التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 36

التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 36

الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 36، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

قاعدة الإيمان بالقدر وحقيقة التوكل

يشرح هذا المحور قاعدة الإيمان بالقدر مبيناً أن الأمور كلها بمشيئة الله النافذة، مع وجوب فعل الأسباب من العبد معتقداً أن مشيئته تابعة لمشيئة الله. ويرد على أهل الجبر الذين ينفون مشيئة العبد مستدلاً بالآيات الدالة على الجمع بين المشيئتين.

التوفيق بين المشيئة الإلهية والمشيئة العبدية في الأسباب

يوضح الفرق بين الجبرية والقدرية مؤكداً أن أفعال العباد تقع بمشيئة الله مع إثبات أسباب يختارها العبد، وأن الله يسر لكل إنسان ما اختاره من خير أو شر. فالعبد مختار غير مجبور والأمور مردها إلى مشيئة الله تعالى.

مشيئة العبد التابعة وأسباب الهداية والضلال

يؤكد أن إيمان العبد بخلق الله لأفعاله يكمل توحيده ويوجه رجاءه وخوفه لله وحده. كما يبين أن للإنسان مشيئة تابعة لمشيئة الله، وأن الهداية والضلال يحصلان بأسباب يسلكها العبد من طاعة أو معصية وكلها بمشيئة الله وقدرته.

