شرح السنة للمزني 3

الدرس في شرح السنة للمزني 3، الدرس الثالث:من( وأهل الجنة يومئذ في الجنة يتمتعون ... فنحن بالله واثقون وعليه متوكلون وإليه في اتباع آثارهم راغبون ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

صفات أهل الجنة والنار وطاعة ولاة الأمر وقواعد التعامل مع أهل القبلة

يصف المقطع نعيم الجنة الدائم وعذاب النار لأهل الكفر، مبيناً أن عصاة الموحدين يخرجون من النار. كما يوضح حكم طاعة ولاة الأمر في ثلاث حالات: الطاعة في المعروف، والطاعة في مسائل الاجتهاد لجمع الكلمة، وعدم الطاعة في المعصية، مع تقرير قاعدة عدم تكفير أهل القبلة بالذنوب إلا إذا استحلوا المحرمات أو ابتدعوا ضلالة.

أحكام الاستحلال والبراءة من المبتدعة وعقيدة أهل السنة في الصحابة والخلفاء الراشدين

يبيّن المقطع أن من استحل الكبائر عامداً عالماً فهو كافر، ويوضح ضوابط البراءة من أهل البدع والهجران بحسب موازين القوى بين أهل السنة وأهل البدعة. ثم يستعرض عقيدة أهل السنة في تفضيل الخلفاء الأربعة والعشرة المبشرين بالجنة، مع وجوب محبة جميع الصحابة والترضي عنهم والكف عما شجر بينهم.

فضل الصحابة ووجوب التوقير لهم وأحكام الصلاة خلف الأئمة وأنواع الجهاد

يؤكد المقطع على فضل الصحابة رضي الله عنهم وترتيبهم في الفضل، ووجوب الإمساك عما شجر بينهم والأدب معهم، مع الرد على الطوائف الزائغة كالخوارج والروافض والنواصب. ثم ينتقل لبيان أحكام صلاة الجمعة والجماعة خلف البر والفاجر والمبتدع، مفصلاً في بدعة الصلاة وبدعة الكفر والفسق، ويختم بتقسيم الجهاد إلى جهاد طلب وجهاد دفع وبيان أحكام كل منهما.

