عشرة أسباب للوقاية من السحر والعين 6

الدرس في عشرة أسباب للوقاية من السحر والعين 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

السبب الرابع: التوكل على الله كوقاية من السحر والعين

التوكل الحقيقي يجمع بين صدق الاعتماد على الله والأخذ بالأسباب المشروعة، وهو سبب عظيم لكفاية الله وحفظ العبد من أذى السحرة والحاسدين. ويستدل الشيخ على ذلك بقصة موسى عليه السلام عند البحر وكيف كفاه الله شر فرعون وجنوده.

توكل موسى عليه السلام وانفلاق البحر وهلاك فرعون

عندما حاصر فرعون موسى وقومه عند البحر، توكل موسى على الله وقال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، فانفلق البحر وعبروا بأمان بينما غرق فرعون وجيشه. ويضرب الشيخ مثلاً بتوكل النبي ﷺ في غزوة ذات الرقاع حين حمته العناية الإلهية من مشرك شهر سيفه.

حفظ الله لنبيه وتوكّله وأن الضر والنفع بقضاء الله وقدره

يروي المقطع قصة محاولة مشرك قتل النبي ﷺ فسقط السيف من يده، فقال النبي: "الله يعصمني منك"، فعفا عنه ودعاه للإسلام. ويؤكد الشارح أن من حفظه الله لا يضره أحد، مستدلاً بحديث ابن عباس وآية السحر وقول النبي: "رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ".

أهمية التوكل على الله والثقة بقضائه خاتمة الدرس

يؤكد المقطع أن من أهم أسباب سلامة المسلم توكله على الله وثقته بربه مع الإيمان بأن لا ضرر يصيبه إلا ما قدره الله. ويختتم الدرس بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -رحمه الله- في رسالته "عشرة أسباب للوقاية من السحر والعين": السبب الرابع: التوكل على الله. قال: والتوكل هو ثقة القلب واعتماده على الله سبحانه وتعالى، أي في جلب المنافع ودفع المضار، مع بذل الأسباب المشروعة في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. إذن التوكل: ثقة القلب واعتماده على الله، مع الأخذ بالأسباب المأذون بها شرعًا في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلا يكون العبد متوكلا إلا بهذين الأمرين: بصدق الاعتماد على الله، والأخذ بالأسباب. لكن لا يعتمد على الأسباب، بل يعتمد على خالق الأسباب وهو الله سبحانه وتعالى. وترك الأسباب قدح في الشريعة. يقول الإنسان: "أنا متوكل"، ولا يأخذ بالأسباب، هذا ليس بمتوكل. كمن يسافر ولا يأخذ معه الزاد الذي يحتاج له في سفره من طعام وشراب ونحو ذلك، ويدعي أنه متوكل. هذا ليس بمتوكل. أو من يدخل الغابة بغير سلاح، أو يقاتل العدو بغير سلاح، ويقول: "أنا متوكل". لا يكون التوكل إلا بالأخذ بالأسباب، لكن لا يعتمد عليها؛ لأن الاعتماد على الأسباب شرك، والاعتماد على الأسباب شرك، وترك الأسباب قدح في الشريعة. إذن تأخذ بالأسباب مع الاعتماد على خالقها سبحانه وتعالى. قال: ويعتبر التوكل على الله سبحانه وتعالى من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم. فإذا توكل العبد على الله سبحانه وتعالى حق التوكل، فإنه سيكفيه، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]، ومن كان الله كافيه فأنا لعدوه أن يضره؟ أليس الله بكاف عبده؟ وبذلك يعلم أن توكل العبد على الله عز وجل سبب عظيم لحفظه وتأييده وحمايته وكفايته من كل شر يسوءه. ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، أي: كافيه. الله عز وجل يكفي من توكل عليه، فيحميه وينصره ويدفع عنه الشرور والآثام والمصائب. ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]، الله كافيك، ويكفي من اتبعك من أهل الإيمان. ومن ذلك أن يدفع الله جل وعلا عن العبد شر الحاسدين، وشر الكائدين، والساحرين، إذا كان متوكلا على الله، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله، ولن يضره إلا ما قدر الله، فهو معتمد على ربه وخالقه سبحانه وتعالى، فالله جل وعلا يحميه ويكفيه. قال: ومن نماذج كفاية الله جل وعلا لعباده المتوكلين عليه وحمايته لهم، ما ذكره الله جل وعلا في قصة رسوله موسى عليه السلام، عندما خرج بقومه من مصر فارين بدينهم وأنفسهم وأعراضهم من عدو الله فرعون، فتبعهم بجنوده ليبيدهم، وحمل معه من العدة والعتاد ما لا طاقة لموسى عليه السلام وقومه به. وعندما وصل موسى عليه السلام ومعه قومه إلى البحر، انقطع بهم الطريق، يعني: ما استطاعوا أن يسلكوا البحر، وكان من ورائهم جيش فرعون العظيم ليقضي عليهم. فاشتكى قوم موسى حالهم، وقالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]، يعني: سيدركنا فرعون وجنوده. هذا البحر أمامنا، والعدو خلفنا، ولا نستطيع أن نجداز البحر، إذن سيدركنا العدو وسيهلكنا. هذا قالوه على حسن ما يرون من الحال، وكذلك أيضًا ما علم بالتجربة أن من كان كذلك فلا شك أنه سيدركه العدو. إذن قطعت الطريق أمام الإنسان في حال هربه، والعدو خلفه، فلا شك أنه سيدركه. وما علموا بما أراد الله سبحانه وتعالى من نصرة نبيه موسى عليه السلام ومن معه، وإهلاك فرعون ومن معه. قال: كأنهم تحققوا هلاكهم وتيقنوا موتهم، وهم على هذه الحال. فقال موسى عليه السلام كلمة المتوكل على الله عز وجل الواثق به: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]. موسى يعلم أن الله جل وعلا معه، وأن الله أمره بذلك، ولن يخذله، فلذلك رد عليهم بقوله: ﴿كَلَّا﴾، لسنا مدركين، ولسنا هالكين، ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، معي ربي جل وعلا يؤيدني وينصرني ويحميني ويدفع عني شر هؤلاء الأعداء، ﴿سَيَهْدِينِ﴾، أي: لما فيه النجاح، وما فيه السلام والعافية. قال: فكانت الآية العظيمة بأن أوحى الله عز وجل إليه أن يضرب البحر بعصاه، فانفرق البحر، يعني: انشق. هذه آية عظيمة: معسى أن تفعل العصا بالبحر، معسى أن تفعل العصا ببحر عظيم كبير واسع، لكن الأمر بيد الله سبحانه وتعالى. فقال: ﴿فَانفَلَقَ﴾، وأيبس الله لهم طريقا في البحر، وصار الماء كالجبال العالية عن يمين الطريق وعن يساره، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]، أي: كالجبل الشامخ. جعل