الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 28، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع القاعدة الثالثة عشرة المستمدة من القاعدة العاشرة، مبيناً مراتب الدعوة الثلاث: الحكمة للراغب، والموعظة للمعاند، والمجادلة بالتي هي أحسن لصاحب الشبهات. ويؤكد أن إطلاق "التي هي أحسن" يشمل كل أسلوب حسن من لين القول وقوة الحجة والصبر على المدعو.
يستعرض المقطع كيف اقتبس الرسل أسلوب القرآن في مجادلة الكفار بالتي هي أحسن، مستدلين بتوحيد الربوبية كحجة قاطعة لإلزام المخاطبين بتوحيد الألوهية. ويبين أن الاعتراف بنعم الله وربوبيته يستلزم منطقياً عبادته وحده، وأن تمام النعمة لا يتم إلا بدخول دين الإسلام.
يلزم القرآن الكفار بتوحيد الألوهية عبر توحيد الربوبية، موضحاً أن الخالق الرازق وحده يستحق العبادة. وينقض الشرك بذكر عيوب الآلهة المزيفة من عجز عن النفع والضر والموت والنقص، مستشهداً بحوار إبراهيم مع قومه وأبيه وبحجج الرد على أهل الكتاب.
ينهي المحاضر الدرس الحالي معلناً الاكتفاء بما تم طرحه، ويؤكد استكمال باقي القاعدة في الدرس القادم إن شاء الله. كما يُنسب الترجمة إلى نانسي قنقر.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. بعد: اقرأ: «أشهد أن على رسول الله محاجة الرسل مع أممهم، وكيف دعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، من جهة أنه المتفرد بالربوبية والمتوحد بالنعم، وهو الذي أعطاهم العافية والأسماع والأبصار والعقول والأرزاق، وظهر أصناف النعم، كما أنه المنفرد بدفع النقم، وإن أحدًا من الخلق ليس عنده نفع ولا ضر، فإنه بمجرد معرفة العبد بدليله وإقراره به لا بد أن ينقاد للدين الحق الذي به تتم النعمة، وهو الطريق الوحيد لشكرها». وكثيرًا ما يحتج على المشركين به في عبادته بإلزامهم باعترافهم بربوبيته، وأنه خالق كل شيء والرازق لكل شيء، فيتعين أنه المعبود وحده. فانظر إلى هذا البرهان كيف ينتقل الذهن منه بأول وهلة إلى وجوب عبادة من هذا شأنه، ووجوب الإخلاص له. ويجادل المبطلين أيضًا بذكر عيوب آلهتهم، وأنها ناقصة من كل وجه لا تغني عن أهلها شيئًا، ويقيم الأدلة على أهل الكتاب؛ لأن لهم من سوابق المخالفات لرسلهم ما لا يستغرب معهم مخالفتهم لمحمد صلى الله عليه وسلم، وينقض عليهم دعاويهم الباطلة وتزكيتهم لأنفسهم، ببيان ما يضاد ذلك من أحوالهم وأوصافهم، ويجادلهم بتوضيح الحق وبيان براهينه، وأن صدقه وحقيته تدفع بمجردها جميع الشبه المعارضة له. فماذا بعد الحق إلا الضلال. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: تقدم معنا القاعدة العاشرة في الطرق التي في القرآن لدعوة الكفار على اختلاف مللهم ونحلهم، فهذه القاعدة الآن الثالثة عشرة هي في الحقيقة جزء من القاعدة العاشرة. القاعدة العاشرة عامة في طرق القرآن لدعوة الكفار، سواء كان بالترغيب والترهيب، أو كذلك ما تقدم معنا بذكر الأمم السابقة وما أعد الله عز وجل لها من العقوبات، أو بغير ذلك، ومن ذلك دعوتهم بالتي هي أحسن. لكن هنا أفرد هذه القاعدة لأهميتها، وجعلها خاصة بالحجاج والمجادلة. وكأن مناسبة هذه القاعدة للقاعدة التي قبلها - وهي ما يكون من التعارض بين بعض الآيات - أن بعض الكفار ربما يورد بعض الشبه التي تحتاج إلى مجادلتهم فيها. فقوله هنا: «طريقة القرآن في الحجاج»، الحجاج يعني من المحاجة، والمحاجة تعني إقامة الحجة، وذلك بالمجادلة بالتي هي أحسن. وقوله: «مع أهل الأديان الباطلة»، كل دين غير دين الإسلام فهو من الأديان الباطلة، لأن الدين الإسلامي نسخ جميع الأديان، ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه. وقوله هنا: «قد أمر الله بالمجادلة بالتي هي أحسن»، يشير هنا إلى آيتين من القرآن. الآية الأولى: قوله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. ففي هذه الآية ذكر ربنا سبحانه وتعالى مراتب دعوة الكفار، وأنها على ثلاث مراتب: المرتبة الأولى مرتبة الحكمة، والمراد بالحكمة هو بيان الحق وذكر الأدلة على صحة هذا الدين، وأنه يجب على كل إنسان أن يتبع هذا الدين، وهذا يكون في حق الراغب في قبول الحق، القريب منه، الذي هو سهل ولين، وكذلك راغب في الدخول في الإسلام، ما عنده عنات، وما عنده كذلك علم بحيث أنه يعارض به الحق الذي تعرضه عليه. فهذا تتقدم معه المرتبة الأولى، وهي: الحكمة. إنسان مثلاً كافر، طيب، يريد الحق، يقول لك: أريد أن أتعرف على الإسلام، أنا أريد أن أتعلم، أعرفني على الإسلام. هذا تدعوه بالحكمة؛ لأنه جاء راغبًا، ما عنده عنات، وما عنده علم مسبق يجادلك به، وإنما يريد أن يعرف ما هو الإسلام. إذا طمأن له سيقبله، فهذا تستخدم معه مرتبة الحكمة، بمعنى عرض الإسلام بالأدلة. وأما المرتبة الثانية: الموعظة، فهذا في حق المعاند الذي يحتاج إلى موعظة تخوفه بالله. إنسان أنت تدعوه وهو يعاند ويكابر، فهذا تأخذه بالترغيب والترهيب، ترهبه أنت: إذا مت على الكفر ستكون من أهل النار. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾. تخوفه وتزجره وتعظه. إذا هذا الأسلوب يختلف عن الأول؛ الأول ما يحتاج إلى ترهيب، لماذا؟ لأنه يريد فقط أن يتعرف على محاسن الإسلام، كما مر معنا في القاعدة العاشرة: تعرفه فقط على محاسن هذا الدين وعلى مزايا هذا الدين، فهو سرعان ما سيقبل. لكن الثاني هذا عنده شيء من العناد، وعنده شيء كذلك من الإصرار على الكفر، فأنت تعظه وتذكره وتخوفه. هذه المرتبة الثانية وهي الموعظة. أما قول: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، فهذا في حق المجادل الذي عنده شيء من العلم أو الشبه. عنده شيء من العلم أو الشبه، إنسان قال لك: طيب، أنا سأدخل في الإسلام، لكن عندي إشكاليات، عندي بعض الأمور التي ما استطعت الجواب عليها، فاجادلني، أقنعني. فهذا يجادل بماذا؟ بالتي هي أحسن. وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما أراد أن يذهب اليمن: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب»، يعني: بمعنى استعد لهم، فإنهم ربما يجادلونك، ربما يعرضون عليك بعض الشبه، فأنت تحتاج إلى الجواب عليها، فهذا يحتاج منك إلى إعداد وإلى علم مسبق. واضح هذا الآن؟ فإذن مراد المؤلف من هذه القاعدة هو المرتبة الثالثة، وهي: المجادلة بالتي هي أحسن. أدلتها هذه الآية: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. وأيضًا دليل آخر: قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. وقوله هنا: ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، هنا أطلق هذا الأسلوب الحسن ولم يقيده بشيء، فدل ذلك على أن هذا الأسلوب يعم، يشمل أي أسلوب حسن، سواء كان من إلانة القول أو لين الحديث، أو كذلك قوة الحجة، أو كذلك الصبر على المدعو ورد الشبه. كل هذا يدخل في معنى المجادلة بالتي هي أحسن؛ لأن الله عز وجل أطلق ولم يقيد بشيء من ذلك، فيعم. فالداعية لله عز وجل، خصوصًا دعوة الكافر، ينبغي أن يحسن في دعوته، ولا يعامله معاملة المعاند. لا، هو الآن عنده شبه، متى ما زالت هذه الشبه وفق للدخول إلى الإسلام، فهو يحتاج إلى دعوة بالتي هي أحسن ومجادلة بالتي هي أحسن. وقوله: «ومن تأمل الطرق التي نصب الله المحاجة بها مع المبطلين على أيدي رسله رآها من أوضح الحجج». هذا المؤلف الآن يدعونا جميعًا إلى أن نتخذ الأسلوب القرآني في مجادلة أهل الكتاب، وهذا يحثنا الآن على أن نتخذ أسلوب القرآن في مجادلة أهل