الدرس في كتاب الصيام 29، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستعرض المقطع سند حديثين في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، الأول في قول الصائم إذا دعي إلى طعام: «إني صائم»، والثاني في النهي عن الرفث والجهل وأمر الصائم بالقول عند الشتم أو القتال: «إني صائم، إني صائم». ويبين الشيخ أن الدعوة عامة تشمل الوليمة وغيرها مع توضيح ألفاظ رفع الحديث في الرواية.
إجابة دعوة الوليمة واجبة لقول النبي صلى الله عليه وسلم، بينما إجابة غيرها من الطعام مستحبة فقط. إذا دعي الصائم إلى وليمة فليعتذر بقوله: إني صائم، فإن أصر صاحب الدعوة حضر ودعا له ولا يلزمه الفطر، ويستحب الفطر إن كان دخوله يسر صاحب الوليمة، أما صوم الواجب كقضاء رمضان فلا يفطر فيه.
يشرح المقطع أن حقيقة الصيام ليست مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، بل تشمل صيام الجوارح عن المحرمات كالرفث والجهل. ويستعرض حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يوجه الصائم عند شتمه أو مقاتلته أن يجهر بقوله "إني صائم" تذكيراً لنفسه وللمعتدي بحرمة الصيام، مع بيان أن الإثم يقع على البادئ بالسب ما لم يعتد المظلوم في رده.
يجب على الصائم أن يصوم جوارحه عن المحرمات، فيبتعد عن السب والشتم والأذى بالقول أو الفعل، ويتحلى بحسن الخلق والطباع. ويؤكد المقطع على ضرورة الابتعاد عما يغضب الله سبحانه وتعالى لتحقيق كمال الصيام.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الأشرف بالخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري، القشيري، رحمه الله، في صحيحه: قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وهو عبد الله بن محمد بن إبراهيم الحافظ، قال: وعمر الناقد، وهو عمر بن محمد بن الناقد، أبو عثمان الحافظ، قال: وزهير بن حرب، وهو أبو خيثم النسائي، قال: وحدثنا سفيان بن عيينة، وهو أبو محمد الهلالي. قال ابن وهب: ما رأيت أعلم بكتاب الله من ابن عيينة، ما رأيت أعلم بكتاب الله من ابن عيينة. وقال يحيى القطان: قال سفيان بن عيينة: عندنا إمام منذ أربعين سنة، سفيان بن عيينة عندنا إمام منذ أربعين سنة. ذكر الإمام النووي، رحمه الله، في كتابه "تهذيب الأسماء واللغات" في ترجمته: أنه قرأ القرآن وهو ابن أربع سنين، وحفظ الحديث وهو ابن سبع سنين. وهذا يعني من الأشياء النوادر من النوادر أن الصغير في مثل هذا السن يقرأ القرآن في مثل هذا السن الصغير، لكن وجد من السلف، وإن كانوا قلة، من كانوا كذلك، آتاهم الله جل وعلا ذكاءً وحافظة، والتوفيق من الله سبحانه وتعالى. قال: عن أبي الزناد. من أبو الزناد؟ ها. من أبو الزناد؟ أسيتم؟ ها. لا، عبد الله. نعم، عبد الله. أبو الزناد. أبو الزناد. وعن الأعرج، وهو... ها. من لا؟ ها. ابن... ابن هرمز. من اسمه؟ عبد الرحمن. نعم، عبد الرحمن بن هرمز بن كيسان، الأعرج، وهو ثقة ثبت. وكذلك أيضًا أبي... أبو الزناد أيضًا ثقة فقيه. قال: قال عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال أبو بكر بن أبي شيبة رواية، وقال عمر: يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه من ألفاظ رفع الحديث: يبلغ به، أو يرفعه، أو ينميه. وقال: وقال زهير: عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل: إني صائم. قال: حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، رواية، قال: إذا أصبح أحدكم يومًا صائمًا فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم. هذا الحديث الأول، أو هذان الحديثان الأول. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل: إني صائم. يعني يعتذر لصاحب الطعام بأنه صائم. وقوله: إذا دعي أحدكم إلى طعام، هذا عام، سواء كان الطعام مما يجب إجابة صاحبه كطعام الوليمة، أو كان مستحبًا كغيره من الأطعمة، أو الدعوة التي يدعى إليها الإنسان. الحديث عام يشمل هذا وهذا. لكن إجابة دعوة الوليمة واجبة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من دعي إلى وليمة فلم يجب فقد عصى الله ورسوله»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وأما غيرها من الولائم، وكذلك إجابة الطعام غير الوليمة، فهو مستحب، مستحب ليس بواجب. لأن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل ودعاه إلى طعام، وكان عنده عائشة، قال: وهذه؟ قال: لا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا. ثم جاءه مرة أخرى، قال: وهذه؟ قال: لا. قال: من نسلم؟ لا. ثم المرة الثالثة، قال: وهذه؟ قال: نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم. فالشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجبه في هذه الدعوة التي دعاه إياها، ولم تكن دعوة وليمة، دل على أنه ليس بواجب إجابة دعوة الطعام إلا الوليمة. فعلى كل، إذا دعي إلى طعام، سواء كان وليمة أو غير وليمة، وكان صائمًا، فليعتذر له، يعتذر لصاحب الطعام بقوله: إني صائم. فإن قبل ذلك فالحمد لله، وإن لم يقبل، قال: لا بد من الحضور، فحينئذ يحضر، خاصة إذا كانت دعوة وليمة، فإنه يلزمه أن يحضر. لكن هل يلزمه أن يفطر وأن يأكل؟ الجواب: لا، ما يلزمه. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرًا فليطعم، وإن كان صائمًا فليصلِّ»، يعني يدعو لصاحب الطعام. فإذا لم يأذن له صاحب الطعام بالتخلف، فلا بأس أن يذهب ويحضر الوليمة، ويدعو له، يدعو لصاحب الوليمة، ولا يلزمه أن يفطر. لكن ما حكم الفطر في مثل هذه الحال؟ قال أهل العلم: إذا كان فطره وأكله من طعام هذه الوليمة مما يأنس به صاحب الوليمة، ويدخل عليه السرور، فلا بأس أن يفطر. المستحب في مثل هذه الحال أن يفطر. وأما إن كان حضوره وأكله لا يزيد من الأمر شيئًا، هو كغيره من الناس، فهنا له أن يبقى صائمًا، يستمر في صيامه، يستمر في صيامه. هذا إذا كانت الوليمة ليس فيها شيء من المنكرات والمعاصي والذنوب. فإن كان هناك منكر، وإذا حضر لم يغير هذا المنكر، فحينئذ لا يجب عليه أن يحضر، ولا أن يجيب هذه الدعوة. وأما إن سلمت من المنكرات والمعاصي، وأراد، كما سمعتم، أن يحضر، فلا بأس أن يحضر، ويدعو لصاحب الطعام. وإذا كان هذا الصيام صيام تطوع ونافلة، هذا الكلام إذا كان الصيام صيام تطوع ونافلة، كصوم يوم الاثنين أو الخميس، أو ثلاثة أيام من كل شهر. أما إذا كان الصوم واجبًا، كصيام قضاء من رمضان، فهنا لا يفطر، هنا لا يفطر، لأن هذا الصوم واجب، فيجب عليه أن يستمر في صيامه. وقوله: فليقل: إني صائم. يعني يخبر له بذلك، يعلمه أنه صائم، حتى يعذره، حتى يعذره، يعني يعلم أن عدم حضوره ليس لأجل التكبر، ويعني عدم مراعاة لحاله، وإنما لأجل أنه صائم. فإن عذره بسبب ذلك فالحمد لله، وإن لم يعذره، وقال: لابد أن تحضر، فكما سمعتم أنه يحضر، ويدعو له. وفي الحديث الآخر، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: إذا أصبح أحدكم يومًا صائمًا فلا يرفث ولا يجهل. الرفث: هو القول الفاحش، القول الفاحش، أي لا يتكلم بكلام فاحش، وبكلام باطل. والجهل: هو السفة، كأن يسب ويشتم ونحو ذلك. فإن هذا ينافي ما ينبغي أن يكون عليه الصائم من صومه عن المحرمات والذنوب والمعاصي والخطايا. فليس حقيقة الصيام بترك الطعام والشراب ونحوها من المفطرات من الأمور المباحة، ثم يقع في أنواع من المنكرات. بل ينبغي أن تصوم جوارحه عما حرم الله سبحانه وتعالى من الكلام المحرم، ومن سماع الحرام، ومن كذلك النظر إلى الحرام، وغير ذلك من المحرمات. لهذا أوصى النبي عليه الصلاة والسلام أن الصائم ينبغي أن يصوم عن مثل هذه الأمور من الرفث والجهل والسفة، قول الباطل، وقول الزور، إلى آخر ذلك. قال: فإن امرؤ شاتمه أو قاتله. يعني: إن أخطأ عليه إنسان فشاتمه، شتمه وسبه، أو قاتله، يعني أراد أن يضربه، أو يمد يده عليه، أو شيء من ذلك، أو أراد ابتداء المقاتلة والمضاربة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: فليقل: إني صائم، إني صائم. يقول: هذا على الصحيح جهرًا، يجهر له بذلك أنه صائم، وأن الصائم لا ينبغي أن يفعل شيئًا ينافي الصيام من مثل هذه الأقوال، من سب أو شتم أو مقاتلة أو مضاربة. فهذا ينافي ما ينبغي أن يكون عليه الصائم. وهو يذكره بهذا حتى يكف عن مثل هذه المشاتمة والمقاتلة. وكذلك أيضًا يذكره أنه ما يمنعه أن يرد عليه إلا أن كونه صائمًا، وليس بعاجز، ليس بعاجز أن يسبه كما سب، ويكون الإثم على البادئ. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المتسبان ما قالا، فعل البادئ منهما، ما لم يعتدي المظلوم». المتسبان ما قالا، فعل البادئ منهما، يعني الإثم على الذي بدأ، والذي رد على من بدأ بالسب بمثل ما قال، ليس عليه شيء، ليس عليه شيء. يعني مثلًا لو قال: يا حمار، قال: أنت الحمار. الآثم هو الأول، والثاني ليس عليه شيء. لكن لو زاد: أنت حمار، وكل... شاركه في الإثم، أصبح آثمًا مثله. قال: ما لم يعتدي المظلوم. فإذا زاد في السب، اعتدى، فصار حينئذ مشاركًا له في الإثم. لكن كونه صائمًا، ما يليق بالصائم أن يأتي بمثل هذه الكلمات. لهذا يقول: إني صائم، إني صائم. فينبغي أن يكف عن مثل هذه الأفعال وهذه الأقوال التي تنافي الصيام. والمقصود من ذلك أن الصائم ينبغي أن تصوم جوارحه عما حرم الله سبحانه وتعالى، فلا يليق بالصائم أن يكون سبابًا، شتامًا، لعانًا، طعانًا، مؤذيًا للناس بلسانه أو بيده أو بجوارحه، بل يكون على غاية من حسن الأخلاق، وكذلك حسن الطباع، والبعد عما يغضب الله سبحانه وتعالى. وأن أذية الناس بقول أو فعل... طيب الله هنا... صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. ورجعه لكزنة أخوة.