الدعاء الذي لا يرد للشيخ عبدالرزاق العباد 5

الدرس في الدعاء الذي لا يرد للشيخ عبدالرزاق العباد 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

خشوع القلب وانكساره في الدعاء

يبرز المقطع أن حقيقة العبودية تتجلى في تضرع العبد وانكساره بين يدي ربه، مستدلاً بقول ابن القيم إن العبادة غاية الحب مع غاية الذل. كما يستعرض تفسير آية ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ عند الطبري وابن عباس مؤكداً أن الخشوع وخفض الصوت من آداب الدعاء الأساسية.

آداب الدعاء والذكر: خفض الصوت والتضرع

يرشد النبي ﷺ أصحابه إلى خفض أصواتهم في الدعاء والذكر لأن الله سميع قريب مطلع، فلا حاجة للرفع أو الصياح. ويؤكد العلماء كابن حجر والنووي استحباب خفض الصوت إلا في مواضع ورد الشرع برفعه، محذرين من أن الجهر المبتدع يخالف الهدي النبوي.

النهي عن الأذكار المحدثة كترديد "هو" و"الله" جماعياً

يبيّن المقطع أن تكرار ضمير "هو" أو لفظ الجلالة "الله" وحده دون حمد أو ثناء ليس من الأذكار الشرعية بل بدعة لم يفعلها النبي ﷺ ولا الصحابة. وتشمل المخالفات كونها محدثة، ورفع الصوت فيها، والجماعية على هيئة لم ترد، والنبي ﷺ دل الأمة على كل خير.