الكتاب، وفي مجادلة الكفار؛ لأن طرق القرآن كما ذكر هي من أوضح الحجج وأقواها وأقومها وأدلها على إحقاق الحق، لأن الله عز وجل يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، فما أوحى إلى رسله بتلك الطرق في مجادلة الكفار إلا وهو يعلم أن هذه الطرق تؤثر فيهم، وأن هذه الطرق كذلك تقنعهم. فينبغي للداعية لله عز وجل أن يقتبس المجادلة للكفار بالتي هي أحسن من القرآن، وأن يتخذ أسلوب القرآن. ولذلك أورد هذه القاعدة، وسيمثل أمثلة على ذلك. قال: «على وجه لا تشويش فيه»، يعني هذه الحجة الموجودة في القرآن بالتي هي أحسن ما فيها تشويش، ولا فيها إزعاج، وإنما فيها هدوء وطمأنينة وإقامة حجة. قال: «فتأمل». ثم الآن سيمثل، قال: «فتأمل محاجة الرسل مع أممهم، وكيف دعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له». الآن مثل بأعظم مثال في مجادلة الكفار، وهو توحيد الألوهية: كيف تقنع هذا الكافر بأن يفرد الله عز وجل في عبادته، وأن يتوجه بالذل والمحبة والرغبة والرهبة إلى الله عز وجل وحده، ويترك عبادة غير الله؟ كيف تقنعه بذلك؟ كيف تجادله في ذلك؟ مثل على هذا قال: لأن التوحيد أعظم مطلوب، أعظم مطلوب، وهي دعوة الرسل جميعا. الرسل إنما أتوا بهذه الدعوة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. فهي دعوة جميع الرسل. قال: «إلى عبادة الله لا شريك له، من جهة أنه المتفرد بالربوبية والمتوحد بالنعم». يعني تقنعهم وتجادلهم بأن يفرد الله عز وجل بالعبادة، تبين لهم: من الذي خلقهم؟ من الذي خلق هذا الكون؟ من الذي يدبر هذا الكون؟ من الذي ينظم هذا الكون؟ من الذي يرزق ما في هذا الكون؟ فتذكر له النعم، فهو لا ينكرها. قل له: أنت الآن تعيش في نعم، أليس أنت في صحة؟ من أين هذه الصحة؟ من أعطاك إياها؟ من الذي أعطاك؟ هل الطبيعة أعطتك إياها؟ من هذه الطبيعة؟ واضح هذا الآن؟ وهذا فيه رد على من يدعو الناس فقط لتوحيد الربوبية. إنما تكون الدعوة إلى توحيد الربوبية من أجل الوصول إلى توحيد الألوهية، فالأصل هو توحيد الألوهية. بعض هؤلاء الحركيين أو الحركيين يركزون على توحيد الربوبية وإقناع الكفار بأن الله هو الخالق. طيب، إذا اقتنع أن الله هو الخالق، هل يكفي هذا؟ لا يكفي، لا بد أن تقنعه بعد ذلك أن الله إذا هو الخالق يلزم من ذلك - كما مر معنا في دلالات الألفاظ - أنه يلزم من توحيد الربوبية توحيد الألوهية. فأنت تذكره أولاً بما من الله عز وجل به عليه، وتذكره بما يرى في هذا الكون: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾. وكم من عالم من علماء الكفار، من علماء الدنيا، الفلك أو نحوه، لما رأى ما في هذه الأفلاك من نظام ومن دقة في الخلق، علم أنه لا بد لهذا الخلق من خالق، فآمن بالله عز وجل. فهذه أيضا من أساليب القرآن. ولو قرأت في القرآن، كم من آيات يقرر الله عز وجل فيها توحيد الربوبية للكفار حتى يلزمهم لتوحيد الألوهية؟ فمن جهة أنه المتفرد بالربوبية والمتوحد بالنعم، هو الذي أعطاهم العافية، وإذا مرض فهو يشفيه. هذا قاله إبراهيم في محاجة قومه، في محاجة قومه: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾. هذه كلها من أفعال الرب، من توحيد الربوبية، فحاجهم بها حتى يوصلهم إلى توحيد الألوهية. فهذا بمعنى كلام المؤلف: فهو الذي أعطاهم العافية والأسماع والأبصار والعقول والأرزاق. ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، وغيرها من الآيات، وسائر أصناف النعم. كما أنه المنفرد بدفع النقم. هذا كله الآن من توحيد الربوبية؛ لأنه من أفعال الله عز وجل. فمن الذي يلطف بك فينجيك من ظلمات البر والبحر؟ ينجيك من الرياح العاتي الشديدة، ينجيك من المصائب والمحن؟ إنه الله سبحانه وتعالى. تذكره بهذا. وإن أحدًا من الخلق ليس عنده نفع ولا دفع. هذا الذي تعبده، هيا استنجد به عند الشدة، هل سينفعك؟ حتى الكفار، كفار قريش، إذا نزلت بهم الشدة، ما لجأوا إلى معبوداتهم، لجأوا إلى الله. ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾. كل من تدعون من دون الله ضل، يعني غاب عنكم، ولم تذكروا، لم تذكروا إلا الله عز وجل. فتُذكر بهذا: إذا شعرت بمصيبة، تريد من يرفع عنك كربًا، إلى أين يتجه قلبك؟ من الذي سيدفع عنك ذلك؟ أنت الآن تعبد حجرًا أو صنمًا أو شمسًا أو قمرًا أو نبيًا أو ملكًا، هل يستطيع إذا دعوت هذا الملك أو ذاك النبي أو ذاك الحجر ينقذك من هذه الأزمة أو من هذه الكربة؟ لا يستطيع أحد. فتحاجه بمثل هذا. قال: «ولا ضر ولا نفع»، يعني الذي يضر وينفع هو الله سبحانه وتعالى. فإنه بمجرد معرفة العبد بذلك واعترافه به لا بد أن ينقاد للدين الحق الذي به تتم النعمة: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾. فأنت الآن في نعم دنيوية، فإذا دخلت في دين الإسلام أتم الله عز وجل عليك النعمة، وهي أعظم نعمة، نعمة الدين أعظم من نعمة الدنيا. نعمة الدين مصيرها إلى الجنة، أما نعمة الدنيا فربما يكون مصيرها إلى النار. فتتم على العبد النعمة متى ما آمن واعترف بهذا الدين الحق، وهو الطريق الوحيد لشكرها. يعني الطريق الوحيد لشكر النعمة: الدين. من لم يكن عنده دين، فمن يشكر وهو لا يعترف بمنعم أصلاً؟ طيب، فلا يشكر النعم إلا من آمن برب النعم، وهو الله سبحانه وتعالى. قال: «وكثيرًا ما يحتج على المشركين به في عبادته بإلزام باعترافهم بربوبيته، وأنه الخالق لكل شيء والرازق لكل شيء، فيتعين أنه المعبود وحده». وهذا كثير في القرآن: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾، ﴿هَلْ خَلَقُوا شَيْئًا﴾، فكيف تدعونهم من دون الله؟ إذن الذي خلق السماوات والأرض هو الذي يستحق العبادة. ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾، فلا تذكروا. وكذلك الذي لا يرزق، هل يستحق العبادة؟ ماذا قال إبراهيم لقومه؟ ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. من الذي يرزقكم؟ هل هذه الأصنام ترزقكم؟ لا. إذن من الذي يرزقكم؟ الله عز وجل، هذا الرب الرحيم الكريم سبحانه وتعالى. فإذن هو الذي يستحق العبادة. كثير ما يلزم ربنا عز وجل في القرآن الكفار بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية. هذا معنى قوله رحمه الله. قال: «فانظر إلى هذا البرهان كيف ينتقل الذهن منه بأول وهلة إلى وجوب عبادة من هذا شأنه». يعني سيفكر هذا الكافر: طيب، فعلا من الذي خلقني؟ هل ما خلقت من غير خالق؟ ولذلك مطعم، أبو جبير بن مطعم، كان سبب إسلامه ماذا؟ ما جاء في سورة الطور: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾. هذه يعني مسألة تنتاب كل مخلوق، يسأل نفسه الآن: أنا مخلوق، من خلقني؟ من الذي خلقني؟ هل خلقت من غير خالق؟ أم هم الخالقون؟ هل أنا الذي أخلق؟ ما أستطيع أخلق حتى ذرة ولا دابة. فمن الذي خلقني بهذا الحجم وبهذه الصورة؟ من هذا سيكون هناك اضطراب في نفسه. فلما تشعره أن هناك خالق خلق هذا الكون أجمعا، مش خلقك وحدك، خلق جميع الخلق، خلق السماوات، خلق الأرض، خلق الجبال، خلق البحار، هذا سيؤثر فيه. واضح؟ فهذا معنى قول المؤلف هنا: «فانظر إلى هذا البرهان»، أي برهان توحيد الربوبية على إلزامهم بتوحيد الألوهية، كيف ينتقل الذهن منه بأول وهلة إلى وجوب عبادة من هذا شأنه، ووجوب الإخلاص له. ثم قال: «يجادل المبطلين أيضًا بذكر عيوب آلهتهم». تذكر له عيب الآلهة: أنت الآن تعبد الصنم، الآن سأبول على هذا الصنم، سأوهينه، هل سيفعل به شيء؟ مثل ما فعل إبراهيم، كسر هذه الأصنام، أهانها. قالوا: «مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ؟» قال: «فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا»، يستهزئ بهم. فسألوهم: «أَكُنْتَ أَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ؟» قالوا: «لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ». ماذا قال لهم إبراهيم؟ ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾. يعني ما دافع عن نفسه، كيف يدافع عنك؟ تذكر لهم عيب آلهتهم. أنت الآن فقير، نعم، الذي بال على الصنم أيضًا هذا في السيرة، نعم: «رب يبول الثعلبان برأسه، لقد ضل من كانت تبول عليه الثعالب» إلى آخر ما قال. فأنت تذكر له عيب هذه الآلهة: أنت الآن فقير، هي روح عند الصنم، خله يعطيك رزق. أنت الآن تدعوه، أنت الآن مريض، هي روح عند هذا الصنم، اجعله يعني يشفيك. الآن حشر دقائق وأنت الصحيح، اذهب عنده، هل يستطيع؟ إذن كيف تعبد من لا يستطيع أن ينفعك؟ وهو ناقص، ما يسمع. ولذلك ماذا قال إبراهيم لأبيه؟ ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾. شف ذكره بعيب هذه الآلهة. ولذلك من صفات الله صفات الكمال: السمع والبصر والكلام والقوة والقدرة، لأنه إله كامل سبحانه وتعالى. واضح هذا الآن؟ فأنت تذكر لهم عيب هذه الآلهة التي يعبدها، عيب هذه الآلهة التي يعبدها. مثل مجادلة إبراهيم لقومه في عبادتهم للشمس، فلما رأى الشمس بازغة قال: ﴿هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾، فلما أفل قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾. واضح؟ فانظر كيف بين لهم ضعف هذه الآلهة، كيف أنتم تعبدون وتغيب وتذهب عنكم، فمن تعبدون بعد ما تغيب هذه الشمس؟ أين إلهكم؟ غائب؟ هل يكون إله غائب؟ هذا فيه نقص بهذه الآلهة. لكن الله عز وجل لما ذكر من صفاته أنه سبحانه وتعالى الحي القيوم: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، لا تأخذه سنة ولا نوم، ما يغفل عن عباده سبحانه وتعالى. وقال سبحانه وتعالى أيضًا في كتابه الكريم: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾، لا يموت سبحانه وتعالى. أما هذه المخلوقات، أنت الآن تعبد مثلاً جنيًا، الجني هذا يموت، ما يموت؟ يموت. إذن هذا إله ناقص. وهكذا تقنعهم بهذه الحجة، لأن حجة القرآن: تذكر لهم نقص هذه الآلهة وعيب هذه الآلهة، وأنها ناقصة من كل وجه لا تغني عن أهلها شيئًا. ويقيم الأدلة على أهل الكتاب: بأن لهم من سوابق المخالفات لرسلهم ما لا يستغرب معهم مخالفتهم لمحمد صلى الله عليه وسلم. كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾، يكذبوهم. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم آية، قال: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾. فأنت تبين لهم أن من سبقكم ممن تنتمون إلى أديانهم قد سألوا أشياء ولم يستطيعوا الوفاء بها. نعم، فتبين لهم هذا بأنهم لهم سوابق المخالفات للرسل، فما لا يستغرب معهم مخالفتهم لمحمد صلى الله عليه وسلم. يعني إذا احتجوا عليك أن بعض الكفار خالفوا النبي عليه الصلاة والسلام، وينقض عليهم دعاويهم الباطلة. كل دعوة باطلة ينقضها، يعني بمعنى يزيل هذه الشبهة، وتزكيتهم لأنفسهم أنهم هم أولياء الله وأحباؤه، تبين لهم أن الله عز وجل إنما يحب المتقين، يحب المحسنين، نعم، ببيان ما يضاد ذلك من أحوالهم وأوصافهم. ويجادلهم بتوضيح الحق وبيان براهينه، وأن صدقه وحقيته تدفع بمجردها جميع الشبه المعارضة له. إلى آخر كلامه. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، نكمل باقي القاعدة إن شاء الله في الدرس القادم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر