الدرس في التعليق على دليل السالك إلى ألفية ابن مالك 248، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبين المقطع الأصل في إعراب الفعل المضارع وهو الرفع عند تجرده من النواصب والجوازم مستشهداً بالآية الكريمة، ثم ينتقل لشرح نصب الفعل بـ (لن) الدالة على نفي المستقبل مع التمثيل بآيتين قرآنيتين وإعرابهما.
يفصل المقطع في عمل حرف (لن) النافية ودخول همزة الإنكار عليها، ثم يوضح وظيفة (كي) المصدرية الناصبة بنفسها مسبوقة باللام والفرق بينها وبين (كي) التعليلية الجارة، مع بيان مواضع نصب (أن) ظاهرة ومضمرة.
يوضح المقطع اشتراط تقدم اللام على (كي) لعملها في النصب، وبيان ضعف عمل (كي) عند تأخر اللام أو مجيء (أن) بعدها، مع جواز تقدير اللام أو (أن) المضمرة عند تجرد (كي) وأفضلية النصب بـ (أن) لقوتها.
يفسر المقطع عبارة (لكي أن تدوم مودته) بمعنى استمرار الصحبة وعدم البغض، ثم يعلن تأجيل تفصيل حروف (أن) و(لأن) للدرس القادم مختتماً الجلسة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: «ارفع مضارعا إذا يجرد من ناصب وجازم كتسعد». قال: تقدم في أول الكتاب أن المضارع له حالتان: الأولى حالة إعراب، والثانية حالة بناء. نعم، وحالة الإعراب هي الأصل؛ يعني الأكثر، والبناء في حالتين: إذا اتصل به نون النسوة «يرضعن»، أو نون التوكيد المباشرة «يضربن». قال: وقد تقدم البحث في بنائه، تقدم معنا في أول الدروس. قال: وهذا بحث في إعرابه، وهو إما رفع أو نصب أو جزم، وهذه ألقاب الإعراب بالنسبة للمضارع، ولا جر فيه. قال: فإن تقدمه أداة نصب نصب، أو أداة جزم جزم، فإن لم يتقدمه شيء من ذلك رفع. الأصل فيه الرفع إذا لم يتقدم عليه ناصب أو جزم، وإذا تقدم ناصب نصب، أو جزم جزم. نحو قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾. الشاهد: «يدبر» فعل مضارع مرفوع لتجرده من الناصب والجزم، وعلامة رفعه الضم. قال: «فيدبر فعل المضارع مرفوع لتجرده من الناصب والجزم، وعلامة رفعه الضم الظاهر على آخره، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والأمر مفعول به منصوب». وهذا معنى قوله: «ارفع مضارعا» إلى آخره، أي: ارفع الفعل المضارع إذا تجرد من ناصب أو جزم، كتسعد بفتح التاء، مضارع سعادة. سعادة ثلاثي، والقاعدة في المضارع: إذا كان ثلاثي الماضي فتح أوله، وإذا كان رباعي ضم أوله، وإن كان أكثر من رباعي فمثل الثلاثي فتح أوله: «يستخرج»، «ينطلق». هذه القاعدة التي أخذناها من قبل. فـ «تسعد» فعل مضارع من الفعل السعيد. قال: بفتح التاء مضارع سعادة. ولم يقيد ابن مالك المضارع بكونه خاليا من النونين: نون التوكيد ونون الإناث، لكونه معلوما مما تقدم في باب المعرب والمبني. يعني: ما قال «إذا لم يتصل بنون النسوة ونون التوكيد» لأنه شيء قدر معلوم. هذا معنى كلامه. قال: «وَبِلَنِنْصِبْهُ وَكَيْكَذَا بِأَنْ لَا بَعْدَ عِلْمٍ وَالَّتِي مِنْ بَعْدِ ظَنْ فَانْصِبْ بِهَا وَالْرَفْعَ صَحَّحْ وَاعْتَقِدْ تَخْفِيْفَهَا مِنْ أَنَّ فَهُوَ مُضْطَرِدْ». قال: شرع في الحالة الثانية من أحوال إعراب المضارع وهي نصبه إذا صحبه حرف ناصب، وهو: «لن»، أو «كي» المصدرية، و«أن» المصدرية، و«إذن». هذه تنصب بنفسها، هذه الأربع تنصب المضارع بنفسها لا بشيء مضمر، وهي: «لن»، و«كي» المصدرية، و«أن» المصدرية، و«إذن» الجوابية كما سيأتي معنا. قال: أولا: فأما «لن» فهي حرف نفي واستقبال، أي نفي الحدث. لما تقول: «لم يعمل»، فنفيت العمل، نفيت هذا الحدث وهو حدث العمل. هذا معنى قوله: نفي الحدث في الزمان المستقبل. ومعنى «في الزمان المستقبل» لأن «لن» تفيد الاستقبال. لما تقول مثلا: «لن أفعل»، تقول: «لن أفعل» يعني في المستقبل، ما هو في الحال. لأن الفعل المضارع إما أن يدل على الحال أو الاستقبال أو عليهما جميعا. فإذا دخلت «لن» على الفعل المضارع خرج الحال، خلاص ما يدل على الحال، إنما يدل على ماذا؟ على الاستقبال فقط. يعني أوجبت في هذا الفعل المضارع الاستقبال، أوجبت وجوبا يعني دون الحال. فهذا معنى قولي: في الحدث في الزمان المستقبل، في الزمان المستقبل. قال: لي أنه إذا دخلت على المضارع خلصته للاستقبال، يعني صار خالصا، فخرج بذلك ماذا؟ الحال. نحو: ﴿لَن يَنْدَمَ الْمُحْسِنُونَ﴾. فهنا «لن» تقول فيها: حرف نفي ونصب واستقبال، نفي ونصب واستقبال. «يندم» فعل مضارع منصوب بـ «لن»، وعلامة نصبه الفتحة، و«المحسن» فاعل. قال تعالى: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾. فـ «لن» هنا أيضا تقول: فعل حرف نفي ونصب واستقبال. «نبرح» فعل مضارع منصوب بـ «لن»، وهو من أخوات «كان»، وعليه جار ومجرور متعلق بـ «عاكفين»: «عاكفين عليه» لأن «عاكف» اسم فاعل. واسم «نبرح» ضمير مستتر تقديره: «نحن». «لن نبرح نحن»، و«عاكفين» خبر «نبرح» منصوب، وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم، جمع «عاكف». هذا هو إعراب هذه الآية، والتقدير: «لن نبرح نحن عاكفين عليه». قال: فـ «لن» حرف نفي واستقبال ينصب المضارع. «نبرح» فعل مضارع ناقص يرفع الاسم وينصب الخبر. ناقص لأنه من أخوات «كان»، ما ترفع فاعلا وإنما ترفع ماذا؟ اسما، وتنصب خبرا. منصوب، علامة نصبه الفتح الظاهر، واسمه ضمير مستتر تقديره: «نحن»، و«عاكفين» خبر. وقد تدخل عليها همزة الاستفهام التي للإنكار، يعني تدخل على «لن» كما في قوله تعالى: ﴿أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ﴾. «ألن يكفيكم» هنا «لن» تقدمتها همزة الاستفهام للإنكار، يعني فائدة هذا الاستفهام الإنكار. فـ «لن» حرف نفي ونصب استقبال، و«يكفي» فعل مضارع منصوب، وعلامة نصبه الفتحة، والكم مفعول به، والميم علامة جمع. المصدر المؤول «أن يمدكم» في محل رفع فاعل، والتقدير: «ألن يكفيكم مدكم». فـ «مد» هنا يكون فاعل «أن»، وما دخلت عليه «أن» وما دخلت عليه. قال: الثانية: وأما «كي» يعني من النواصب التي تنصب بنفسها. وأما «كي» المصدرية فعلامتها أن تسبق بلام التعليل. نحو: «تعلم لكي تفيد وتستفيد». «تفيد» لأنه من الفعل الماضي «أفاد»، رباعي، أفاد، فيضم أوله. وأما «تستفيد» فهو من «استفاد»، «استفاد» من «استفاد» فهو سداسي، والسداسي يفتح أوله. فتقول: «لكي تفيد وتستفيد». الشاهد: «لكي تفيد». فتقول في إعرابه: اللام لام التعليل، و«كي» حرف مصدر، نصب، و«تفيد» فعل مضارع منصوب بـ «كي»، علامة نصبه الفتحة، والواو حرف عطف، «تستفيد» معطوف على «تفيد» فهو منصوب مثله. قالوا منه قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾. طبعا اللام هذه هي لام تعليل لكنها جارة، وإذا قلنا «كي» حرف مصدر بمعنى أنه يعني يتأول مع ما بعده بمصدر، فيكون هنا التقدير يعني ماذا يكون هنا التقدير؟ «تعلم لفائدتك واستفادتك». هكذا يكون، هكذا يكون التقدير. قالوا منه قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾ أي تحزنوا. فـ «لكي لا» اللام حرف جر يعني تعليل لكنه تفيد الجر. طيب، و«كي» حرف مصدري ينصب المضارع، و«لا» نافية. في قوله: أصل المثال «لكي لا» فالله هنا اتصلت بـ «يا كي». طيب هذا في الكتابة في الإملاء، لكن لو فصلت فلا هنا هي نافية، ليست يعني من «كي» وحدها، وإنما «لا» هنا اتصلت بـ «كي». فاللام حرف جر، و«كي» حرف مصدر ينصب المضارع، و«لا» نافية، و«تأسوا» فعل مضارع منصوب بـ «كي»، وعلامة نصبه حذف النون لأن أصله «تأسون» من الأفعال الخمسة، والأفعال الخمسة تنصب بماذا؟ تنصب بحذف النون، تنصب بحذف النون. فقوله هنا: «تأسوا» فعل مضارع منصوب بـ «كي»، علامة نصبه حذف النون لأنهم الأفعال الخمسة، والواو فاعل. و«كي» وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور باللام، والتقدير: «لعدم أساكم». لماذا قدرنا «عدم»؟ لأن «عدم» في مقابل «لا»، «لا» نافية، والعدم بمعنى النفي. طيب، فهنا يكون التقدير: «لعدم أساكم». مصدر «تأسوا» «أساكم» «أسا» «تأسوا» «أسا» «أساكم» لأن التأسو اتصل به الواو. طيب. قال: وقولنا «كي» المصدرية احتراز من «كي» التعليلية، فليست ناصبة وإنما هي حرف جر، وتقدم ذكرها في حروف الجر. وما الفرق بين «كي» الناصبة و«كي» الجارة؟ كما تقدم معنا أن «كي» الناصبة لابد أن يتقدمها اللام، أما الجارة فلا يتقدم لها. سينبه على ذلك. قال: وقولنا «وقولنا كي المصدرية احتراز من كي التعليلية فليست ناصبة وإنما هي حرف جر وتقدم ذكرها في حروف الجر والناصب بعدها أن مضمرة أو مظهرة» يعني ليست هي ناصبة بنفسها إذا أتت جارة فقط دون يعني أتت للتعليل فقط دون النصب، فتكون يكون الفعل بعدها نعم منصوب لكنه ليس بـ «كي» وإنما هو بـ «أن» مضمرة أو مظهرة. لأن من مواضع من مواضع نصب الفعل المضارع بـ «أن» مضمرة جوازا أن يأتي قبل «كي» التعليلية. هذا من المواضع ما سيأتي معنا أن «أن» الناصبة قد تنصب ظاهرة وقد تنصب، ولذلك أخر هنا الكلام عليها لأن الكلام عليها يطول. طيب، فـ «أن» هذه تنصب ظاهرة وتنصب مضمرة، والمضمرة قد يكون مضمرة جوازا وقد يكون مضمرة ماذا؟ وجوبا، وهذا سيأتي معنا كله. فالآن عرفنا أن من مواضع «أن» نصب بـ «أن» مضمرة جوازا قبل «كي» التعليلية، قبل «كي» التعليلية. فهذا معنى قوله: «والناصب بعدها أن مضمرة أو مظهرة» يجوز هذا وهذا وذلك إذا تأخرت عنها اللام أو «أن». نحو: «جئت كي لأتعلم» هنا تأخرت عنها اللام، ما قال: «لكي أتعلم»، قال: «كي لأتعلم»، أخر اللام. طيب، أخر اللام، ما قدمها. ومن شرط «كي» حتى تنصب وحدها أن يتقدم عليها ماذا؟ اللام، أن يتقدم عليها اللام. و«جئت كي أن أتعلم» هنا تأخر عنها «أن»، فهنا نصب بـ «أن» المضمرة، بـ «أن» الظاهرة أو المظهرة، ليست بـ «كي» لأن «أن» أقوى في العمل من «كي»، و«كي» لم يتقدمها اللام. فإذا تقدمها اللام ما نحتاج إلى «أن»، فتنصب هي مباشرة، تنصب مباشرة كما مر معنا. قال: «فإن تجردت من اللام قبلها» إن تجردت من اللام قبلها و«أن» بعدها جاز اعتبارها مصدرية بتقدير اللام قبلها، وجاز اعتبارها تعليلية بتقدير «أن» بعدها. يعني إذا رأيت مثلا قال: «جئتك كي تكرمني» مثلا، الآن «كي» ما فيها اللام لا قبل ولا بعد، ها وما في «أن» بعدها، فهنا الفعل ينصب، ينصب لا محالة، لكن بماذا ينصب؟ يجوز أن ننصبه بـ «كي» نفسها ونقدر اللام قبلها، ننوي في أنفسنا أن هناك لام مقدرة، لأن من شرط إعمال «كي» أن يتقدمها ماذا؟ اللام. فهمتم هذا؟ لام. ويجوز أن لا ننوي اللام، طيب، نجعلها مجرد من اللام، طيب، نجعل «كي» فقط لمجرد التعليل ليست ناصبة، طيب، والفعل المضارع ننصبه بـ «أن» مضمرة جوازا، فيكون التقدير: «كي أن أكرمك»، «كي أن أكرمك». فهمتم هذا الآن؟ فهذا معنى قوله: «فإن تجردت من اللام قبلها وأن بعدها جاز اعتبارها مصدرية بتقدير اللام قبلها وجاز اعتبارها تعليلية بتقدير أن بعدها». كقوله تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾. في «تقر عينها» وجهان، ما هما؟ هذان الوجهان: الوجه الأول أن «تقر» منصوب بـ «كي» نفسها، ونقدر لام قبل «كي»، واضح. ويجوز أن ننصب «تقر» بـ «أن» مضمرة جوازا، والتقدير: «كي أن تقر». قال: «وإن ذكرت اللام قبلها وأن بعدها جاز أن تكون كي مصدرية ناصبة للمضارع وأن مؤكد لها». هذا أيضا تفصيل آخر، إذا ذكرت اللام قبلها و«أن» بعدها جمعت بين الأمرين، جمعت بين الأمرين، كما مثل: «اغفر للصديق هفوته لكي أن تدوم مودته» لأن جمع بين اللام اللي قبل و«أن». طيب، الآن هل هو منصوب بـ «كي» أو بـ «أن»؟ لأن وجود اللام معناه «كي» عاملة النصب حسب ما تقدم، معناه، ووجود «أن» معناه الناصب هنا، إذن إيش نفعل؟ قال: هنا «وإن ذكرت اللام قبلها وأن بعدها جاز أن تكون كي مصدرية ناصب للمضارع يعني نصب الفعل بـ «كي» وأن، و«أن» مؤكد لها من باب تأكيد حرف بحرف لأن «أن» حرف و«كي» حرف، كأن نكرر الناصب فهو تأكيد. وضع هذا، اللام، وأن تكون تعليلية مؤكدة للام لأن اللام هنا كذلك فيه معنى التأكيد، فيه معنى التأكيد، فيكون «كي» مؤكدة للام، والعامل إيش؟ «أن». وضع هذا الآن، والناصب للمضارع هو «أن» وهو الأفضل. لماذا الأفضل؟ قالوا: لأن «أن» أقوى في العمل من «كي»، لأن «كي» ما تعمل إلا بشروط، ووجود الشروط دليل على الضعف، دليل على الضعف. يعني إنسان مثلا تقول: «ادخل المدينة أي وقت شئت»، وفلان تقول: «ادخل المدينة لكن بشرط»، أيهما أقوى؟ الأول، لأن قوي يدخل بدون شرط. فقالوا: الأفضل أن تكون العاملة هنا «أن» لأنها تعمل من غير شرط، بخلاف «كي» تعمل من شرط وهو أن يتقدمها ماذا؟ اللام. فهمتم هذا؟ اللام. قال: وهو الأفضل. نحو: «اغفر للصديق هفوته لكي أن تدوم مودته». «اغفر للصديق هفوته» يعني زلته، لا تحاسبه على كل صغيرة وكبيرة. وهذا وهذا بمعنى قول القائل: «إذا كنت في كل الأمور معاتبا صديقك لم تلقى الذي لا تعاتبه». طيب، أو «لم تلقى الذي لا تصاحبه» إذا معك صديق في كل شيء تعاتبه وتخطيه وكذا يمل منك ويذهب، ما يستمر في صداقته وعشرته معك. وهكذا هذا المثال: «اغفر للصديق هفوته» يعني سامحه في هفواته، لماذا؟ «لكي أن تدوم مودته» يعني يستمر في صحبتك ولا يبغضك ويكرهك. ثم ذكر «أن» و«لأن» والحديث يطول فيها، إن شاء الله نؤجلها إلى الدرس القادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى.