شرح كتاب التوحيد 80

شرح كتاب التوحيد 80

الدرس في شرح كتاب التوحيد 80، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

ضلال من يدعو غير الله وتفسير الآية الكريمة

يشرح المقطع معنى الآية الكريمة "ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة" ويبين ضلال من يدعو غير الله. الآية تشير إلى أن المدعوين لا يستطيعون الاستجابة.

تأكيد ضلال دعاء غير الله وعدم استجابتهم

المقطع يبين أن من يدعو غير الله ضال بغض النظر عن رتبته العلمية أو منزلته، لأن الدعاء عبادة يجب أن تصرف لله وحده. المعبودات من دون الله لن تستجيب حتى يوم القيامة بل ستتبرأ من عابديها.

فضل دعاء الله والصلاة على النبي

المقطع يبين فضل دعاء الله الذي يستجيب لعباده ويقرب إليهم، بينما يُظهر الختام الرغبة في نيل رضا الله والبركة النبوية من خلال الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويُتبع بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

  • 20 جمادى الآخرة 1444هـ - 12/01/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف -رحمه الله تعالى- وقوله تعالى: ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة﴾ أورد المؤلف -رحمه الله تعالى- هذه الآية في سياق كلامه على مسألة الاستغاثة والدعاء لغير الله، أنه من الشرك في الله سبحانه وتعالى. فأورد -رحمه الله تعالى- هذه الآية: ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة﴾، وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿ومن أضل﴾ هذا استفهام، إلا أنه متضمن للنفي، والتقدير أي لا أحد أضل ممن سيأتي ذكره. قال سبحانه: ﴿ومن أضل﴾ والضلال هنا كما قال المفسرون هو التيه عن الطريق الصحيح، يقال فلان ضال، أو فلان ضل الطريق، أو تلك ضال، أي تاهت وضاعت عن الطريق الصحيح الواضح البين. فهذا الصنف الذي قال عنه ربنا جل وعلا: إنك يا عبد الله لن تجد صنفا فيه هذا الضلال أعظم، ولا أكثر من هذا الصنف، قال سبحانه: ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة﴾، أي هذا الصنف وهو من توجه لغير الله جل وعلا بالدعاء والنداء، يسأله ويطلب منه، هذا من أشد الناس ضلالة. فإذا أردت أن تتعرف على مراتب الناس في الضلال، اجعل هذه المرتبة الأولى أضل الناس، هو من التوجه لغير الله، ولا عبرة حينها يا عبد الله بما كان في حق صاحبها من العلوم والفهوم، فهو ضال. فمثلا من توجه لعيسى عليه السلام، وتوجه إلى عزير -كحال اليهود- كحال النصارى، فهؤلاء ضلال، ولو كانوا -في نظرنا- أنهم قد حازوا العلوم ووصلوا إلى التكنولوجيا المتقدمة، وأبهروا الشرق والغرب بما قدموه لنا من استنتاجات واختراعات، لكنهم في الحقيقة ضلال. وكذلكم الهندوسي في بلاد الهند، والذي عبد البقر والجاموس، فيتوجه للأبقار بالدعاء والنداء والاستغاثة، هذا ضال، ولو أنه عند قومه بروفوسور، نعم تذهب إلى بلاد الهند تجد هذه الألقاب تطلق على أمثال هؤلاء، أنه بروفوسور، أنه عبقري، أنه المنتهى في علم الطب أو في بعض أنحائه، وصوره، لكنه بالمقابل يعبد البقر، فهو ضال، هو ضال مضل. وهكذا مثله ما نجده من ينتمي إلى هذه الأمة الإسلامية ممن ينتسب إلى العلم والفكر، وهو مع ذلك يتوجه إلى غير الله بالدعاء والابتهاج والابتهال والإلحاح، فيتضرع للرفات والأموات، فهو في الحقيقة ضال، ولو كانت عليه عمامة، فهو ضال بنص القرآن: ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة﴾. فكل من تراه يا عبد الله توجه إلى غير الله بالدعاء، فهو ضال، بغض النظر عن رتبته العلمية أو عن منزلته التعريفية، فهو ضال، وهذا يا عبد الله عين الضلال، بأنك تتوجه إلى من لا يستجيب لك دعاء، ولا إغاثة، ولا نفع، ولا ضر. فقال سبحانه: ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله﴾، وأشرنا أن معنى "من دون الله" يشمل في ذلك غير الله، ويشمل ذلك مع الله، فكل ما هو دون الله لا تصرف له الدعاء أبدا، سواء كان ملكا مقربا أو نبيا مرسلا، لا يصرف لأحد شيء من أنواع العبادات، ومنها الدعاء، فإن صرفه وتوجهه يكون لله وحده جل في علاه. قال: ﴿من لا يستجيب له إلى يوم القيامة﴾، فهذه الآية تناولت الداعي، وتناولت المدعو، فالداعي وصفه الله جل وعلا بأنه ضال، وأما المدعو وصفه ربنا جل وعلا أنه لا يستجيب، ما عنده قدرة على الإجابة. لأن هذه الأشياء التي يتوجه لها بالدعاء إما أنها من جنس الكائنات المخلوقات من إنس أو من جان، فهؤلاء ما عندهم قدرة لأنهم أموات، والميت لا يستطيع أن ينفع نفسه فضلا أن ينفع غيره. وإذا كان هذا الميت من الصالحين، فهو مشغول بالنعيم الذي أنعمه الله له، وإن كان هذا الميت من الكفار المشركين ومن الضالين، فهو مشغول بعذابه وما أعده الله من السعير، فكيف يلتفت إلى غيره؟ وإن كان هذا المدعو من الجمادات من الأجار والأحجار، فهذه لا تملك شعورا، ولا تستطيع ضرا ولا نفعا، فإذا وجد هذا الصنف من المدعوين أنهم كلهم اتفقوا على عدم الاستجابة، فعلى من يعبد الله تلجأ إليهم وتعلق عليهم؟ فهذا هو الضلال بعينه. فقال سبحانه وتعالى: ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة﴾، أي أنك يا عبد الله في ضياع، وهذا الضلال مدة إقامتك على هذه المعبودات، فإذا عثر على أن إنسانا قد تعلق قلبه بمثل هذه الذوات من الأجار والأحجار، ومن المخلوقين من الأولياء والصالحين، فيلتجئ إليهم بالدعاء، ولا يزال هذا حاله حتى تفنى الدنيا، فهو في ضلال. وكلما زاد بك العمر وأنت يا عبد الله تتوجه له مثل هذه الكائنات بالدعاء، فأنت يا عبد الله تزداد ولوجا في الضلال ورسوخا فيه حتى تقوم القيامة، اعلم أنهم لن يستجيبوا لك أبدا. وقد أشرنا إخواني في الله أنه قد يقول قائل: كيف هذا وأنا قد جربت أن قد دعوت غير الله، دعوت قبرا وليا فاستجيب لي؟ يقال: إن هذا من باب الابتلاء، وأن هذا من باب الامتحان والافتتان، وأن هذا من باب الاستدراج، فالله سبحانه وتعالى وحده هو الذي يعطيك ما تؤمل وما تسأل. فمن كان داعيا غير الله سبحانه وتعالى، فهو في ضلال مدة حياته، ومن العجيب ما يذكر إخواني في الله من صور الضلال ما سمعناه مما نسبعه في بلاد الكفر والشرك ممن يعبد الأصنام والأوثان. أن الأصنام كيف يتحصل عليها صاحبها؟ يتحصل عليها بأن يشتريها من الأسواق، عندنا نحن كأهل الإسلام عندنا أسواق لبيع السيارات، أسواق لبيع الألبسة، أسواق لبيع الخضار والفاكهة، وأسواق لكذا وكذا من المنتوجات، هناك في بلاد الكفر هناك شوارع وأسواق خاصة أعدت لبيع الأصنام. تدخل إلى محل فتجد ما لذ وطاب -صح التعبير- من هيئات وصور وأشكال للأصنام، ذاك الصغير، ذاك الكبير، ذاك الطويل، ذاك العريض، ذاك الأحمر، ذاك الأصفر، ذاك على صورة آدم، وذلك على صورة أجسام -الله أعلى بكنهها وماهيتها- أشكال غريبة قد جعلت في الرصوص وفي الصفوف، وقد رصت رصا فيأتي هذا الزبون ويطلب: أنا أريد إله المطر، أريد إله الحب، أريد إله العافية، أريد إله السعادة. فتعرض الأسعار على هذه المنتوجات من الأصنام، فيأتي هذا الزبون ويشتري بغيته من الآلهة التي يحبها، فيشتريها ويدفع فيها مالا، ويأخذ هذا المنتوج صخرة أو خشبة أو حجرة قد نحتت ببضع ريالات، فعلها فلان وفلان في بيت وفي محل وفي معرض. ثم يؤتى بهذا الإله الذي تلاعبت به الأيدي، وبيع بثمن بخس، ثم يجعله الزبون إلها يعبد من دون الله، فيستغيث به ويتوكل عليه ويسأله إلى أن تمضي الدنيا بما فيها، هل هناك بعد هذا الضلال ضلال؟ لا والله، كمال الضلال، كمال الضلال. وهذا الذي نجده في كل من توجه إلى غير الله من المعبودات، حتى من الأموات، كما أشرنا في درس أمس، لا زال أصحاب القبور يتناقلون من ضريح إلى ضريح، ومن رفات إلى رفات، وهم عن دعائهم غافلون، وهذا الميت غافل عن دعائك يا عبد الله، غافل عما يعمله من في الخارج من الدعاء والإلحاح عليه، ويطلب منه المدد، ويطلب منه الولد، هو ما نفع نفسه في دنيا فكيف ينفعك يا عبد الله بعد ما مات؟ وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿من لا يستجيب له إلى يوم القيامة﴾ وضع ربنا جل وعلا حدا، أي أن هذه المعبودات مهما دعيت فهي لن تجيب، مهما دعيت فهي لن تجيب إلى متى؟ إلى يوم القيامة. طب هذا الحد ماذا يفهم منه؟ هل ما بعد ذلك أن بعد القيامة أن هذه المعبودات قد تستجيب؟ الجواب: لا، ما قد تستجيب لا في الدنيا ولا في الآخرة. طب لماذا جعل ربنا سبحانه وتعالى حدا لإجابتها: ﴿من لا يستجيب له إلى يوم القيامة﴾؟ لماذا جعل ربنا الحد إلى يوم القيامة؟ قال العلماء: لأن ما بعد القيامة يتغير الموقف، موقف المعبودات التي تعبد وتدعى من دون الله من الأجار والأحجار والأصنام والأوثان والإنسان والحيوان والجان، مهما كان صنفه ورتبته، إن دعيت من دون الله جل وعلا فهي غافلة، وهم عن دعائهم غافلون، غافلة هذا حالهم في الدنيا. لكن إذا قامت القيامة تحولت هذه الغفلة إلى مرحلة أخرى وهي مرحلة العداوة، وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء، هذه المعبودات الساكتة الصامتة التي ما أرجعت نفعا ولا ضرا ولا إجابة إلى معبوديها، فإنها تؤخر جوابها إلى يوم الساعة، فإذا قامت القيامة وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء، هذه الذوات والمعبودات ستتبرأ من معبودها، لكن متى؟ يوم القيامة، أما في الدنيا سكوت، استدراج، استدراج لهذه العوالم ممن لم تعظم الله سبحانه وتعالى، فتركت الباري جل في علاه لا دعاء ولا تضرع، فهي صامتة. لكن إذا قامت القيامة حينها تظهر الحقائق، فينطق الله جل وعلا هذه المعبودات من الأجار والأعجار والأصنام والأوثان، وتتبرأ من معبودها، لكن متى؟ يوم لا ينفع فيه الندم، فاحذر يا عبد الله أن تبتلى بهذا الأمر العظيم، أنك تظهر لك الحقائق في وقت لا ينفع فيه الندم. وإذا كان هذا الذي وصفه ربنا جل وعلا في حق المعبودات، بل وحق الداعي والمدعو، لا أحد منهم يملك للآخر نفعا ولا ضرا، تأمل إلى وصف الله جل وعلا، ما الذي قال ربنا عن نفسه؟ ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان﴾. فرق يا عبد الله بين الأمرين، فرق بين من يلتجئ إلى الله جل في علاه دعاء ورغبة وطلبا ونداء واستغاثة، وبين من يدعو غيره، من دعا غير الله فهو في ضلال ولن يحقق الله رجاه، وأما من سأل الله ودعى الله، فالله جل وعلا قريب منك، أجيب دعوة الداعي إذا دعان. فقط أدع، إذا دعوت اقمئني يا عبد الله، ستأتيك الإجابة عاجلا غير آجل، إما في الدنيا محقق أو في الآخر مؤجل، فمن دعا غير الله فلن يعدم من خير، فهذا الشاهد من إقران في الله، من هذه الآية في بيان على أن الله عز وجل أخبر على أن الدعاء لغيره ضلال، ومفهوم الآية أن من دعا الله عز وجل فهو في رشاد. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.