الله سبحانه وتعالى البحر جبالا مرتفعة، وجعل أرض البحر يابسة مهيئة للسير عليها، ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧]. قال: ثم أمرهم الله، قالوا: أن لا يخافوا من إدراك فرعون لهم، ﴿لَا تَخَافُوا دَرَكًا وَلَا تَخْشَوْا﴾ [طه: ٧٧]، قالوا: أن لا يخشوا من الغرق في البحر. فسلكوا تلك الطريق، وتبعهم فرعون وجنوده، وسلكوا وراءهم، حتى إذا تكامل قوم موسى خارجين، وقوم فرعون داخلين، قوم موسى خارجين من البحر، ودخل فرعون وجنوده إلى وسط البحر، أمر الله البحر فالتطم عليهم، وغشيهم من اليم ما غشيهم، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨]، ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ﴾ [طه: ٧٩]. قال: فغرقوا، ولم ينجو أحد منهم، يعني: من قوم فرعون، وبنو إسرائيل ينظرون إلى عدوهم، قد أقر الله عز وجل أعينهم بهلاكه، بسبب توكله، أي: توكل موسى عليه السلام بربه سبحانه وتعالى، نصره الله وحماه. وهكذا من نظر في سنة نبينا عليه الصلاة والسلام، وجد من ذلك الشيء الكثير. وعلى سبيل المثال: ما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم لما قفل من غزوة ذات الرقاع، كما في حديث جابر في الصحيح. فاضطجع عليه الصلاة والسلام تحت سمرة، وعلق بها سيفه، وتفرق الصحابة رضوان الله عليهم تحت الشجر يستظلون بظلها ويستريحون. فبينما النبي عليه الصلاة والسلام نائم، جاء رجل من المشركين، فأخذ سيف النبي عليه الصلاة والسلام، ثم شهره، أي: أخرجه من غمده، وقال: للنبي عليه الصلاة والسلام: "من يمنعك مني؟"، يقول: "يا محمد، من يمنعك مني؟ هذا السيف يدي، وأنت بلا سلاح". فقال له النبي عليه الصلاة والسلام، الواثق بربه، بحفظه له، وبحمايته، وبنصره وتأييده، الذي قال الله جل وعلا له: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]: "الله، الله يعصمني منك". قال: "من يعصمك مني؟". قال: "الله". فارتجفت يد هذا المشرك، وسقط السيف من يده، فأخذه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: "من يمنعك مني؟". قال: "لا أحد"، لأنه ما عنده تأييد، ولا توكل على الله جل وعلا، وهو مشرك كافر. قال: "كن خير آخذ"، يعني: قابل السيئة بالإحسان. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟". قال: "لا، لكن أبايعك أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك". فخل النبي عليه الصلاة والسلام سبيله، فرجع إلى قومه، فقال: "جئتكم من عند خير الناس". الشاهد: انظروا كيف حمى الله جل وعلا النبي عليه الصلاة والسلام من كيد هذا الكافر. قال: فمن حفظه الله عز وجل وعصمه، فلن يصيبه مكروه أبدا، ولو اجتمع عليه كل من في الأرض، فلن يستطيعوا ضره بشيء، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك"، يعني: أرادوا أن ينفعوك بشيء ما كتبه الله لك، ولا قدره الله لك، فلن يستطيعوا. لن يستطيعوا إذا أرادوا أن يدفعوا عنك ضررا، أو يدفعوا عنك مصيبة، أو أن يعينوك على تحصيل ذرية، أو غير ذلك من الأمور التي ينتفع بها الإنسان، وما قدر الله ذلك، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. "ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك". نعم، لو اجتمعوا أن يضروك بشيء في نفسك، أو في أهلك، أو في مالك، أو في ولدك، ولم يقدر الله جل وعلا ذلك، فلن يستطيعوا أن يضروك بشيء. ومن ذلك: ما قد يسعى إليه الحاسد في حسد من يريد أن يحسده، أن يحسده على ما أنعم الله سبحانه وتعالى عليه من نعمة، وأن يضره بذلك بحسده، أو يصيبه بالعين، والله عز وجل لم يقدر ذلك، ما استطاع، ما استطاع أن يصيبه بشيء. كذلك أيضًا: من أراد أن يسحر إنسانا، وهو -أي: المقصود بسحره- متوكل على الله، ومعتمد على الله، ولم يقدر الله جل وعلا أن يصاب بشيء من السحر، ما استطاع أن يصيبه بشيء أبدا. ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، يعني: بالسحر، ما يضر به أحد إلا بإذن الله، أي: الكون، إذا قدر الله ذلك كونا وقدرا أن يصاب الإنسان بالسحر، أصيب، وإن لم يقدر الله سبحانه وتعالى ذلك، فلن يستطيع أبدا. لو اجتمع السحرة كلهم على أن يصيب إنسانا بسحر، ولم يقدر الله سبحانه وتعالى ذلك، ما استطاع أن يؤذوه، ولا أن يصيبوه بشيء مما يسوءه ويضره. قال: "رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ"، والحديث رواه الإمام الترمذي رحمه الله، وصححه الألباني رحمه الله. إذا، فمن الأسباب المهمة التي ينبغي أن يعتني بها المسلم: هو توكله على الله جل وعلا، وثقة العبد بربه جل وعلا، وإيمانه أنه لن يضره شيء إلا ما كتبه الله سبحانه وتعالى عليه، وقدره سبحانه وتعالى عليه. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.