كتاب التفسير من صحيح البخاري 212

كتاب التفسير من صحيح البخاري 212

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 212، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أطوار الخلق وحكمة توزيع الذرية

يستعرض المقطع أطوار خلق الإنسان من نطفة إلى علقة فمضغة مؤكداً أن الله وحده الخالق المصور في الأرحام. ويبين حكمة الله في منح الذرية ذكوراً وإناثاً أو منعها، نادلاً بالنظرة الجاهلية التي تفضل الذكور ومستشهداً بكون الأنبياء آباء بنات.

فضل البنات وابتداء تفسير النطفة والماء والنار

يوضح المقطع فضل البنات مستشهداً بقول الإمام أحمد وقصة جويرية بنت الحارث، ثم ينتقل لتفسير آيات سورة الواقعة المتعلقة بالنطفة والماء والنار. ويذكر تفسير الإمام البخاري لقسم الله بمواقع النجوم على أنه محكم القرآن.

تفسير القسم بمواقع النجوم ومعاني المفردات

يشرح المقطع تفسير قوله تعالى ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ مبيناً رأيين في المراد بمواقع النجوم، وأن «لا» للتوكيد. كما يفسر مفردات «مدهنون» بالتكذيب، و«سَلامٌ لَّكَ» بالأمن، و«تُورُونَ» بالاستخراج والإيقاد.