أمثلة عملية على أسباب المغفرة والرزق وخاتمة الدرس

يشير المتحدث إلى عزمه ذكر أمثلة تتعلق بالمغفرة والرزق وغيرهما من الأسباب العائدة إلى عمل الإنسان ومشيئته. ثم يختم الدرس بالاكتفاء بهذا القدر والتوجه إلى الله بالدعاء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، وبعد: ففي بعض الآيات يذكر فيها أسباب ذلك ليعرف العباد أسباب الهداية والطرق المفضية إليها، فيسلك النافع ويدع الضار. كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾، ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. فبيّن أن أسباب الهداية والتيسير تصديق العبد لربه وانقياده لأمره، وأن أسباب الضلال والتعسير ضد ذلك. وكذلك قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾، وقوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾، ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. فأخبر أن الله يهدي من كان قصده حسنًا ومن رغب في الخير والتباري إلى الله، وأنه يضل من خطف عن طاعة الله تعالى وتولى أعداء الشياطين ورغب في ولايتهم عن ولاية رب العالمين. وكذلك قوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. أحسنت. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، وبعد: هذه القاعدة قاعدة في الإيمان بالقدر وحقيقة التوكل على الله عز وجل. وذكر المؤلف هذه القاعدة لورود آيات كثيرة جدًا في القرآن تتعلق بهذه القاعدة، حتى يتدبرها القارئ للقرآن، ففصل هذه القاعدة في القواعد الحسان. فكما ذكرنا، هذه قاعدة في الإيمان بالقدر وحقيقة التوكل على الله عز وجل. فالإيمان بالقدر وحقيقة التوكل لا يتم إلا بأمرين، بل عليهما مدار القرآن، ومحور هذه القاعدة على هذين الأمرين: الأمر الأول: أن الأمور كلها بمشيئة الله، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. فيجب على المسلم أن يعتقد ذلك، وأن مهما عمل من عمل أو سعى من سعي أو رغب في نيل مقصود، فإنه لا يدركه إلا بمشيئة الله. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. فهذه هي الأصل الأول، وهذا هو الأمر الأول الذي به ينال الإيمان بالقدر، وينال به كذلك حقيقة التوكل على الله عز وجل. الأمر الثاني: الذي به يتم الإيمان بالقدر وحقيقة التوكل، أن العبد مع إيمانه بالأصل الأول والأمر الأول مطالب بفعل الأسباب، مطالب بفعل الأسباب التي بها تتحقق مصالحه وتندفع بها المضار. فالله عز وجل ذكر آيات كثيرة في القرآن، أولاً: تدل على الأمر الأول، وهو أن الأمور كلها بمشيئة الله. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. آيات كثيرة، بعض أهل العلم جمع هذه الآيات التي فيها تعليق عمل العبد بمشيئة الله سبحانه وتعالى في أربعمائة موضع من القرآن، أربعمائة موضع فيها ذكر مشيئة الله عز وجل. وهذا يدل على أهمية الإيمان بهذا الأمر وبهذه القاعدة العظيمة. أما أدلة الأمر الثاني، وهو أن العبد مطالب بفعل الأسباب، فقد وردت بها آيات. قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾. فأثبت هنا مشيئة للعبد، لكن مشيئة العبد هي تابعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى، ليست مشيئة العبد مشيئة مستقلة، وإنما هي تبع لمشيئة الله، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. ففي هذه الآية إثبات مشيئة العبد، وفيها إثبات مشيئة الله عز وجل. فهذه الآية جمعت بين مشيئة العبد وبين مشيئة الله، لكن في هذه الآية أيضًا بيّن الله عز وجل أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى. فإذا لا بد أن يؤمن العبد بمشيئة الله عز وجل، وأن الله له المشيئة النافذة والقدرة الشاملة، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ومن ادعى غير ذلك فقد ادعى أن مع الله إلهًا آخر. ولذلك ضل في هذه المسألة طائفتان على طرفين قضي: الطائفة الأولى: الجبرية، الذين ينفون عن العبد المشيئة، فيقولون: العبد ليس له مشيئة، فهو مثل الورقة في مهب الريح. إذا جاءت ريح وطرّت ورقة، فهذه الورقة ما يكون لها إرادة، الريح تذهب بها حيث شاءت. صح؟ فيقولون: كذلك العبد ليس له إرادة. وهذا قولهم يرده الشرع، وكذلك يرده الواقع. أما الشرع: فالله عز وجل أثبت مشيئة العبد: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾. وأما الواقع: فهم إنما يقولون هذا القول في أشياء يريدون على حسب أهوائهم، وفي أمور هم مضطرون إلى أن لا يقولوا بهذه القاعدة. على سبيل المثال: لو جاء جبري، طيب، جاء عندي جبري واحد من الجبرية، فجئت وصفخته صفعة على وجهه، سيغضب. صح؟ قل: لا، عفوًا، لا تغضب، أنا فعلت ذلك من غير مشيئتي، من غير إرادتي، خلاص هذا شيء أنا هكذا مكتوب عليه. هل سيقبل؟ ها، ما سيقبل. صح؟ إذن هم يريدون هذا القول على حسب أهوائهم. هؤلاء يرد قولهم الشرع والواقع الذي يعيشون. والطائفة الأخرى: هم القدرية، ويسمونهم مجوس هذه الأمة، وسنبين لماذا سموهم مجوس. القدرية ينفون مشيئة الله عز وجل في أفعال العباد، فيقولون: إن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم. ينفون أفعال العباد عن الله، يقولون: إن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم. واضح؟ فيقولون مثلًا: على سبيل المثال، هذا العمل الذي يقوم به الإنسان من الكفر، هذا هو الذي فعله الإنسان، هو الذي خلقه الإنسان، هو الذي شاءه الإنسان، الله عز وجل ما يريد هذا وما شاء هذا. سبحان الله، انظر إلى الضلال! فمن جعل مشيئة مطلقة لغير الله فقد جعل مع الله خالق آخر، لأن المشيئة من أفعال الله. أليس كذلك؟ بلى، المشيئة من أفعال الله. فكما أن المجوس جعلوا مع الله إلهًا آخر وثنوا الآلهة، وجعلوا النار هي تخلق مع الله، فهؤلاء جعلوا إلهًا آخر يشارك الله وهو المخلوق. سماهم العلماء مجوس هذه الأمة، شبهوهم بالمجوس. فمن جعل مشيئة مطلقة للعبد ليست تابعة لمشيئة الله، فنفى أفعال العباد عن مشيئة الله، فقد جعل مع الله خالق آخر، وهذا كفر. ولذلك كثير من أهل العلم كفروا القدرية، كفروهم وأخرجوهم من دائرة الإسلام، كما قال ابن عمر وغيره من أهل العلم. فالمؤلف هذه القاعدة تدور حول هذا الموجز الذي قدمناه حول هذه القاعدة. فقال هنا: المؤلف في كثير من الآيات يخبر، أي الله عز وجل، بأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء. وفي بعضها يذكر مع ذلك الأسباب. هذا الأول هو ماذا؟ الأمر الأول، وهو أن الأمور كلها بمشيئة الله سبحانه وتعالى، الأمور كلها بمشيئة الله سبحانه وتعالى، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ثم قال: وفي بعضها، أي في بعض الآيات، يذكر مع ذلك الأسباب المتعلقة بالعبد الموجبة للهداية. يعني في بعض الآيات يبين أن سبب هداية الإنسان مثلًا: العلم، سبب هداية الإنسان، مثلًا: الزيادة في الاهتداء، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾. كذلك الموجبة للإضلال، مثلًا: يبين أن الأسباب الموجبة للإضلال اتباع الشياطين، مثلًا: زيغ القلوب. فكيف الجمع؟ كيف الجمع بين الأمرين: أن الأمر كله بمشيئة الله، ثم في بعض الآيات تعلق هذه الأمور بأسباب يفعلها العابد، بأسباب يفعلها العابد؟ قال هنا: وكذلك حصول المغفرة، يعني المغفرة يغفر الله لمن مثلًا استغفره، لمن تقرب إليه، الجمعة إلى الجمعة، رمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن. طيب. وهكذا في القرآن: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، وغيرها من الأسباب التي بها مغفرة الذنوب. كذلك الرزق: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾. الاستغفار وأفعال أشياء يفعلها الإنسان. طيب. فالأمر الثاني إنما هو يكون بمشيئة العبد، بمشيئة العبد. فالله عز وجل هدى الإنسان الطريقين، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، النجدين: الطريقين. الله عز وجل بيّن لنا طريق الخير وبيّن لنا طريق الشر، فالإنسان هو الذي يختار، هو الذي يختار. فإذا اتخذ بأسباب الإيمان والهداية والاستقامة يُسِّرت له هذه الأفعال، وإذا اتخذ أسباب الكفر والضلال والهلاك يُسِّرت له هذه الأسباب. ولذلك لما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يعني في بعض الأحاديث، أن ما من شيء إلا وقد قدره الله عز وجل، فقال الصحابة: لما العمل يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له». يعني من كان من أهل السعادة يُسِّرت له أسباب وأعمال أهل السعادة. إذن هذه الأشياء هو الذي يشاؤها، هو الذي يقوم ويصلي ويقرأ القرآن ويوحد الله ويفعل الأعمال التي تدخله الجنة. فإذن له إرادة وله مشيئة، العبد. وهذه هي الأسباب التي يسرها الله عز وجل. ولذلك قال الله عز وجل في كتابه الكريم، كما سيذكر هذه الآيات المؤلف: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾. يسر له أعمال، هذه أعمال أهل الحسنة. وقال في الآية الأخرى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. فليس معنى أن الله... أن الله هو الذي يشاء لنا الأمور بمعنى أننا نتكل على القدر ولا نعمل، وإنما نقول: ما كتب لنا سيصل إلينا، لا نتخذ الأسباب. نتخذ الأسباب، واتخاذ الأسباب هذه من مشيئة من؟ من مشيئة العبد، من مشيئة العبد. أنت الآن إذا ما تريد الإيمان ستترك الصلاة، ستترك الإيمان، هذا بمشيئتك. أنت الآن تريد الجنة، تريد الإيمان، ستتخذ أسباب الإيمان، ستصلي، ستقرأ القرآن، ستقبل على الله عز وجل. فهمتم هذا الآن؟ وإنما مرد الأمور إلى مشيئة الله عز وجل. كما ذكر المؤلف هنا: دل ذلك على كمال توحيده. يعني لماذا يؤمن المؤمن بأن الله هو الذي يشاء له الأمور، وإنه ما يعمل من عمل إلا والله سبحانه وتعالى هو الذي يشاءه ويقدره له؟ لماذا؟ ما هو أثر ذلك على إيمانه؟ قال: دل ذلك على كمال توحيده. أي توحيد هذا الإنسان الذي يؤمن بأن ما من شيء يفعله إلا ويشاءه الله سبحانه وتعالى، وانفراده بخلق الأشياء. أي انفراد الله عز وجل بخلق الأشياء. أنت لست أنت الذي خلقت هذا العمل الذي عملته، مشيئتك مخلوقة لله عز وجل، صلاتك مخلوقة لله عز وجل، كذلك طلبك للعلم مخلوق لله سبحانه وتعالى، كل أعمالك مخلوق لله عز وجل، فهي من قدرته ومشيئته. طيب، فإذا آمنت بذلك فإن هذا الإيمان يعني يثمر ماذا، كما ذكر هنا: انفراد الله عز وجل بخلق الأشياء وتدبير جميع الأمور، أن أمورك كلها الذي يدبرها هو الله سبحانه وتعالى، وأن خزائن الأشياء بيده، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وأن يعلق أملهم ورجاءهم به في حصول ما يحبون منها. أنت تحب أي شيء، لا تظن أنك تنال هذا الشيء بذكائك أو بقوتك أو بحرصك، وإنما تنال ذلك بمشيئة الله، بقدرة الله، بتوفيق الله عز وجل لك. فبهذا تعلق قلبك بالله سبحانه وتعالى الذي يملك ذلك وحده، الذي يملك ذلك وحده. فهذا معنى قولي: أن يعلق أملهم ورجاءهم به في حصول ما يحبون منه، وفي دفع ما يكرهون. أنت تريد أن لا تمرض، أو أن لا يقل مالك، أو أن لا يذهب مالك، أو يذهب بيتك، أو نحو ذلك، فتلتجئ إلى الله وتعلم أن الله عز وجل إذا شاء ذلك سيقع، وإن لم يشأ ذلك ما سيقع. فتعلق قلبك بالله. وذكر هذا الحديث: «يا عبادي، كلكم ضالون إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم». الهداية من الله، وتطلب من الله، الرزق من الله، فيطلب من الله. طيب. فتعلق قلبك بالله عز وجل، وتعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ثم ذكر قال: وفي بعض الآيات يذكر فيها أسباب ذلك، يعني مشيئة العبد، وأن العبد له مشيئة. ولذلك لا يحصل على الجنة إلا بأسباب، ولا يدخل النار إلا بأسباب، هو الذي يفعلها وهو الذي يكسبها، وهي من تقدير الله، لكن الإنسان له مشيئة تابعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى. لا نقول مثل ما تقول المرجئة: ليس لنا مشيئة، ولا نقول كما تقول القدرية: أننا نحن الذين نخلق مشيئتنا، والله عز وجل لا يخلق أفعال العباد. قال: ليعرف العباد الأسباب والطرق المفضية إليه، فيسلك النافع ويدع الضار. الآن أليس كل إنسان يعلم ما هي الطرق التي تسعده وما هي الطرق التي تشقيه؟ كل إنسان يعرف: من وحد الله، من صلى، من قرأ القرآن، من لجأ إلى الله، فهذا قد اتخذ أسباب السعادة. ومن كفر بالله، ومن ابتعد عن الصلاة، ولم يصلي، ولم يدعُ الله، ولم يتقرب إلى الله، هذا اتخذ سبل الشقاوة. واضح؟ فأسباب السعادة بيّنها الله ليسلك العباد هذه الأسباب فيسعدوا، ويدع الضار وهو أسباب الشقاوة فيبتعدوا عنها. كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾، أعطى يعني تصدق، واتقى اتقى الله عز وجل، ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾، صدق بالجنة فعمل لها، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾، يسر له أعمال، هذه أعمال أهل الجنة وأعمال أهل السعادة. ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾، يعني سيعمل بأعمال أهل الشقاوة وأهل النار. فبين أن أسباب الهداية والتيسير تصديق العبد لربه، إذن هذا عمل الإنسان، هذا مشيئة الإنسان، وانقياده لأمره، هذا عمل الإنسان. وأن أسباب الضلال والتعسير ضد ذلك. كذلك قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾. إذن من الذي يهديه الله؟ من اتبع رضوانه. إذن اتباع رضوان الله وهو الأعمال التي ترضي الله، هذا من أسباب الهداية. إذن الهداية لها أسباب، الهداية لها أسباب، وهي من كسب الإنسان ومن عمله. ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾، ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. إذن ما هي سبب ضلالتهم؟ اتخاذهم الشياطين أولياء من دون الله. إذن هذا الاتخاذ عمل منهم، مشيئة منهم. صح؟ فكانوا من أهل الضلال. وهذا معنى قوله: فأخبر أن الله يهدي من كان قصده حسنًا، ومن عمل بأهل الحسنة، ومن رغب في الخير واتبع رضوان الله، وأنه يضل من فسق، لأنه قال في الآية الأخرى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾. فمن فسق فقد اتخذ طريق الضلال، طريق الضلال. قال: وتولى عداوة الشياطين ورضي بولايتهم عن ولاية رب العالمين. وكذلك قوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. إذن ما أزاغهم الله إلا لأنهم اتخذوا أسباب الزيغ، فزاغت أولًا قلوبهم، فزاغت أولًا قلوبهم، فأزاغها الله. إذن هم الذين اتخذوا هذا السبيل وهذا الطريق. وكذلك قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. إذن عدم إيمانهم هو سبب تقليب أفئدتهم وأبصارهم. فهم اتخذوا هذا العمل الذي هو من عمل أهل الكفر، وليس من عمل أهل الإيمان. وسيدكر أيضًا أمثلة في المغفرة، وفي الرزق، وفي غير ذلك من الأسباب التي هي من عمل الإنسان ومن مشيئة الإنسان. طيب، نكتفي بهذا، وإلهنا رب.