المحاضرة بعنوان كلمة فضيلة الشيخ عبدالله بن مرعي العدني - هاتفيا -، والتي كانت بمسجد عثمان بن عفان بمنطقة روكب يوم الجمعة 8 شوال 1444هـ الموافق 28 أبريل 2023م ألقاها منوع
افتتح المتحدث اللقاء السنوي لأهل السنة والجماعة في حضرموت بالحمد والثناء على نعمة الإيمان واجتماع العلم، مستشهداً بحديث بناء مسجد عثمان بن عفان. ثم وجه الوصية الأولى بتقوى الله باعتبارها وصية الأولين والآخرين وسبباً لفتح أبواب الخير وإغلاق أبواب الشر.
أكد المتحدث على وجوب تحقيق تقوى الله حق تقاتها والتمسك بالإسلام حتى الممات، مبيناً أن مسؤولية الدين عظيمة تستوجب النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. كما أشار إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم أسباب حفظ الدين، وأن الاعتناء بالعقيدة الصحيحة علمًا وعملًا هو أول ما يجب التواصي به في زمن كثرت فيه الضلالات.
حذر المقطع من تسرب الإلحاد المبطن عبر التشكيك في الثوابت وإضعاف الالتزام العملي، مما يهدد شباب الأمة، وأكد وجوب تضافر جهود العلماء والدعاة والآباء لتثبيت العقيدة الصحيحة ونشرها بكل الوسائل اقتداءً بهدي النبوة. كما أوصى بالجد في طلب العلم والعمل به، والقرب من مراكز العلم حصناً للأسرة، مع الإخلاص والصبر سبيلاً للنجاح والسلامة.
اختتم المتحدث بالدعاء بالتوفيق والهداية ودفع الشر، وشكر جميع الحضور والمشاركين على جهودهم، سائلاً الله أن يجعل أعمالهم في ميزان حسناتهم وأن يكونوا مفاتيح للخير. ثم صلى على النبي محمد واختتم بالسلام.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، فإننا نحمد الله سبحانه وتعالى حمداً كثيراً طيباً فيه، كما يحب ربنا ويرضى. نحمده سبحانه وتعالى الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام، والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمده سبحانه الذي يسر مثل هذه الاجتماعات المباركة، وها نحن في هذه الليلة في اجتماع لأهل السنة والجماعة في بلاد حضرموت، ساحلها وديها، هذا الاجتماع السنوي المبارك الذي يجتمع فيه المشايخ والدعاة إلى الله وطلبة العلم، ليتذاكروا من العلم النافع ما يعين على العمل الصالح. هذه الدعوة دعوة مباركة، دعوة من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعوة فيها من الصفاء والنقاء والوضوح والصفاء ما كان سبباً في إقبال الناس عليها إقبالاً عظيماً. وها نحن نرى بفضل من الله بكل يوم يزداد إقبال أهل السنة والناس جميعاً على هذه الدعوة المباركة في تعلمها والعمل بها، وكذلك الاحتفاء بثوابتها. وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى. وهذا المسجد المبارك الذي يقام فيه هذا الاجتماع، قليل من كثير من آثار إقبال الناس على هذه الدعوة المباركة. هذا المسجد المبارك، مسجد عثمان بن عفان، هذا الجامع الذي نسأل الله عز وجل أن يجزي كل من ساهم فيه في بنائه وعمارته، العمارة الحسية والمعنوية، خير الجزاء، وأن يجعل الله عز وجل ذلك في ميزان حسناتهم جميعاً. ونذكر بعظيم فضل بناء هذه المساجد في قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عثمان وغيره: «من بنى لله مسجداً بنى الله له به بيتاً في الجنة». بل جاء في الحديث: «ولو كانت مفحص قطاة»، أي: ولو كانت المشاركة في البناء بقدر بيضة القطاة، وهو الطائر الصغير الذي هو أصغر من الحمام. فكيف بما هو أعظم من ذلك؟ فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعظم الأجر والمثوبة لكل من ساهم في بناء هذا الجامع المبارك، جامع عثمان، وساهم فيه بقليل أو كثير، بماله أو بجهده أو بعلمه أو بغير ذلك من أنواع المشاركات. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعظم الله عز وجل الأجر والمثوبة للجميع في ذلك. أيها الأحبة، ونحن في هذا الاجتماع المبارك، أشارككم فيه بهذه المشاركة ببعض الوصايا التي أوصي نفسي وإياكم بها. أول هذه الوصايا، الوصية التي أوصى الله عز وجل بها الأولين والآخرين، وهي تقوى الله سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾. تقوى الله التي لا يستغني عنها عالم ولا طالب، ولا ذكر ولا أنثى، ولا كبير ولا صغير، لأنها سبب لفتح أبواب الخيرات والمسرات في الدنيا والآخرة، وسبب لإغلاق أبواب الشرور والآفات وأسباب العذاب والظلمات في الدنيا والآخرة. تقوى الله التي تعين العبد على إصلاح ظاهره وباطنه، ونفسه وأهله وولده ومجتمعه. تقوى الله التي تجعل الفارق والفاصل بين الحق والباطل، وتجفع بالعبد لامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه. ولهذا كانت هذه الوصية وصية عظيمة، أوصى الله عز وجل بها الأولين والآخرين. ولأن الكثير من الناس قد يعلم هذه الكلمة ولا يحققها على مقتضى معناها الصحيح، أمر أهل هذا الدين أن يلتفتوا إلى هذا المعنى التفاتاً خاصاً، كما قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾. إن مدعي تقوى الله كثير، ولكن الذي يحقق معنى التقوى قليل. ومما يبرهن ذلك قوله سبحانه: ﴿ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾، أي: لا يدرككم الموت إلا وأنتم آخذون بهذا الإسلام من جميع جوانبه وأبوابه. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا وإياكم والسامعين على تقوى الله حق التقوى، وعلى أن نعمل بأوامره، وأن نجتنب نواهيه، وأن نقف عند حدوده، وأن يميتنا ونحن على الإسلام الذي يحبه ويرضاه لنا سبحانه. أيها المستمعون والمستمعات، والحاضرون والحاضرات، معاشر المشايخ والدعاة وطلبة العلم، إن مسؤولية هذا الدين مسؤولية عظيمة، حملنا الله عز وجل إياها، كل بحسب ما أعطاه الله عز وجل من العلم والقدرة. فالواجب على الجميع أن يجتهد فيما يجب مع هذا الدين العظيم من النصيحة للنفس والأهل والولد والمجتمع بأسره، بما يعين على أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا وفجروا هي السفلى. أن نتبع العلم العمل، فنكون مفاتيح خير ودعاة خير وأمثلة خير في هذا المجتمع، نزيد جمال هذا الدين بأقوالنا وأفعالنا وأخلاقنا، كما فعل سلفنا الصالح رضي الله عنهم أرضاهم. والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ﴾. معاشر المسلمين والمسلمات، أعزني الله وإياكم بهذا الدين. إن النصيحة لها شأنها العظيم في هذا الدين، حتى كاد أن يكون الدين فيها، في قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المشهور، حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أرضاه: «الدين النصيحة»، وهو في صحيح مسلم، وكرره خارج الصحيح في رواية خارج الصحيح ثلاث مرات: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة». قال: قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». إن عملنا بهذا الحديث العظيم حصل خير كبير وكثير. ولهذا كانت النصيحة، والتي منها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي منها التواصي بالحق، سبباً في الحفاظ على هذا الدين. ولهذا جاءت الأدلة الكثيرة في الأمر به، حتى عده بعض أهل العلم أنه الركن السادس من أركان هذا الدين. كما قال الله عز وجل: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾، فقدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن إقامة الصلاة. وجعل الله عز وجل خيرية هذه الأمة بالقيام بهذا الواجب، كما قال الله عز وجل: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾. والأدلة في هذا كثيرة، ومنها قول الله عز وجل: ﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ﴾. ومن أعظم ما يجب أن يؤمر به ويتواصى به أهل الحق، الأمر بأعظم ما جاءت به ثوابت هذا الدين وأوامره، وهو الاعتناء بالعقيدة الصحيحة علماً وعملاً، خصوصاً ونحن في زمان كثرت فيه الضلالات والشركيات والوثنيات وأنواع الكفريات، دعوات فيها إلحاد، يدعو بها من ينتسب إلى هذا الدين، فضلاً عن غيرهم. صار الإلحاد مبطناً، يدعى إليه بمسميات فيها من التلبيس ما يخرج بعض من في هذا الدين شيئاً فشيئاً حتى ينسل من هذا الدين، تارة بالتشكيك في ثوابت هذا الدين، وتارة ببث معاني كثيرة من معاني البعد عن هذا الدين والتحلل من القيود، هكذا يسمونها، حتى يبقون المسلم بإسلام لفظي لا حقيقة له في حياته، أو إن وجد صار مظاهر دون مخابر، وصارت مسميات لا واقعية لها، كحال الكثير ممن ينتسبون الإسلام بأسمائهم ولا وجود لهذا الإسلام في أعمالهم، فلا صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا صلة، بل وتشكيك في ثوابت هذا الدين، لا وقوف عند واجب ولا انتهاء عن حرام. وهذا من المعاني العظيمة التي ابتليت بها بعض المجتمعات، والكثير من شبابنا صار يتساقط، صار يتساقط مع سن الشباب والطيش والشهوة، وكثرة المغريات الفاتنة بزخرف في هذه الدنيا وفتنها الزائلة. وهكذا الدعوات الباطلة، دعوة أهل الباطل والضلال بأنواعهم من الباطنية والرافضة والصوفية وغيرهم، كلها تحتاج إلى جهود مباركة من العلماء والدعاة وطلبة العلم والآباء والأمهات والأبناء، في تثبيت العقيدة الصحيحة وأداء الواجب في هذا الجانب مع المجتمع بأسره، واستغلال الوسائل الممكنة في هذا المجتمع، المقروءة والمسموعة والمرئية والمكتوبة، كل بحسب استطاعته، وفي جميع ما يمكن الوصول إليه في الجامعات والمدارس وأماكن اجتماع الناس، حتى المستشفيات والسجون وغيرها، لهم علينا حق يجب أن نوصل هذه الرسالة. وهكذا بقية ثوابت هذا الدين، وهذا من أقل الواجب الذي ينبغي أن نتعاون عليه، وأن نحمل همّة، ونكون عندنا من تحمل المسؤولية والحرص عليها ما يدفعنا إلى أداء هذا الواجب على أكمل وجوهه. ولنا أسوة بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعوته، والأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وسيرة الأنبياء والرسل، وسيرة نبينا عليه الصلاة والسلام خاصة، مليئة بالعظات والعبر في باب الدعوة إلى الله والنصح للخلق، وهكذا الصحابة من بعدهم رضي الله عنهم أرضاهم. ولهذا وصل هذا الدين لمشارق الأرض ومغاربها بفضل من الله، ثم بجهود سلفنا الصالح، علمائنا وأمتنا والناصحين والصادقين من أهل هذا الدين. فلنكن بهم مقتدين، والموفق من وفقه الله. معاشر المسلمين والمسلمات، ومما نتواصى به الجد والاجتهاد في تحصيل العلم والعمل به وبثه في المجتمع، فإن الناس بحاجة إلى العلم والعمل به، والعمل يدعو إلى هذا العلم أكثر من الأقوال، وهو من أعظم أبواب الخير. فنحث الجميع على أن يقبل على هذا العلم كل بحسب استطاعته، لا يقف العالم عند ما وفقه الله من العلم، بل يحتاج إلى زيادة حتى يكون عالماً ربانياً. وهكذا الدعاة إلى الله والخطباء والقراء يحتاجون إلى التمكن والتزود أكثر، لينفع الله عز وجل بهم أكثر وأكثر. وقد يسر الله عز وجل في هذا الزمان من وسائل الاستزادة من العلم الشيء الكثير، فعندنا من الكتب والموسوعات، وهكذا كذلك الصوتيات والمكتبات، بل والمراكز العلمية، ما يعين على هذه الاستزادة. فلا نبخل على أنفسنا، معاشر المسلمين والمسلمات، في تحصيل العلم الجدي والاجتهاد فيه. وهكذا كذلك القرب من مراكز العلم، فالقرب منها حفظ لك ولأسرتك، صارت هذه المراكز حصوناً حصينة تعين المسلم على حفظ نفسه وأسرته وأبنائه، فلا تبخل على نفسك وعلى أسرتك وعلى أبنائك بمثل هذا الخير. وأخيراً، والنصائح كثيرة والوصايا عديدة، أوصي نفسي وإياكم بالصدق والإخلاص في القول والعمل، وفي الظاهر والباطن، مع أنفسنا وأسرنا وأبنائنا ومجتمعاتنا، مع العلم والعمل. وهكذا كذلك الدعوة إلى هذا العلم والعمل، والصبر على ذلك كله، وهي أعظم أسباب النجاح والسلامة من الخسارة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يدفع عنا وعنكم كل شر وضرر، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. وبهذا القدر نكتفي، وأكرر الشكر لكل من كان سبباً في هذا الخير وهذا الاجتماع، وكذلك من كانت له مشاركة قليلة أو كثيرة، حسية أو معنوية. نسأل الله عز وجل أن يجزي الجميع خير الجزاء، وأن يجعل ذلك في ميزان حسنات الجميع، وأن يجعلنا وإياكم مفاتيح خير ودعاة خير. اللهم آمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وجزاكم الله خيراً، شكراً.