخير، فيقع في الأسواق أنواع من المعاصي والذنوب: من الكذب، والغش، والخداع، والمكر، وكذا شهادة الزور، وكذلك أيضا ما يحصل من وساوس الشيطان، وتعامل بالربا، وهكذا كثير من المعاصي التي ربما يتعامل بها الناس في أسواقهم. فلذلك كانت الأسواق من أبغض البقاع إلى الله سبحانه وتعالى، وهي أيضا مأوى الشياطين، الشيطان كما جاء بحديث سلمان: «فيها باض وفرخ»، أي: في الأسواق. وهذا قال: «إذا استطعت أن تكون آخر من يدخل إلى السوق فافعل، وأول من يخرج منها فافعل ذلك». فإذا أحب البلاد إلى الله والبقاع إلى الله هي المساجد، فهي بيوت المتقين، وبيوت الصالحين والمؤمنين: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾. وهكذا يقول الله جل وعلا: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. نعم، وإذا كان الأمر كذلك، فمن وفقه للزوم المساجد فقد وفق لخير عظيم، وهذا مما وفق الله سبحانه وتعالى به طلاب العلم، فهم ملازمون لبيوت الله، ملازمون لبيوت الله لأفضل البقاع عند الله سبحانه وتعالى، يصبحون ويضحون، وهكذا يمسون في يومهم ونهارهم وصباحهم ومسائهم وهم في بيت الله، ما شاء الله، نعمة عظيمة، يتقلب من درس إلى آخر ومن عبادة إلى أخرى، نعمة عظيمة تحتاج إلى شكر حتى يديمها الله سبحانه وتعالى علينا. والناس سبحان الله، يعني في الأسواق، حرموا هذه النعمة، حرموا هذه النعمة، وهذا فضل الله سبحانه وتعالى يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. وفي هذا الحديث دليل على جواز إطلاق لفظ البلاد على القرية الصغيرة، يقال مثلا: في القرية الصغيرة: البلدة الفلانية، يعني مثلا في طيبة لو قلنا: بلدة طيبة، لا بأس. أحب البلاد إلى الله المساجد، قد يكون مسجد صغير، قد يكون صغيرا ويقال له بلدة، وهكذا أبغض البلاد إلى الله أسواقها، قد تكون السوق صغيرا ويقال له بلدة. نعم، فأحب البلاد إلى الله المساجد، وأبغض البلاد إلى الله الأسواق. لكن ليس معنى هذا أن الإنسان لا يدخل السوق، لا بأس أن تدخل السوق، تدخل السوق للحاجة، تريد أن تبيع أو تشتري أو تقضي حاجة، لا حرج في ذلك، لا حرج في ذلك. لكن الذي يذم هو الجلوس في السوق لغير حاجة، الجلوس والمكث في السوق وتضييع الأوقات فيه من غير حاجة، هذا الذي لا ينبغي. أما يدخل الإنسان السوق لحاجة من بيع أو شراء أو قضاء أمر فلا بأس بذلك. طيب، هذا ما يتعلق بهذا الحديث، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر