التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 99

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 99

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 99، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح أقسام أعمال الكفار وتطبيقها

قسم شيخ الإسلام أعمال الكفار إلى ثلاثة أقسام: مشروع في ديننا، مشروع ثم نسخ، ولم يكن مشروعا أبدا. ثم طبق هذه الأقسام على العبادات والعادات والأعياد.

أحكام الأعياد والعادات المرتبطة بها

أباح النبي صلى الله عليه وسلم الغناء المباح في الأعياد مثل غناء الجواري الصغار، وشرع اللعب في الأعياد. نهى عن صيام يوم العيد واستحب صيام يوم عرفة.

تحريم مشابهة الكفار في العبادات والعادات

يناقش تحريم مشابهة الكفار في العبادات والعادات، ويبين أن مشابهتهم في العبادات والعادات المحدثة من قبلهم هي أقبح وأشد تحريمًا مستدلًا بالقرآن والسنة والإجماع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى ما ذكره شيخ الإسلام من أن أعمال الكفار على ثلاثة أقسام: قسم مشروع في ديننا مع كونه كان مشروعا لهم أو لا يعلم أنه كان مشروعا لهم، لكنهم يفعلونه الآن، وقسم كان مشروعا ثم نسخه شرع القرآن، وقسم ثالث لم يكن مشروعا بحال، إنما هم أحدثوه. وهذه الثلاثة الأقسام إما أن تكون في العبادة المحضة أو العادة المحضة، أو أن تجمع بين العبادات والعادات، فهذه تسعة أقسام. ثم ذكر القسم الأول، ومثلا لذلك، ثم قال: القسم الثاني ما كان مشروعا ثم نسخ بالكلية، أنه مشروع عندهم ونسخ في القرآن. قال: كالسبت، سبت اليهود، يعني عيد الأسبوع عندهم السبت، والله عز وجل جعل العيد لهذه الأمة الجمعة، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط المستقيم، فهداهم أي إلى الجمعة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، نحن الآخرون أي في الأمم، والسابقون يوم القيامة»، بيد أنه كان اليهود السبت، والنصارى الأحد، وهذه الأمة صارت الجمعة معنا قبلهم، فحسابهم أيضا يكون قبل اليهود والنصارى، وعيدهم هو الجمعة التي اختارها الله عز وجل لهذه الأمة وهداها لها، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه بإذنه. فالله عز وجل هدى هذه الأمة إلى الجمعة، وأما السبت فقد نسخ، أي نسخ فلا يكون عيدا. قالوا: إجاب الصلاة أو صوم، لا يخفى النهي عن موافقتهم في هذا، سواء كان واجبا عليهم فيكون عبادة، أو محرما عليهم فيتعلق بالعادات. فليس للرجل أن يمتنع من أكل الشحوم وكل ذي ضفر على وجه التدين بذلك، لأن هذا منسوخ في ديننا، وإنما كان في دينهم، وهو تحريم الشحوم وكل ذي ضفر. قالوا: وكذلك ما كان مركبا منهما، وهي الأعياد، أن الأعياد تكون عبادة وعادة، التي كانت مشروعة لهم. فإن العيد المشروع يجمع عبادة، وهو ما فيه من صلاة أو ذكر أو صدقة أو نسك، ويجمع عادة، وهو ما يفعل فيه من التوسع في الطعام واللباس، أو ما يتبع ذلك من ترك الأعمال الواضبة. معنى الواضبة: أي التي يداوم عليها، معنى الأعمال التي يداوم عليها من الواضبة. قالوا: واللعب المأذون فيه في الأعياد لمن ينتفع باللعب ونحو ذلك. معنى الأعياد تجمع عبادات وعادات، مثلا الآن عندنا العيد عيد الأضحى، صلاة هذه عبادة، الذبح عبادة، لكن فيه هناك أشياء عادات مثل التوسع في الطعام والشراب أيام أكل وشرب. وأيضا كذلك أذن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض اللعب، مثل ما كان الحبشة يلعبون في المسجد في وقت العيد، وأيضا مثل ما كان البنات أو الجواري يغنين في العيد عند النبي عليه الصلاة والسلام. فلما دخل أبو بكر، قال: «مزمار الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم»، فقال: «يا أبا بكر، دعهما، إن لكل قوم عيد، وهذه عيدنا». فهذا أيضا من العادات التي تجوز في الأعياد، وهو الغناء المباح الذي يكون غالبا من الجواري الصغار. قالوا: لهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم لما زجر أبو بكر رضي الله عنه الجواري عن الغناء في بيته: «دعهما يا أبا بكر، فإن لكل قوم عيد، وإن هذا عيدنا». والحديث معروف في الصحيحين. قالوا: كان الحبش يلعبون بالحراب يوم العيد، والنبي عليه الصلاة والسلام ينظر إليهم. قال: «فالعيد المشروع يشرع فيها وجوبا أو استحبابا من العبادات ما لا يشرع في غيرها، ويباح فيها أو يستحب أو يجب من العادات التي للنفوس فيها حظ ما لا يكون في غيرها كذلك». ولهذا وجب فطر العيدين، وقرنه بالصلاة في أحدهما الصدقة. أن كانت اليهود عندهم يصومون العيد، لكن عندنا العيد لا تصام، العيد لا تصام. لهذا نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن إفراد الجمعة، ونهى صلى الله عليه وآله وسلم أيضا عن صيام يوم الفطر ويوم النحر، وكذلك ثلاثة أيام التشريق، نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن صيامها، ورخص لمن لم يجد الهدي. وأما يوم عرفة، فقد اختلف فيه، وجمهور العلماء على استحباب صيامه، لأنه يوم عبادة أعظم من أن يكون عادة. أن العبادة في يوم عرفة أكثر من العادة، فلهذا فهو أقرب إلى أن يكون يوم عبادة، فلهذا أجيز فيه الصيام، لأنه يوم فيه تعتق الرقاب من النار. ولا شك أن مثل هذه الأمور عن الأيام التي فيها رفع العبادات ورفع الأعمال وعتق الرقاب، فيكون العبد وهو على طاعة، وعلى يأتيه مثل هذه الأمور غالبا يكون العبد على طاعة، وأعظم الطاعات الصيام، فلهذا كان يستحب صيام عرفة على غير العادة، وإلا فالعيد لا تصام. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه بموسى، لما قال في الصحيحين: قال في يوم عاشوراء: «أن اليهود تصومه وتتخذه عيدا»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموه أنتم». وجاء في رواية النسائي كما قلنا: «ولا تتخذوه عيدا، صوموه أنتم ولا تتخذوه عيدا». فأحيانا إذا غلبت العبادة على الزمن، فإنه يغلب على العادة، فيوم عرفة يوم طاعة، ويوم عبادة، ويوم دعاء، ويوم عتق من النار، فيحتاج إلى أعمال صالحة في ذلك اليوم. فالقسم الثاني هو ما نسخ عندنا، ما نسخ عندنا، ومن ذلك فطر العيدين، فطر العيدين هذا عندنا، وأما اليهود كانوا يصومون في أيام عيدهم. قال: فموافقتهم في هذا القسم المنسوخ من العبادات والعادات، وكلاهما أقبح من موافقتهم فيما هو مشروع العصر. ولهذا كانت الموافقة في هذا محرمة، كما سنذكره، وفي الأول قد لا تكون إلا مكروها. وسيتكلم الشيخ على مسألة العيد. قال: وأما القسم الثالث، وهو ما أحدثوه من العبادات أو العادات أو كليهما، يعني ليس هو مشروعا، ولكن أحدثوه أولا الكفار، فهو أقبح وأقبح، فإنه لو أحدثه المسلمون لقد كان يكون قبيحا، أن لو أحدثه المسلمون، فكيف وقد أحدثه أولئك الكفار؟ فكيف إذا كان مما لم يشرعه نبي قط، بل أحدثه الكافرون؟ فالموافقة فيه ظاهرة القبح. فهذا أصل، فهذا أصل أقبح من ما سبق، أن يوافقون فيما أحدثوه من العبادات أو العادات. قال: وأصل آخر، وهو أن كل ما يشابهون فيه من عبادة أو عادة أو كليهما، هو من المحدثات في هذه الأمة، ومن البدع. إذ الكلام فيما كان من خصائصهم، وأما ما كان مشروعا لنا، وقد فعله سلفنا السابقون، فلا كلام فيه. فمن ذلك، مثلا، البناء على القبور، البناء على القبور هو شيء أحدثه اليهود والنصارى، خاصة النصارى أحدثوا البناء على القبور. ولهذا لما ذكر الله عز وجل مسألة البناء، فقال: ﴿وَقَالُوا لِنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ أن يبنوا على القبر مسجدا، فهذا من إحداث هؤلاء اليهود والنصارى، لم يأمرهم الله عز وجل بذلك. ومن العجيب أن بعض الناس، خاصة الذين ابتلوا بالتعلق بالمقبورين، يستدلون بهذه الآية على جواز رفع القبور والبناء عليهم، وهذا بعيد جدا. أولا لأن هذا شرع من قبلنا، والأمر الثاني أنه لم يأت فيه ثناء عليهم، بل الآية تدل على ذمهم، قال: ﴿الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ أي الملوك والذين لهم الأمر، وغالبا هؤلاء ما يفعلون إلا ما تهواه أنفسهم، فلهذا فهو لا دليل فيه. وزيد على ذلك أن الشرع، أي شرعنا، قد نهى عن ذلك، لكن هؤلاء لا يعقلون. قال: فجميع الأدلة الدالة من الكتاب والسنة والإجماع على قبح البدع وكراهتها، تحريما أو تنزيها، تندرج هذه المشابهات فيها، فيجتمع فيها أنها بدع محدثة، وأنها مشابهة للكافرين، وكل واحد من الوصفين موجب للنهي، أنه قلنا: أنه بدعة منهي عنها، أو أنه مشابه للكافرين، كلاهما منهي عنه. قال: إذ المشابهة منهي عنها في الجملة، ولو كانت في السلف، والبدع منهي عنها في الجملة. معنى لو كانت في السلف، أي ولو كانت في السلف، وهي من عادات اليهود والنصارى، ولو كان يفعلها بعض المبتدعة في ذلك الوقت، مثل مثلا التصوف، أصله من دين النصارى، فأخذه بعض العباد وجعلوه دينا يدان. قال: والبدع منهيون عنها في الجملة، ولو لم يفعلها الكفار. فإذا اجتمع الوصفان، وكان صار علتين مستقلتين في القبح والنهي، معنى التشبه. وكذلك البدع، أنه بدع محدثة، وكذلك تشبه، فهذا ما ذكره الشيخ في أقسام الثلاثة الأقسام، وسيفصل بعد ذلك في الأعياد ومسألة الأعياد، وهي مناسبة في وقتنا هذا. إن شاء الله نكمل في درس اللاحق، والحمد لله رب العالمين.