التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 75

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 75

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 75، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحذير عمر من التشبه بأهل الشرك

حذر عمر رضي الله عنه من زي أهل الشرك ولباس الحرير، مستندا إلى نصوص من بينها ما رواه البخاري وغيره. وأمر بالتمعدد ونهى عن التنعم وزي العجم.

صلاة عمر في المسجد الأقصى وموقفه من اليهود

صلى عمر بن الخطاب في المسجد الأقصى ولم يصل عند الصخرة، معارضا بذلك كعب الأحبار. وقد دل حديث الإسراء والمعراج على أن النبي صلى في المسجد ولم يصل عند الصخرة.

سياسة عمر في تعزيز الإسلام وإضعاف الكفر

قاد عمر بن الخطاب الفتوحات الإسلامية وأذل الفرس والروم، وكان يمشي على نهج النبي وأصحابه. ويستشير العلماء في أموره ويمنع من استعمال الكفار في مناصب الدولة ويحارب البدع.

موافقة عثمان لعمر في عدم التشبه بالكفار

أقر عثمان بن عفان ما فعله عمر بن الخطاب فيما يتعلق بعدم التشبه بالكفار. وسيأتي تفاصيل حول عيادة الكفار وتعلم رطانة الأعاجم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، فأله وصحبه ومن والاه. ما بعد، فذكر الشيخ -السلام- أيضا ما ذكره البخاري وغيره: أن عمر رضي الله عنه قال: «إياكم زي أهل الشرك». ثم ذكر بعض النصوص التي تبين هذا، أي أن عمر رضي الله عنه كان يحذر من زي أهل الشرك، لباس أهل الشرك. قال: وقال الإمام محمد رحمه الله في المسند: حدثنا يزيد، قال: حدثنا عاصم، عن أبي عثمان النهدي، عن عمر بن الخطاب، أنه قال: «اتزروا وارتدوا وانتعلوا، والبسوا الخفاف والسراولات، وألقوا الركب، وانزووا نزوا، وعليكم بالمعدية». قوله: «تمعددوا»، المراد: تمعددوا، أي أخلوا المعدة من الطعام، وارموا الأغراض أن يكون نيتكم لله، ودروا التنعم وزي العجم، وعلقوا الركب، أي الظهر، يريد في الصلاة، أو يريد سترها. قال: «وإياكم الحرير، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عنه، وقال: لا تلبسوا الحرير إلا ما كان هكذا، وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصبعيه». وهذا إسناد صحيح. قال: وقال أحمد: حدثنا حسن بن موسى، وهو الأشيب، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا عاصم الأحول، وزهير الظاهر أنه ابن معاوية. أن الإسناد هنا عراقي، لأنه إذا كان الإسناد حجازيا فغالبا يكون زهير بن محمد المكي الخرساني. قال: حدثنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان، قال: جاءنا كتاب عمر رضي الله عنه، ونحن بأذربيجان: «يا عتبة بن فرقد، إياكم والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبوس الحرير»، قال: «إلا هكذا، ورفع لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبعيه». قالوا: هذا ثابت على شرط الصحيحين، وهذا الحديث صحيح. قد ذكره أيضا شيخنا في المسند الصحيح، قالوا: فيه أن عمر رضي الله عنه أمر بالمعدية، وهي زي بني معد بن عدنان، هذا «عليكم بالمعدية»، وهم العرب، فالمعدية نسبة إلى معد، ونهى عن زي العجم وزي المشركين، وهذا عام كما لا يخفى. وقد تقدم هذا مرفوعا، وروى الإمام أحمد في المسند، قال: حدثنا أسود بن عامر، وهو شاذان، وهو بصري ثقة، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي سنان، وأبو سنان هو عيسى بن سنان الحنفي القسملي الفلسطيني، وهو نزيل البصرة، وفيه ضعف، قال: عن عبيد بن آدم، وأبي مريم، وأبي شعيب، عن هؤلاء كلهم جمعهم، وهؤلاء غالبهم لا يعرف. قال: عن أن عمر كان بالجابية، فذكر فتح بيت المقدس، قال حماد بن سلمة: فحدثني أبو سنان، عن عبيد بن آدم، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب: «أين ترى أن أصلي؟» فقال: «إن أخذت عني صليت خلف الصخرة، فكانت القدس كلها بين يديك». فقال عمر: «ضاهيت اليهودية، لا أنا ضاهيت اليهودية، أشبهتهم، هم الذين يصلون عند الصخرة». قال: «ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فتقدم إلى القبلة، فصل، ثم جاء، فمسح رداءه، فكنس الكناسة في رداءه. كنس الكناسة، أي: المكاء التي كانت في بيت المقدس، وكنس الناس، والنصارى اشتهروا بالوسخ أو الأوساخ، عما يكنسون كنائسهم، فتجتمع فيها الأوساخ، فلما جاء عمر، فوجدها كناسة، أي: مليئة بالزبالة أو الكنس من الطين وغيره، فكنسها رضي الله عنه، وكنس الناس. لكن هذا الإسناد فيه ضعف، وفيه لكن قد جاء أيضا بأسانيد أخرى. قال: قلت: صلاة النبي عليه الصلاة والسلام في مسجد بيت المقدس في ليلة الإسراء قد رواها مسلم. قال: «فصلى»، لكن «أصلي حيث أصلى رسول الله»، وهو في المسجد، في مسجد بيت المقدس، وكان معنا على أساس أن كعبا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي، أو أراد عمر أن يصلي عند الصخرة، الصخرة هذه معروفة الآن التي عليها القبة الصفراء، هذا ليس المسجد الأقصى، كثير من الناس يظنه أنه المسجد الأقصى، المسجد الأقصى داخل، لكن هذه قبة الصخرة. فكان كعب يريد عمر أن يصلي عندها، فقال: «لا، راهيت اليهودية، ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم». قال: قد رواه مسلم، أي: صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في بيت المقدس، من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه»، قال: «فركبته حتى أتيت المقدس»، قال: «فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء»، قال: «ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاء جبريل عليه السلام بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل عليه السلام: اخترت الفطرة»، قال: «ثم عرج بنا إلى السماء». فهذا الحديث يدل على أن النبي صلى في المسجد، ولم يصل في بيت الصخرة. قال: وقد كان حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ينكر أن يكون صلى فيها، لأنه لم يبلغه ذلك، واعتقد أنه لو صلى فيها لوجب على الأمة الصلاة فيها. فعمر رضي الله عنه عاب على كعب -وكعب الأحبار- عاب على كعب مضاهاة اليهودية، أي: مشابهتها في مجرد استقبال الصخرة، لما فيه من مشابهة من يعتقدها قبلة باقية، وإن كان المسلم لا يقصد أن يصلي إليها. وقد كان لعمر رضي الله عنه في هذا الباب من السياسات المحكمة ما هي مناسبة لسائر سيرته المرضية، فإنه رضي الله عنه هو الذي استحالت ذنوب الإسلام بيده غربا عن الرؤية التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم. ولما كانوا يسحبون الذنوب الذي يوضع في البيع، فقال: فسحبه ابن الخطاب، قال: «فما رأيت عبطريا يفري فرية»، وجاء في رواية: «ما رأيت عبطريا ينزع نزعه»، وجاء في رواية: قال: «ثم جاء عمر بن الخطاب، فاستحالت غربا، فلم أر عبطريا يفري فرية»، حتى رووا الناس، وضربوا بعطن. ويريد الشيخ الآن أن يبين أن هذه من سياسة عمر العجيبة التي أكرمه الله عز وجل بها. قال: «فلم يفر عبطريا فرية حتى سار الناس بعطن، فعز الإسلام، وأذل الكفر وأهله، وأقام شعار الدين الحنيف، ومنع من كل أمر فيه تذرع إلى نقص عرى الإسلام». ولا شك أن الحروب التي حروب أهل الإسلام مع الروم وفارس بدأت في عهد عمر، وفي عهد أبي بكر، لكن سطوتها، وغالبها كانت في عهد عمر، وانتصارهم أيضا كانت في عهد عمر، وأذل الله عز وجل فارس والروم، وأخذ عمر رضي الله عنه الشام، وكذلك فارس كلها، فلم يمت رضي الله عنه حتى دانت له هذه المناطق، وأيضا ذهبت دولة الفرس، وكذلك دولة الروم. قال: «ومنع من كل أمر فيه تدرع إلى نقض عرى الإسلام، مطيعا في ذلك لله ورسوله، وقافا عند كتاب الله، ممتثلا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، محتديا حدى صاحبيه، مشاورا في أموره للسابقين الأولين، مثل عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت رضي الله عنه، وغيرهم، مثل وغيرهم ممن له علم أو فقه أو رأي أو نصيحة للإسلام وأهله». قال: حتى أن العمدة في الشروط على الكتاب على شروطه، وحتى منع من استعمال كافر، أو اعتمان على أمر الأمة، وإعزازه بعد إذ أذله الله، لما قال المغيرة: «لما تعزون هؤلاء بعد إذ أذلهم الله؟». وكان عمر رضي الله عنه ينهى عن البطانة بطانة الكافر، ويستدل بقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾، ودوا ما عنتم، قد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر. فكان عمر ينهى أن يجعل بطانة من الكفار، ولهذا لما طعنه ذلك الخبيث أبو لؤلؤة المجوسي، فقال: «من الذي فعل هذا؟» قال: «مولى المغيرة». قال: «أما إني كنت قد أنهاه عن ذلك، أن ينهى المغيرة أن يكون له هذا الرجل مولى». قال: «وهو الذي منعه البدع وألزمهم توقير الصغار، حيث فعل بصبيغ بن عسل التميمي ما فعل في قصته المشهورة». أنا لما ظهر صبيغ بن عسل -ويقال: ابن عسيل، أو ابن عسيل بفتح العين، أو ابن عسل- فكان يأتي بمتشابهات القرآن، ويشكك في المعاني، فلما أخبر عمر ضربه بالدرة حتى قال: «ذهب مني ما أجد يا أمير المؤمنين». قال رحمه الله: سيأتي عنه إن شاء الله تعالى في خصوص عيادة الكفار، من النهي عن الدخول عليهم فيها، ومن النهي عن تعلم رطانة الأعاجم، ما يبين به قوة شكيمته في النهي عن مشابهة الكفار والأعاجم. ثم ما كان عمر قد قرره من السنن والأحكام والحدود، فعثمان رضي الله عنه أقر ما فعله عمر، وجرى على سنته في ذلك، فقد علم موافقة عثمان لعمر في هذا الباب، أي: في عدم التشبه بالكفار وغيره. وإن شاء الله نكون في درس قادم.