الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 101، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ذكر ابن تيمية طريقين لعدم جواز موافقة المشركين في أعيادهم، كما أن حضور أعيادهم محرم لما في ذلك من التشبه بهم وتسمية تلك الأعياد بالزور في القرآن.
استدل الشيخ بآيات القرآن على تحريم مشابهة الكفار في أعيادهم، مبينا أن ترك مشابهتهم هو الأفضل مستشهدا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية.
لبس شيء ما للتزين لا يثير مشكلة كبيرة بإذن الله، حيث أشار المتحدث إلى عدم وجود مشكلة في هذا الفعل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فذكر الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الاقتضاء في مسألة موافقة أعياد المشركين أنها لا تجوز موافقتهم في أعيادهم، وذكر ذلك - أي عدم الجواز - من طريقين. الطريق الأول هو ما تقدم من أن هذا موافقة لأهل الكتاب فيما ليس في ديننا، ولا عادة سلفنا، فيكون فيه مفسدة موافقتهم. وقد تقدم من الطرق التي ذكرها الشيخ الإسلام ثلاثة أقسام، منها ما لا يكون موافقة لشرعنا، وليس في ديننا، ولا أيضا عمل به السلف، وإنما هو عادة عند أهل الكتاب، سواء كان قديما أو أحدثوها، فهذه لا يجوز موافقتهم فيها إذا كانت اختصت بهم، إما أن تكون محرمة، أو تكون من البدع المحدثة إذا كانت في الدين. الطريقة الثانية أنه قد جاءت الأدلة الخاصة في النهي عن التشبه بأعياد المشركين، أو الاحتفال باحتفالاتهم، أو التعيد بأعيادهم. وذكر آثارا عن السلف في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾، فجاء عن مجاهد، وابن سيرين، والضحاك، ابن مزاحم، وغيرهم، على أن قوله جل وعلا: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ أي لا يشهدون أعياد المشركين، لأن الشهود هنا المراد به الحضور، فالزور هنا كل ما كان من هذا النوع، ويدخل فيه أعياد المشركين. قال: ووجه تفسير التابعين المذكورين أن الزور هو المحسن المموه، حتى يظهر بخلاف ما هو عليه في الحقيقة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور»، وهذا الحديث في الصحيحين. والمتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور، فهو تشبه أو ظهر بما لم يكن من أصله، وإنما أراد الفخر، فتشبع بما لم يعط، فقال: «كلابس ثوبي زور»، فالزور هو المموه. وأيضا يدخل في ذلك كل ما كان من هذا القبيل من أعياد المشركين، والكذب، والنميمة، وغيره. قال: ولما كان يظهر بما يعظم به مما ليس عنده، فالشاهد بالزور يظهر كلاما يخالف الباطن. ولهذا فسره السلف تارة بما يظهر حسنه لشبهة أو لشهوة، وهو قبيح في الباطن، فالشرك ونحوه. فسر بعضهم هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ بالشرك، أو عبادة الأصنام، فهذا أيضا داخل في هذا التفسير، قال: يظهر حسنه للشبهة والغنى ونحوه، يظهر حسنه للشهوة. قال: وأما أعياد المشركين، فجمعت الشبهة والشهوة، وهي باطل، إذ لا منفعة فيها في الدين، وما فيها من اللذة العاجلة فعاقبتها إلى ألم، فصارت زورا، وحضورها شهودها. وإذا كان الله قد مدح ترك شهودها - أي مدح من يترك شهود هذه الأماكن أو هذه الأشياء التي هي محرمة، سواء كان شركا أو غناء أو عيدا للمشركين وغيرهم - قال: الذي هو مجرد الحضور برؤية أو سماع، فكيف بالموافقة بما يجوز على ذلك؟ فمن شهد المنكر - كما جاء في الحديث - «من شهد المنكر»، أو قال: «من لم ينكر المنكر»، ووافقه أعظم ممن شهد المنكر. معنى الذي يشهد المنكر ولا ينكره أعظم ممن وافق على هذا المنكر وأيده هذا المنكر. فلهذا قال: وإذا كان الله قد مدح ترك شهودها الذي هو مجرد الحضور برؤية أو سماع، فكيف بالموافقة بما يجوز على ذلك من العمل الذي هو عمل الزور، لا مجرد شهوده؟ فالذي يشهده ويحضر محرما عليه، فكيف بمن يوافق على هذا ويعمل هذا الشيء؟ قال: ثم مجرد هذه الآية فيها الحمد لهؤلاء والثناء عليهم - أي لمن ترك شهادة الزور - وذلك وحده يفيد الترغيب في ترك شهود أعيادهم وغيرها من الزور، ويقتضي الندب إلى ترك حضورها. وقد يفيد كراهة حضورها لتسمية الله لها زورا، حتى ولو كان هذا العيد فيه شيء من المباحات، مثلا في عيد ما يسمونه عيد الكريسمس، أو رأس السنة، أو ميلاد المسيح، فهذه العيد التي عند النصارى يفعلون أطعمة ويوزعونها. وأيضا لهم أشياء من المحرمات، لا شك من الاختلاط، ومن شرب الخمر، وغيره، لكن أيضا لهم أشياء مباحة، مثلا كما قلنا: يفعلون كيكات، ويلبسون تلك اللباس الذي يسمونه بابا نويل، ويعملون الشجرة تلك، وغير هذه الأشياء، في أصلها مباحة، لكنها صارت في ديننا هنا محرمة، لماذا؟ لأن من فعلها فهو متشبه بهم، من يفعل مثل هذه الأشياء فهو متشبه بالكفار، فلهذا لا يجوز حضورها. ولو مثلا فعلوا مثل هذا، أو مثل ما يحتفل بعض الكفار بعيد الشيطان، يقولون: هذا عيد الشيطان، أو عيد الشر، فيخرج كلهم مثل ما حصل في الرياض وغيره، أنهم يلبسون لباسا أو يلبسون لباس الأشرار، ويغطون وجوههم بغطاء من أوجه الأشرار كما يقولون، ثم يخرجون في الشوارع يمشون، فهذا أيضا فعل قبيح، وشهود مثل هذا أيضا لا يجوز، لأن هذا من الزور الذي نهى الله عز وجل عنه. قال: فأما تحريم شهودها من هذه الآية، ففيه نظر، ودلالتها على التحريم أولى، لأن الله تعالى سماها زورا، وقد ذم من يقول الزور، وإن لم يضر غيره، لقوله في المتظاهرين: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾. حتى لو لم نستفد من هذه الآية التحريم، لأن الله عز وجل جاء بها على صيغة الثناء، على صيغة الثناء، وهي قوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾، لكن الزور محرم، وأيضا فعله محرم، فشهوده كذلك محرم. والزور لا يجوز للمسلم أن يقوله، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾، ففاعل الزور كذلك. وقد يقال: قول الزور أبلغ من فعله. قد يعترض على هذا معترض ويقول: قول الزور أبلغ من فعله، الذي يقول الزور أبلغ ممن يفعل الزور. قالوا: لأنهم إذا مدحهم على مجرد تركهم شهوده، دل على أن فعله مدموم عنده. إذ لو كان فعله جائزا، والأفضل تركه، لم يكن في مجرد شهوده وترك شهوده كبير مدح، إذ جهود المباحات التي لا منفعة فيها، وعدم شهودها قليل التأثير. قال شيخ الإسلام: لو أن الله عز وجل، أو لو أن هذا الأمر الذي فعلوه مباح، فتركه مثلا أفضل، أو أنه مكروه، وتركه أفضل، لما أثنى الله عز وجل عليه، لأنه ترك المباح جائز، وقد يكون من باب الأفضل، ولكن أنه يثني عليهم هذا الثناء، وأنه جعلهم من صفات أهل الإيمان أنهم لا يشهدون الزور، فهذا يدل على أن شهود الزور محرم. قال رحمه الله: وقد يقال: هذا مبالغ في مدحهم، إذ كانوا لا يحضرون مجالس البطالة، وإن كانوا لا يفعلون الباطل. ولأن الله تعالى قال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. وسيأتي الشيخ يذكر الحديث التي تدل على التحريم، لكن يريد أن يثبت أن هذه الآية تدل على التحريم، يريد أن يثبت أن هذه الآية تدل على التحريم، أي تحريم شهود الزور، ومن ذلك أعيادهم، فكيف بالموافقة؟ قال: فجعل هؤلاء المنعوتين - وهم عباد الرحمن - وعبودية الرحمن واجبة، فتكون هذه الصفات واجبة. قالوا: فيه نظر، إذ قد يقال في هذه الصفات ما لا يجب. ولأن المنعوتين هم المستحقون لهذا الوصف على وجه الحقيقة والكمال، المنعوتون هم الذين وصفهم الله عز وجل بهذه الصفات، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: «ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان»، وهذا حديث أبي هريرة في البخاري. ويريد أن يستدل أن الحصر إذا جاء الحصر قد يفيد الحقيقة والكمال، وقد لا يفيد، لكن هنا أفعاد الحقيقة والكمال؟ لأنه صفة لهذا المنعوت الذي نعته. وقال: «ما تعدون المفلس فيكم؟» و«ما تعدون الرقوب؟» ونظائره كثيرا. قال: فسواء كانت الآية دالة على التحريم، أو على كراهتها، واستحباب تركها، حصل أصل المقصود، إذ من المقصود بيان استحباب ترك موافقتهم. أيضا فإن بعض الناس قد يظن استحباب فعل ما فيه موافقة لهم. معنى هذا تنزلا، أو كما يقال جدلا، سلمنا. كأن الشيخ يقول: سلمنا لكم أنه ليس محرما، والاستدلال بهذه الآية لا يدل على التحريم، وإنما قد يدل على ترك الأفضل، أو أقصد ترك ما هو مباح، وأن الأفضل تركه، فأيضا كذلك هذا مطلوب. كذلك وهو أنه لا وترك مشابهة هؤلاء الكفار هو الأفضل، ترك مشابهة هؤلاء الكفار هو الأفضل، فكيف إذا وافقهم عليه؟ قال: فإن بعض الناس قد يظن استحباب فعل ما فيه موافقة لهم، لما فيه من التوسيع على العيال، أو من إقرار الناس على اكتسابهم ومصالح دنياهم. فإذا علم استحباب ترك ذلك كان أولى. قال: هذا ما ذكره المؤلف رحمه الله في الكتاب، أي في القرآن، مما يدل على تحريم مشابهتها. الكتاب وأيضا قد ذكر في أول الكتاب قول الله جل وعلا: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾. هذه الآية استدل بها الشيخ على أن الاستمتاع، أو تشبه المسلمين بالكفار باستمتاعهم، فهو لا يجوز. وأيضا فوق ذلك أنهم يخوضون في دين الله، وأيضا أنتم تخوضون في دين الله. لكن هنا أراد الشيخ أن يبين مسألة مهمة، وهي موافقة أهل الكتاب أو الكفار جميعا في أعيادهم، وبين أنها لا تجوز، ثم ذكر مما يدل عليها من الكتاب هذه الآية. قال سائل: فلو لبسته في العيد، فهل هناك شيء، أو من خوارم المروءة في ذلك؟ هو صحيح أنه ما يلبس في بلادنا، وإن كان قديما كان يلبس، سواء كان في حضرموت أو في غيره من بلاد اليمن، لكن الآن غالبا ما يلبسون. ومن لبسه لأجل مثلا تزين، وكذا، إن شاء الله ما في شيء، إن شاء الله ما في شيء، الله أعلم. شكرا.