وصف كلام أهل الجنة في تفسير الإمام البخاري

يختم المقطع بوصف كلام أهل الجنة بأنه عظيم وطيب وخالص من شوائب الكلام الدنيوي، كله تسليم وطاعة وسلام. ويشير إلى أن هذا الوارد في تفسير الإمام البخاري لهذه السورة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. لا نزال في القراءة في كلمات سورة الواقعة التي ذكرها الإمام البخاري. قال رحمه الله: «مترفين» أي متمتعين، أي عندهم ما يتمتع به الإنسان في الدنيا من الأموال وغيرها. قال: «ما تمنون» هي النطفة في أرحام النساء، أي ما يلقيه الرجل في رحم المرأة. ﴿أَفَرَأَيْتُم مَا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾. فربنا جل وعلا هو الذي يخلق هذه النطفة، وإلا فالإنسان إنما يلقي هذه النطفة، وربنا جل وعلا يتولى أمرها حتى تمر بالأطوار: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة. والعلقة هي القطعة من الدم، والمضغة هي القطعة من اللحم. ثم بعد ذلك تتكون الأجزاء، وتكسى العظام لحماً، وينفخ الله عز وجل فيها الروح فتصير إنساناً، يتغذى في بطن أمه إلى أن يخرج. كما ذكر ربنا جل وعلا هذه الأطوار في عدة آيات. وهنا أراد أيضاً أن يبين نعمته جل وعلا على عباده، وكذلك قدرته سبحانه وتعالى، وأنه هو الذي يخلق، وهو الذي يسخر للناس الأولاد. ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا﴾. منهم من يعطيه الإناث، ومنهم من يعطيه الذكور، معنى أولاد، ومنهم من يزوج لهم، معنى يعطيه إناثاً وذكوراً، ومنهم من يجعلهم عقيمين. هذه حكمة الله عز وجل في خلقه. فمن أعطاه الله عز وجل أولاداً فليحمد الله، سواء كان إناثاً أو ذكوراً، لا فرق، لأن الإنسان لا يدري أين مصلحته في الأولاد. فتجد كثيراً من الناس يقول: أريد ولداً، حتى أن بعضهم لقلة عقله يخاصم المرأة بسبب أنها تأتي بالبنات. وهذه نزعة جاهلية، ليست من الإسلام. بل بعضهم يهدد المرأة بالطلاق إن جاءت ببنت، وكأنها هي التي تخلقها. وهذا جهل، وأيضاً كما قلنا فيه نزعة من نوازع الجاهلية. فربنا جل وعلا هو الذي يخلق، سواء كان إناثاً أو ذكوراً. بل جعل صفوة خلقه من الأنبياء أكثرهم آباء بنات. آباء بنات النبي صلى الله عليه وسلم: أولاده ماتوا، وما بقي معه إلا البنات عليه الصلاة والسلام. وكذلك أنبياء غيرهم كانوا ما معهم إلا البنات. ولهذا كان الإمام أحمد إذا ولد للرجل بنت يقول له: «الأنبياء آباء بنات»، بمعنى: أنت تقتدي بالأنبياء. الله عز وجل جعل البنات للأنبياء، وهذا يدل على خيرية فيهن. والأصل أنه لا فرق، وكما قلنا أن الإنسان لا يدري مصلحته في الأولاد أو في البنات. فقد يريد أن يأتي بولد، وهذا الولد يعذبه في الدنيا، وتأتي البنت وتأتي بالبركة. فهذه امرأة، جويرية بنت الحارث، كانت بركة على أهلها جميعاً، دخلوا الإسلام كلهم بسبب هذه المرأة المباركة، صارت بركة على أهلها. فما يدري الإنسان أين الخير في أولاده. قال جل وعلا: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ﴾. قال: هي النطفة في أرحام النساء. ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ قال: للمسافرين. ﴿وَالْقَفْرِ﴾ معنى «القفر»: لأنه ضرب في الأرض، قفر أي ضرب. فقال: «للمقوين» أي للمسافرين الذين يقوون في السفر، يضربون في الأرض. ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ﴾ أو قال جل وعلا بعدما ذكر: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ﴾. نحن جعلناها تذكرة للمقوين، أي نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾. فجعلها الله عز وجل متاعاً لهؤلاء الذين يضربون في الأرض، كما قال مجاهد: «للمقوين» أي للمسافرين. وقيل: إنهم للمسافرين لأن غالباً الناس يستعملون النار وغيرها في السفر، يعني يحتاجون لهذه النار التي تخرج من الشجر. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ﴾. هذه الشجر التي يضرب أو يحك بعضها بعضاً فيخرج النار. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾. قال: بمحكم القرآن. ويقال: بمسقط النجوم إذا غابت. ومواقع: موقع وموقع واحد. أنا أفسرها الآن بتفسير الإمام البخاري. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ قال: بمحكم القرآن. والمراد أنه بمواقع النجوم أي ما أنزله الله عز وجل من القرآن على النبي عليه الصلاة والسلام، وخاصة المحكم. والمراد بالنجوم هنا: الذي ينزل شيئاً فشيئاً، مثل ما قال ابن عباس: أن الله عز وجل أنزل كتابه إلى السماء الدنيا، ثم نزله منجماً، ثم نزله منجماً بحسب الحوادث. منجماً أي مفرقاً. فهنا قوله: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ أي بمحكم القرآن، أي بنزول القرآن لأنه نزل منجماً ومفرقاً بحسب الحوادث. وغالباً إذا كان بحسب الحوادث يكون محكماً. فلذا قال ابن مسعود - وهذا ثابت عن مسعود -: «بمحكم القرآن». وجاء عن ابن عباس وغيره أنه بمسقط النجوم، أي المكان الذي تغرب فيه وتسقط فيه النجوم، معنى تغيب. فلا أقسم بمواقع النجوم: أي الأماكن التي تغيب فيها النجوم أو تسقط فيها. قال: وقوله ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ أي أقسم بمواقع النجوم. والـ «لا» هنا تعتبر من باب التوكيد، وليست لا النافية، ولا أنها ناهية، وإنما هي من باب التوكيد. ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ أي أقسم بمواقع النجوم. وقولهم: «مدهنون» أي مكذبون. «مدهن» أي مكذب. وقال مثل قوله: ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. أي لو حصل منك الكذب والخداع فإنهم سيفعلون ذلك. قال: ﴿فَسَلَامٌ لَّكَ﴾ أي مسلم لك. السلام هو الذي يكون بدون شوائب، بدون شيء يعكر عليه. فقال: ﴿فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أي مسلم لك، إنك من أصحاب اليمين. وهنا إن ألغيت - أي أنت من أصحاب اليمين - كما تقول: «أنت مصدق ومسافر من قليل» إذا كان قد قال: «إني مسافر عن قليل»، قد يكون كالدعوة. ﴿فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أي يدعو له أن يكون منهم. قال: ﴿لَّكُمْ قَوْلُكُمْ فَسَقْيَا﴾ من الرجال. إن رفع السلام فهو من الدعاء. قال: وقوله ﴿تُورُونَ﴾ أي تستخرجون. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أي تستخرجونها من هذه الأشجار، فتصير ناراً. ﴿أُورِيتَ﴾ أي أوقدت. ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾. واللغو هو الكلام الباطل الذي لا خير فيه ولا مصلحة فيه. وتأثيم: أي كذب. أي كلام أهل الجنة ليس فيه لغو ولا تأثيم، وإنما ﴿سَلَامًا سَلَامًا﴾. كله كلام طيب وجميل. وأيضاً كلام فيه سلام، ليس فيه شيء مما يجرح، ولا شيء مما يكون فيه من الفحش ولا غير، بل كله كلام طيب. كلام أهل الجنة كلام عظيم وطيب، وليس فيه شيء من هذه الكلمات التي تكون في الدنيا، بل كله مسلم. وأيضاً كذلك من أفضل الكلام. فهذا معنى أو هذه الكلمات التي ذكرها الإمام البخاري في هذه السورة. فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. شكراً.