كلمة الشيخ أبو إبراهيم عبدالغفور اللحجي

المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ أبو إبراهيم عبدالغفور اللحجي، والتي كانت بمسجد عثمان بن عفان بمنطقة روكب يوم الجمعة 8 شوال 1444هـ الموافق 28 أبريل 2023م ألقاها منوع

أهمية عمارة المساجد على التقوى وخطورة مساجد الضرار

يتحدث الشيخ عن فضيلة بناء المساجد مؤكداً أن التوفيق الحقيقي يكمن في تسليمها لأيدٍ أمينة تدعو للتوحيد والسنة. ويستدل بآيات سورة التوبة التي تذكر نوعين من المساجد: مسجد ضرار وكفر وتفريق، ومسجد أسس على التقوى منذ أول يوم.

خطر المساجد المبنية على الشرك والبدع والفرقة

يحذر المقطع من مساجد تُبنى ظاهرياً للخير بينما تُمارس فيها الشركيات والبدع وتخرج منها دعوات التكفير والتفريق. ويؤكد أن المساجد الحقيقية هي التي أُسست على التقوى والتوحيد وجمع الكلمة داعياً لاتباع منهج النبي صلى الله عليه وسلم.

منهج أهل السنة في الدعوة بالوسطية وبناء المساجد على الحق

يبيّن المقطع أن دعوة أهل السنة تقوم على جمع الكلمة على كتاب الله وسنة النبي ومنهج الصحابة مع نبذ الغلو والتشدد. ويؤكد أن بناء المساجد على هذا المنهج يثمر خيراً عظيماً من حفظ القرآن والعلم والفقه والرحمة كما تشهد مساجدهم في عدن والمكلا.

الصلاة والسلام على النبي ﷺ ختاماً للمجلس

يختتم المتحدث كلامه بالصلاة والتسليم على النبي محمد ﷺ وعلى آله وصحبه. وهي سنة مشروعة في ختام المجالس والخطاب الدعوي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم. نحمد الله سبحانه وتعالى الذي جمعنا وإياكم في هذا المسجد من مساجد أهل السنة، والذي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعمره بالعلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعله منبر خير لهذه البلدة ولأهلها، إنه جواد كريم. أشكر لإخواني المشايخ على ما تفضلوا به من كلمات طيبة، نسأل الله أن يبارك فيهم. ثم أشكر لأخي الشيخ بيوسف الذي وفقه الله لأن يكون إمامًا وخطيبًا لهذا المسجد، نسأل الله أن يسدده وأن يثبته وأن يعينه وأن ينفع به الإسلام والمسلمين، إنه جواد كريم. أيها الإخوة، إن من توفيق الله للعبد فيما يتعلق بالمساجد أمرين: الأمر الأول أن يوفق لبناء المسجد، وبناء المسجد لا يخفى على الكثير منا فضائله وما جاء من فضائل في بناء المساجد في القرآن والسنة. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾. وفي الصحيحين من حديث عثمان: «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ». والأحاديث في هذا كثيرة. لكن ليس التوفيق أن توفق لبناء المسجد، وإن كان هذا من توفيق الله سبحانه وتعالى، لكن هناك أمر مهم وهو الأمر الثاني من توفيق الله للعبد، وهو أن يجعل هذا المسجد في أيدي أمينة في دينها على الناس. هذه مسألة مهمة أيها الإخوة. نرى كثيرًا من المساجد، من المساجد تبنى، لكن للأسف يمكن فيها من يغش الناس في دينهم، من يدعو إلى البدع، إلى الشركيات. فكونك توفق في بناء المسجد ثم تختار من يقوم على هذا المسجد ممن يدعو إلى توحيد الله وإلى دعوة الحق، هذا أعظم التوفيق. ولذلك الله سبحانه وتعالى ذكر نوعين من المساجد في القرآن، مع ما ذكر من فضل بناء المساجد وجاءت السنة. لكن اسمعوا إلى ما ذكره الله من نوعي المساجد. قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَأَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾. فذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيتين، في هاتين الآيتين، نوعين من أنواع المساجد. ذكر ربنا سبحانه وتعالى في هاتين الآيتين نوعين من أنواع المساجد: النوع الأول الذي ذكره الله سبحانه وتعالى، المسجد الأول، والذي قام وشيد، لكنه لماذا قام هذا المسجد؟ لماذا قام هذا المسجد ولماذا بني هذا المسجد؟ اسمعوا إلى قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ يعني بنوا، وقد جاءت هذه الآية في مجموعة قيل أنهم من المنافقين بنوا مسجدًا ولكن لمآرب سيئة كما في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ أي أرادوا بهذا المسجد أن يضر به المؤمنين، والمقصود بهم الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك الوقت والصحابة. ﴿ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني بنوا المسجد ليفرقوا الأمة، وبنوا المسجد ليتعاونوا مع أعداء الإسلام في تفريق الأمة، وفي نشر البدع، وفي نشر الشركيات. ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. والعجيب أنهم يوهمون الناس أنهم على الحق، وأنهم ما أرادوا بهذا المسجد إلا الحق: ﴿وَلَأَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾. انتبه: قد ربما يحلف لك: نحن ما أردنا إلا الخير، ونحن ونحن، وهو ينخر في الأمة بالشركيات وبالبدع وبالكفريات. ولذلك هذه المساجد يتخرج منها من يدعو إلى الشرك، وربما يقام الشرك فيها. وقد قال الله للنبي عليه الصلاة والسلام، بل قال ربنا: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. لكن هناك من يدعو مع الله وفي المساجد، بل وتدخل القبور في المساجد، مع قوله عليه الصلاة والسلام: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، وقال: «أُولَئِكَ أُولَئِكَ الْقَوْمُ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ». ثم يقولون: نحن نحب الرسول، ونحن مع الرسول، ونحن ونحن، وهم يخالفون رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعظم أصل وهو أصل التوحيد. وهكذا هناك من يبني المسجد ويتمكن من المساجد من أجل البدع والحزبيات والأفكار الهدامة. قد خرج من بعض المساجد من يكفر المسلمين ويستبيح دماءهم. قد خرج من المساجد من المتشددين، من أهل الغلو الذين فرقوا الأمة. وهكذا من الذين دمروا البلاد وأحدثوا في الثورات، من أين خرج هؤلاء؟ دعاتهم وعلماؤهم في الساحات، ما خرجوا إلا من المساجد. إذن هذه مساجد، لكنها ما قامت إلا لتفريق الأمة، إلا لتقف صفًا واحدًا مع أعداء الإسلام في تمزيق الأمة الإسلامية. وما حصل في بلادنا وفي غير من البلاد، هذه الثورات وهذه الانقلابات والتفجيرات وسفك الدماء، أصحابها ما خرجوا إلا من هذه المساجد التي حذر منها أهل السنة. إذن لا تقتصر أن يبنى مسجد إذا لم يقم على هذا المسجد من هو على العقيدة الصحيحة والمنهج القويم، ومن يدعو الناس بالرحمة والحكمة كما هي دعوة نبينا صلى الله عليه وسلم الذي قال: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ». ولذلك الله ذكر النوع الثاني من المساجد، فقال بعد أن منع رسوله أن يقوم في ذلك المسجد: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾. وهذا من أكبر الأدلة على أن المساجد التي تقوم على الشركيات والبدع لا يصلى فيها، إذا كان أهلها يعتقدون في غير الله ويستغيثون بغير الله. ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾. ثم قال: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾. هذا هو المسجد الذي تقوم فيه. لماذا؟ هل بشكله؟ لا، والله، وإنما بما قام فيه من المعتقد الصحيح والمنهج القويم، بما قام فيه دعوة النبي عليه الصلاة والسلام بحق، التي هي دعوة إلى التوحيد. فرسولنا ومن قبل الأنبياء ما جاءوا إلا للدعوة إلى التوحيد، إلى أن لا يدعى إلا الله، ولا يستغاث إلا بالله، ولا يذبح إلا لله. وهذه هي دعوة أهل السنة: لا تدعو إلا إلى توحيد الله. دعوة أهل السنة تدعو إلى جمع الكلمة. المسجد الذي ذكره الله قال الله فيه: ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. لكن أهل السنة لا، لأن عندهم أصل دعاهم إليه القرآن والرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. وفي حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال في الحديث: «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا»، ثم ذكر منها: «وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا». إذن أهل السنة يدعون إلى جمع الكلمة على كتاب الله، وعلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى منهج الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. وهكذا هذه الدعوة إذا قامت في المسجد فإنها تنبذ الغلو، لأن الغلو ليس من الدين وقد حرمه القرآن والسنة. قال الله سبحانه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾. والنهي وإن كان لأهل الكتاب فهو لنا أيضًا. بل جاء في صحيح السنة من حديث ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ». وقال عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة: «وَمَا شَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ». فأهل السنة ليس في دعوتهم غلو ولا جفاء ولا شدة، وإنما جاءوا بالوسطية الحق، الوسطية الحنيفية، الوسطية على مفهوم القرآن والسنة، وليس على مفهوم أهل البدع والشركيات. فأهل السنة أهل وسط بين الغالي والجافي. كذلك دعوة أهل السنة تقوم على التيسير، وتقوم على التبشير، لا على التنفير ولا على التعسير. الآن هناك من يقول: أنا على الحق، وإذا به عنده من الشدة والغلظة حتى على إخوانه، بدع العلماء وحذر من أهل الحق، وجفى وغلى وشدّ ومزق ودمر، وهو يقول: أنا على الحق. لكن إذا نظرت إلى دعوته، إلى كلامه، تجد في كلامه من التفريق الكلمة، ومن الشدة. النبي عليه الصلاة والسلام لما أرسل معاذًا إلى اليمن وأبا موسى، كما جاء في حديث أبي بردة، قال: «يَسِّرَا وَلَا تَعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا». هذه دعوة أهل السنة: دعوة إلى الرحمة، دعوة إلى اللين، دعوة إلى الحكمة، دعوة إلى التبشير لا إلى التنفير، دعوة إلى التيسير. ولذلك الله يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. فلذلك نقول لمن بنى هذا المسجد: هنيئًا لك، فأنت موفق، ووكيلُك موفق في بناء هذا المسجد. أنت موفق، والتوفيق الأعظم أن اخترت أهل الحق الذين يقومون على هذا المسجد. وسترى بإذن الله، سترى الخير الذي يخرج من هذا المسجد. سترى من يخرج من هذا المسجد من حفاظ القرآن، ومن حفاظ الحديث، ومن أهل الفقه والعلم، ومن أهل الحكمة والرحمة، ومن يدعون لك. ويقولون: من أين هؤلاء؟ قالوا: هذا من مسجد عثمان. فيقول: رحمة الله على من بنى هذا المسجد، وجزى الله خيرًا من قام على هذا المسجد. والله ستذكر هذا الكلام، وأنك ستلقى من الثناء العطر بإذن الله في الدنيا، والجزاء في الآخرة. لا نقول هذا ضرب من الخيال، لا والله، نحن نتكلم على أدلة وواقع. هذه مساجدنا في عدن، في المكلا، في الشحر، في أي مكان. اذهب واجلس واسمع عن مساجد أهل السنة، واسأل من حولها، سيأتيك الخبر أنها مساجد خير، لا يخرج منها أهل الفتن، ولا أهل التفجير، ولا أهل التكفير، ولا أهل التحزب، ولا أهل البدع، ولا أهل الشدة، ولا أهل الغلظة، وإنما يخرج منها من يدعو الناس إلى توحيد الله، من دعوته فيها الرحمة، وفيها اللين، وفيها الحكمة، وفيها التحذير من تفريق الأمة. هذه مساجدنا، وهذه دعوتنا، والله على ما نقول شهيد. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم