الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 73، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ذكر ابن تيمية شروط أهل الذمة التي وضعها عمر بن الخطاب، وتهدف إلى تمييزهم عن المسلمين. هذه الشروط تشمل عدم ضرب النواقيس إلا خفيًا وعدم التشبه بالمسلمين في اللباس.
ناقش العلماء أحكام التمييز مستدلين بأقوال الصحابة والتابعين، وأشاروا إلى ضرورة تمييز أهل الذمة في اللباس وغيره لتجنب التشبه بالكفار. روى الحافظ أبو الشيخ الأصبهاني عن خالد بن عرفطة أن عمر بن الخطاب كتب يأمر بتمييزهم.
ناقش المقطع كيفية تمييز أهل الذمة من خلال فرض شروط معينة، وذكر قرارات الخلفاء مثل عمر بن عبد العزيز والمتوكل. التمييز ضروري لتمييز أهل الإسلام عن غيرهم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بعدما ذكر ما ذكره عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شروطه التي جعلها على أهل الذمة، وكما قلنا إن الإمام ابن القيم كتب كتابًا سماه "شروط أهل الذمة" شرح فيه هذا الكتاب. قال رحمه الله: في رواية أخرى رواها الخلال -والخلال هذا الذي جمع كتب الإمام أحمد رحمه الله عن تلاميذه- قال: "وأن لا نضرب بنواقيسنا إلا ضربًا خفيًا في جوف كنائسنا"، فكأن هذا الكلام معنىً هم يشترطون على أنفسهم. فمن ذلك أنهم قالوا: "وأن لا نضرب بنواقيسنا إلا ضربًا خفيًا". الناقوس كمان قد ذكرناه أكثر مرة، أبو بكر حديد يضربه في حديدة، معنى مثل الجرس لكن هذا أكبر يكون أكبر من الجرس على حديدة كبيرة تضرب بحديدة، سمى ناقوسًا. قال: ﴿وَلَا نَرْفَعُ أَصْوَاتَنَا مَعَ مَوْتَانَا﴾ قلنا إن هذه عادة اليهود والنصارى أنهم يرفعون أصواتهم في الجنائز وينشدون. ﴿وَلَا نُظْهِرُ النِّيرَانَ مَعَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ﴾ رواه حرملة أو طيبة. قال: ﴿وَلَا نَرْفَعُ أَصْوَاتَنَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا الْقِرَاءَةَ فِي كَنَائِسِنَا فِيمَا يَحْضُرُهُ الْمُسْلِمُونَ﴾، ﴿وَأَلَّا نَخْرُجَ صَلِيبًا﴾ وألا يجاهرون بخروج الصليب ولا كتابًا في سوق المسلمين. ﴿وَأَلَّا نَخْرُجَ بِأَعْوَاثٍ﴾ والباعوث يخرجون يجتمعون كما يخرجون من الأعياد، أن يخرجوا جماعة مثل العيد، قال: والفطر ﴿وَلَا شَعَانِينَ﴾ الشعانين الظهر الشعارات عن ثيابهم. قال: ﴿وَلَا نَرْفَعُ أَصْوَاتَنَا مَعَ مَوْتَانَا وَلَا نُظْهِرُ النَّيْرَانَ مَعَهُمْ فِي أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَلَّا نُجَاوِرَهُمْ بِالْخَنَازِيرِ وَلَا نَبِيعُ الْخُمُورِ﴾ قال: ﴿وَلَا نَلْبِسَ زِيَّنَا حَيْثُ مَا كُنَّا وَلَا نَتَشَبَّهَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي لِبْسِ قُلُنْسُوَةٍ وَلَا عِمَامَةٍ وَلَا نَعْلَيْنِ وَلَا فَرْقِ شَعَرٍ وَلَا فِي مَرَاكِبِهِمْ وَلَا نَتَكَلَّمَ بِكَلَامِهِمْ وَلَا نَكْتَنِيَ بِكُنَاهِمْ﴾، ﴿وَأَنْ نَجُزَّ مَقَادِيمَ رُءُوسِنَا وَلَا نُفَرِّقَ نَوَاصِيَنَا وَنَشُدَّ الزَّنَانِيرَ عَلَى أَوْسَاطِنَا﴾. فهذا ألزمهم أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه حتى لا يكونوا مثل أهل الإسلام، فقالوا: ﴿وَلَا نَتَشَبَّهَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي لِبْسِ قُلُنْسُوَةٍ﴾ القلنسوة هي الكوفية، هذه الطاقة أو الطاقية، ولا عمامة أيضًا كما ذكرناه بالعمس. فكانوا عمائم اليهود كانت بدون دؤابة، ولا أيضًا تحنيك، وإنما يربطونها ربطًا مثل العصابة بدون تقريض. قالوا: هذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مجمع عليها في الجملة بين العلماء من الأئمة المتبعين. وهذا يدل على أن المسلم ما يكون مثل المشركين مثل اليهود والنصارى، بل يتميز عنهم بلباسه وبعاداته، وكذلك قبل كل شيء بدينه. قالوا: الصنف الأول ما مقصوده التمييز عن المسلمين في الشعور واللباس والأسماء والمراكب والكلام ونحوها، لتميز المسلم عن الكافر، ولا يتشبه أحدهما بالآخر في الظاهر. ولم يرضَ عمر رضي الله عنه والمسلمون بأصل التمييز بل بالتميز في عامة الهدي على تفاصيل معروفة في غير هذا الموضع. معنى ليس فقط بأصل التمييز أن يكون هؤلاء مسلمين وهؤلاء كفار لا، بل حتى بالتميز في الشعارات الظاهرة في اللباس، في الكلام كذلك في المراكب وغيرها. قالوا: ذلك يقتضي إجماع المسلمين على التمييز عن الكفار ظاهرًا وترك التشبه بهم. ولقد كان أمراء الهدى مثل العمرين -يعني الظاهر يريد بالعمرين عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز- أو أنه أراد بالتغليب عمر وأبو بكر، أراد عمر وأبو بكر صديق من باب التغليب مثل ما يقال للشمس والقمر القمرين أو القمران، فهنا قصد أبو بكر وعمر، أو أنه قصد عمر وعمر على قصد حقيقة الأسماء. قال: مثل العمرين وغيرهما يبالغون في تحقيق ذلك بما يتم به المقصود. ومقصود من هذا التمييز كما روى الحافظ أبو الشيخ الأصبهاني بإسنادي في "شروط أهل الذمة". وأبو الشيخ هو من علماء الحديث، وهو عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأصبهاني، له كتب ألفها وهي كثيرة، ومن أشهرها الترغيب والترهيب. إلا أنه كان على طريقة من كان معه أو من كان في عصره كابن منده وغيره، أنه يسندون فقط ولا يميزون بين الصحيح والضعيف، فلهذا كثرت الموضوعات في كتبهم. قال: بإسنادي في "شروط أهل الذمة" عن خالد بن عرفطة -وخالد هو صحابي خالد بن عرفطة بن سنان العذري- قال: قال كتب عمر رضي الله عنه إلى الأمصار أن تجز نواصيهم -يعني النصارى- ولا يلبسوا لبسة المسلمين حتى يعرفوا أنا ذاك في اليهود وهذا في النصارى. وقال القاضي أبو يعلى في مسألة حدثت في وقته: أهل الذمة مأمورون بلباس الغيار، الغيار معنى اللباس الذي يغير لباس المسلمين. فإن امتنعوا لم يجد لأحد المسلمين صبغ ثوب من ثيابهم، لأنه لم يتعين عليهم صبغ ثوب بعينه -يعني الذي يصبغ به أهل الإسلام لا يصبغون به ثياب أهل الكفر- وهذا من تأمل مثل هذا يرى أن الإسلام غاير بين أهل الإسلام وأهل الشرك وأهل الكفر وميز بينهم. قال: قد روى أبو الشيخ بإسناد أن عمر بن الخطاب كتب أن لا تكاتب أهل الذمة فتجري بينكم وبينهم المودة، ولا تكنوهم وأدلوهم ولا تظلموهم -ألا ترفعوا رؤوسهم ولا تعظموهم لكن لا تظلموهم ألا تأخذوا حقوقهم-. قالوا: أمروا نساء أهل الذمة أن يعقدن زناراتهن ويرخين نواصيهن ويرفعن عن سوقهن حتى يعرف زيهن من المسلمات، فإن رغبنا عن ذلك فليدخلن في الإسلام طوعًا أو كرهًا، عن مثل يصبحن مثل الجاريات ليس مثل المسلمات معنى الأحرار. قال: ورووا أيضًا أبو الشيخ بإسنادي عن محمد بن قيس -ومحمد بن قيس الظاهر أنه محمد بن سعيد المصلوب- فهو الذي يسمي نفسه محمد بن قيس، وهذا يدل على أن هذا الإسناد ليس بصحيح. أبو الشيخ قال: وسعد بن عبد الرحمن بن حبان قال: دخل ناس من بني تغلب على عمر بن عبد العزيز عليهم العمائم كهيئة العرب، فقال: يا أمير المؤمنين ألحقنا بالعرب. قال: فمن أنتم؟ قالوا: نحن بني تغلب. قال: ولستم من أوسط العرب. قالوا: نحن نصارى. قال: علي بجلم -علي بجلم- فأخذ من نواصيهم، الجلم هو آلة كالمقص، فأخذ بنواصيهم -الناصية هي مقدمة الشعر- يعني يأخذ الشعر الذي بمقدمة رؤوسهم وألقى العمائم وشق رداء كل واحد شبرًا يحتزم به. وقال: لا تركبوا السروج واركبوا على الأكف، ودلوا رجليكم من شق واحد -معنى لا تركبوا مثل ركوب المسلمين-. قال: كتب عمر بن عبد العزيز أن لا يضرب الناقوس خارجًا من الكنيسة. وعن معمر أن عمر بن عبد العزيز كتب أن يمنع من قبله فلا يلبس نصراني قباء ولا ثوب خز ولا عصب -والتقدم في ذلك أشد التقدم أن العصب هو الثوب الذي يلبس للزين غالبًا ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم الحاد أن تلبسه-. قال: واكتب فيه حتى لا يخفى على أحد نهي عنه. وقد ذكر لي أن كثيرًا ممن قبلك من النصارى قد راجعوا لبس العمائم وتركوا لبس المناطق على أوساطهم -يعني يلبسون المنطقة مثل عمامة وغيره ويجعلونه على أوساطهم-. قال: واتخذوا الوفرة والجمام وتركوا التقصيص -واتخذوا الوفر الوفر معنى وفروا شعورهم والوفرة هي التي تكون دون الكتف أن الشعر الذي ينزل دون الكتف يسمى وفرة-. قال: ولعمري إن كان يصنع ذلك فيما قبلك إن ذلك بك ضعف وعجز، فانظر كل شيء كنت نهيت عنه وتقدمت فيه إلا تعهدت وأحكمت ولا ترخص فيه ولا تعود عنه شيئًا. فهذا كتب عمر إلى بعض عماله. قالوا: لم أكتب سائر ما كانوا يأمرون به في أهل الكتاب، إذ الغرض هنا التمييز. وكذلك فعل جعفر بن محمد بن هارون المتوكل بأهل الذمة في خلافته. وهذا المتوكل الذي نصر السنة وخليفة من خلفاء بني العباس الذي نصر في وقته السنة وكان يعظم ويبجل لإمام أحمد. قالوا: كذلك فعل جعفر بن محمد بن هارون المتوكل بأهل الذمة في خلافته واستشار في ذلك الإمام أحمد بن حنبل وغيره، وعهوده في ذلك وجوابات أحمد بن حنبل له معروفة. فهذا كله لأجل أن يتميز المسلم على الكافر. وهذا أيضًا مما يدل على أن السلف أدركوا هذا الأمر فإنه لا بد من التمييز وعدم التشبه بأهل الكفر، سواء كان أنه يكون على أهل الإسلام أنهم لا يتشبهوا، وكذلك يلزم أهل الكفر أنهم لا يتشبهوا بالمسلمين حتى يكون هناك تميز بين أهل الإسلام وبين غيرهم من أهل الكفر.