التمسك بالسنة والتحذير من نسبة الكتمان للنبي ﷺ

يختم المتحدث بتوبيخ من يزعمون أن النبي ﷺ كتم علماً ولم يبينه للأمة، داعياً إياهم لمراجعة أنفسهم والعودة إلى رشدهم. ويؤكد أن التمسك بسنة النبي ﷺ هو الخير للعبد في الدنيا والآخرة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -أفقه الله- في رسالته "الدعاء الذي لا يرد" في ذكر أسباب إجابة الدعاء التي ذكرها الإمام ابن القيم -رحمه الله- في كتابه "الجواب الكافي": "الأمر الثالث: خشوع القلب وانكساره بين يدي ربه عز وجل ذلاً وتضرعاً". قال: هذا الأمر الذي ذكره الإمام ابن القيم -رحمه الله- مهم للغاية في باب الدعاء، وفي غيره من العبادات. فمن تحقيق العبودية أن يكون العبد متضرعاً متذللاً إلى خالقه ومولاه عز وجل، وهذا هو أصل العبادة. أصل العبادة هي غاية الحب مع غاية الذل، كما قال ابن القيم -رحمه الله-: «عبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده، هما قطبان». فغاية الحب مع غاية الذل، هذان هما ركن العبادة. فلا تتحقق العبادة إلا إذا كان العبد محباً لربه، وكان ذليلاً خاضعاً لخالقه سبحانه وتعالى. فلا يستغني العبد عن هذين الوصفين في سائر العبادات، سواء كان في باب الصلاة، أو الصيام، أو الحج، أو العمرة، أو كذلك الجهاد في سبيل الله، أو غير ذلك من الطاعات والعبادات، ومنها الدعاء. قال: لا سيما وقت الدعاء والطلب، كما قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. قال الطبري -رحمه الله- في تفسيره: "تضرعاً: أي تذللاً واستكانة لطاعة، وخفية: أي بخشوع قلوبكم". وذكر كذلك غيره من أهل التفسير نحو هذا المعنى. ودل هذا على أن الدعاء، بل العبادة على جهة العموم، لا بد أن تكون على هذا الحال وهذا الوصف، أن يكون العبد متضرعاً متذللاً. فالله عز وجل أمرنا بدعائه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، تضرعاً: أي تذللاً واستكانة، وخفية: أي بخشوع القلب وانكساره. قال: فينبغي أن يعتلي حال الداعي الخشوع والانكسار عند سؤاله ربه، يعني يظهر العبد افتقاره إلى ربه وتذلله وخضوعه وانكساره بين يديه. قال: وأن يناجيه بصوت خافت، بخضوع وأدب. ولهذا جاء عن ابن عباس أنه قال في تفسير الآية: "أي سراً"، يعني لا يجهر بصوته، ولا يرفع صوته، لأن هذا ليس من الأدب، بل من الأدب خفض الصوت، وخاصة في مناجاة العبد لربه. قال: ولهذا لما سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- بعضاً من الصحابة يرفعون أصواتهم بالذكر والدعاء، قال: «يا أيها الناس، أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً قريباً، وهو معكم». والحديث الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله تعالى عنه-. فالنبي -عليه الصلاة والسلام- حث صحابته -رضوان الله عليهم- على خفض الأصوات في دعائهم لربهم، وفي ذكرهم لله، وأن لا يشق العبد على نفسه برفع الصوت والصياح. فالله عز وجل يسمع دعاء عبده وطاعته، كذلك عبده إذا أطاعه وذكره. ﴿إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمًّا وَلَا غَائِبًا﴾، الله عز وجل يسمع أصوات الداعين وإن اختلفت لهجاتهم وتفرقت لغاتهم، وليس جل وعلا بغائب، بل هو قريب منهم. ﴿إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ﴾، أي بعلمه وإحاطته واطلاعه. فما عليكم إلا أن تدعوه وهو يسمع لدعائكم، لا يحتاج أن ترفعوا أصواتكم، بل تدعوه بتضرع وتذلل وخضوع وأدب واستكانة، فإن هذا أدعى إلى إجابة الدعاء. قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "فيه كراهية رفع الصوت بالدعاء والذكر، وبه قال عامة السلف من الصحابة والتابعين". قال: وذكر هذا في كتابه "فتح الباري بشرح صحيح البخاري". قال: وبوب الحافظ النووي -رحمه الله- على هذا الحديث، أي في شرحه لصحيح مسلم، قال: "استحباب خفض الصوت بالذكر، إلا في المواضع التي ورد الشرع برفعه فيها". استحباب خفض الصوت بالذكر، المستحب في الذكر أن تخفض صوتك، وتذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة، ودون الجهر من القول بالغدو والآصال، ﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾. ﴿وَادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾. المستحب في الذكر خفض الصوت، لا بالصياح كما يفعل الكثير من الناس اليوم، هداهم الله، الذين يرفعون أصواتهم ويصيحون عبر مكبرات الصوت، ويزعمون أنهم يذكرون الله، وربما أزعجوا الحاضرين والمصلين والقارئين والتالين بهذا الذكر الذي يريدون يتقربون به إلى الله، وهم يخالفون هدي رسول الله -عليه الصلاة والسلام-. وربما كان هذا الذكر ذكراً محدثاً ليس من سنة النبي -عليه الصلاة والسلام-، كمن يذكر الله عز وجل بتكرير لفظ الجلالة: "الله، الله، الله، الله"، أو هو كأنهم ينبحون كالكلاب. من أين هذا الذكر؟ هل أمر بهذا النبي -عليه الصلاة والسلام-؟ أبداً. أو فعله الصحابة -رضوان الله عليهم- الذين هم خير هذه الأمة بعد النبي -عليه الصلاة والسلام-، وأحرصهم على الطاعة والعبادة والاقتداء برسول الله -عليه الصلاة والسلام-؟ أبداً ما فعلوا هذا. ما أغنتهم الأذكار الشرعية الثابتة عن النبي -عليه الصلاة والسلام- حتى يأتوا بهذه الأذكار المحدثة التي لم يدل عليها شرع، ولا يقبلها عقل. ما يقبلها عقل: يكرر ضمير "هو، هو، هو"، إيش من ذكر هذا؟ بل كما قال أهل العلم: لو أن إنساناً أتى إلى ملك من الملوك، وجعل يكرر اسمه، لو أن اسم هذا الملك مثلاً "محمد"، وجعل يقول: "محمد، محمد، محمد، محمد"، سيغضب، سيقول: "إيش تريد؟ إيش تريد؟ تكرر اسمي، إيش المطلوب؟". وهكذا حال هؤلاء: "الله، الله، الله، الله"، إيش؟ أين الحمد؟ أين الثناء؟ أين التعظيم؟ أين الإجلال؟ أما تكرير لفظ الجلالة، أي ما فيه تعظيم، ولا ثناء، ولا حمد لله سبحانه وتعالى. ما تجد في ذكر من الأذكار الشرعية تكرير لفظ الجلالة وحده أبداً، وإنما تجد جملاً تدل على حمد وثناء وتنزيه وإجلال لله: "سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، لا إله إلا الله، والحمد لله، والله أكبر"، ونحو ذلك. هذه الأذكار الشرعية التي جاء بها النبي -عليه الصلاة والسلام-. وزد على هذا أنهم يأتون بها برفع الصوت والصياح، فخالفوا من عدة جهات: كون هذا الذكر محدث، ويأتون به كذلك أيضاً برفع الصوت والصياح، وهذه مخالفة أخرى، ويأتون به كذلك بصوت جماعي، وهذه مخالفة أخرى. كل هذه مخالفات عديدة في هذه الأذكار التي يفعلها هؤلاء، هداهم الله، وأرشدهم الله عز وجل للحق والهدى. وخير الهدي هدي محمد -عليه الصلاة والسلام-، وهو القائل -عليه الصلاة والسلام-: «ما من خير إلا ودللتكم عليه، وما من شر إلا وحذرتكم منه». ما من خير إلا دلنا عليه النبي -عليه الصلاة والسلام-. إذا كان هذا الذكر من الخير، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- ما دلنا عليه. وإذا كان الأمر كذلك، فيكون النبي -صلى الله عليه وسلم- قد كذب، كذب على الأمة، حين قال أنه ما من خير إلا دلهم عليه. ثم أنتم تأتون بهذه الأذكار وتزعمون أنها خير؟ هذا الخير ما علمه النبي -عليه الصلاة والسلام- وعلمتموه أنتم؟ أم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- علمه وكتمه، ولم يبينه للأمة، حتى بينتموه أنتم؟ فلا ينبغي لهؤلاء أن يراجعوا أنفسهم، وأن يعودوا إلى رشدهم، ويتمسكوا بسنة نبيهم -عليه الصلاة والسلام-، فذلك الخير لهم في الدنيا والآخرة. أكتفي بهذا القدر إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.