شروط طلب النصرة من الإمام المسلم وحكم غيابه

يبيّن المقطع أنه إذا وجد إمام مسلم شجاع يهتم بأمر المسلمين ويستطيع دحر المعتدي، وجب على أهل البلد الاتصال به وطلب نجدته. أما إذا كان الحاكم المسلم غير موجود أو تعذر الوصول إليه، فله حكم آخر سيذكر لاحقاً.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. على بركة الله يبدأ الدرس الأول هذا اليوم إن شاء الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين. أما بعد، فيقول الشيخ إسماعيل بن يحيى المزني رحمه الله تعالى في رسالته الموسومة بشرف السنة: قال رحمه الله: «وأهل الجنة يومئذ في الجنة يتمتعون، وبصنوف اللذات يتلذذون، وبأفضل الكرمات يحبرون، فهم حينئذ إلى ربهم ينظرون، لا يمارون في النظر إليه ولا يشكون، فوجوههم بكرامته ناظرة، وأعينهم بفضله إليه ناظرة، في نعيم دائم مقيم، لا يمسهم فيها نصب، وما هم منها بمخرجين، أكلها دائم وظلها، تلك عقبى الذين اتقوا، وعقبى الكافرين النار». الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذه الجمل ضمنها الشيخ رحمه الله ما أعده الله لأهل الإيمان به، والذين هم أولياؤه من المتقين والمحسنين من عباد الله المؤمنين. وكان قبل قد انتهى إلى قول: «فريق في الجنة وفريق في السعير»، فتصبح هذه الجمل كأنها جواب على سؤال مقدر، وهو: ما لهؤلاء الذين هم فريق في الجنة من عباد الله؟ فذكر الشيخ هذه الجمل، وهذه الجمل كل جملة منها له دليله من الكتاب والسنة. ونظراً لضيق الوقت، فإننا نختصر بذكر دليل واحد من صحيح السنة، وهو ما أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة ناد مناد: يا أهل الجنة، إن لكم فيها أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم فيها أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم فيها أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم فيها أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً». نسأل الله الكريم لنا ولكم من فضله ما تقر به الأعين في الدنيا والآخرة. فهذا الحديث يتضمن النص على ما بسطه المصنف رحمه الله من أن نعيم الجنة دائم، وأن سعادة أهلها دائمة، ومن نعيمهم ذلك دوام اللذة ودوام المتعة، وأعظم نعيمها النظر إلى الله سبحانه وتعالى، كما في الحديث الصحيح: «جنتان جنتان، آنيتهما وما فيهما من ذهب، وليس بينهم وبين أن ينظر إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه». نعنى قال رحمه الله: «فهم حينئذ إلى ربهم ينظرون، لا يمارون في النظر إليه ولا يشكون، فوجوههم بكرامته ناظرة، وأعينهم بفضله إليه ناظرة، في نعيم دائم مقيم، لا يمسهم فيها نصب، وما هم منها بمخرجين، أكلها دائم وظلها، تلك عقبى الذين اتقوا، وعقبى الكافرين النار». ستضمن هذه الجمل بالإضافة إلى ما تقدم النص الصريح في بياني أن الجنة هي دار أولياء الله سبحانه وتعالى، وليس فيها لكافر ولا مشرك حظ ولا نصيب. نعم، قال رحمه الله: «وأهل الجحد عن ربهم يومئذ محجوبون، وفي النار مسجرون، لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم، وفي العذاب هم خالدون، لا يقضى عليهم فيموت، ولا يخفف عنهم من عذابها، إلا من شاء الله إخراجه من الموحدين منها». وهذه الجمل تتضمن شيئاً: الأول التنبيه إلى أن أهل النار الذين هم أهلها لا يخرجون منها أبد الأباد، وهم فيها خالدون، هم الكفار والمشركون. الثاني: أن الذين أصابتهم النار بذنوبهم يخرجون منها، لأنهم ليسوا أهلها، وقد بيّن ذلك في درس صباح الأمس. نعم، قال رحمه الله: «والطاعة لأولي الأمر فيما كان عند الله عز وجل مرضيا، واجتناب ما كان عند الله مسخطا، وترك القروج عند تعديهم وجورهم، والتوبة إلى الله عز وجل كيما يعطف بهم على رعيتهم». أقول: هذه المسألة هي محل نزاع وخصومة وحرب ضروس بين أهل السنة ومخالفيهم من أهل الأهواء من خوارج ومعتزلة وجهمية. فأهل السنة يدينون لله بالسمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، في غير معصية الله، لمن ولاه الله أمرهم من المسلمين، براً كان أو فاجراً. وقد دل الكتاب والسنة المتواترة على هذا الأمر. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59] الآية. وقال صلى الله عليه وسلم: «على المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية الله». وقال صلى الله عليه وسلم: «ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي، ولا ينزعن يداً من طاعة». وقد بيّن أهل السنة أن ما يصدر عن ولي الأمر له ثلاثة أحوال: إحداها أن يكون طاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا تجب لهم فيه السمع والطاعة طاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم. الثانية: الحال الثانية، ما كان مندوباً أو مما هو محل اجتهاد، فهذا كذلك تجب لهم أو يجب لهم فيه السمع والطاعة جمعاً للكلمة ودفعاً للفرقة، فإن اجتماع الكلمة مقصد شرعي، وافتراقها مذموم وممقوت، لأنه باجتماع الكلمة على من ولاه الأمر تؤمن السبل، وينصر المظلوم، ويشيع العدل، وينتشر الأمن في البلاد والعباد. الثالثة: ما كان معصية لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فلا طاعة لهم فيه، لأن المأمور ألا يطيع الخلق في معصية الخالق، كما أنه منهي أن يطيعهم في معصية الله. نعم، قال رحمه الله: «والإمساك عن تكفير أهل القبلة والبراءة منهم فيما أحدث، ما لم يبتدعوا ضلالة، فمن ابتدع منهم ضلالة كان على أهل القبلة خارجاً ومن الدين ما رقا، ويتقرب إلى الله بالبراءة منه، ويهجر ويحتقر، وتجتنب غدته». قال: «والإمساك عن تكفير أهل القبلة والبراءة منهم فيما أحدث، ما لم يبتدعوا ضلالة». حسبك إلى هنا. أهل القبلة هم المصلون، وهذا يشمل كل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقام الصلاة، لأجل دعاء من الإسلام، فهم أهل القبلة. والشيخ رحمه الله بهذه الجمل يقرر قواعد في التعامل مع أهل القبلة، كيف يتعامل المسلم مع أهل القبلة، أهل القبلة الذين يصلون إلى الكعبة. فذكر أولاً الإمساك عن تكفيرهم، وهذا معناه أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا بد من قيد: ما لم يستحله. فإن من أتى كبيرة من الكبائر وهو مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله له حالتان: إحداهما أن يأتي ما يأتي من كبائر الذنوب والآثام معتقداً تحريمها، فهذا فاسق، ولا يكفره إلا الخوارج، لأن الخوارج يكفرون بالكبيرة. الحال الثانية: أن يستحلها، يأتي ما يأتي من كبائر الأثام وعظائم الذنوب مستحلاً لها عن علم عامداً عاقلاً، اجتمعت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع، فهذا كافر. ثانياً: البراءة فيما أحدثه أهل القبلة. فإذا ورد على المسلم شيء بين إخوانه المسلمين، وكان هذا الأمر ليس له دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع، فإنه محدث، وكل محدثة بدعة. فإذا أتى المسلم ببدعة عالماً معانداً، فإنه يتبرأ منه نفسه ويهجر، إذا قدر على هجره ولم تترتب على هجره مفسدة أكبر من المصلحة المرجوة. وهذا ينظر فيه من وجهي: أحدهما إذا كانت الكفة راجحة لأهل السنة، ولهم قوة الشوكة والصولة والجولة، فإنهم يذلون أهل البدع، ويغلظون عليهم القول، ويجرون عليهم بخيلهم ورجلهم استنكاراً وإذلالاً لهم وتحذيراً منهم، حتى يحال بينهم وبين المسلمين لا يفسدوا عليهم دينهم. الحال الثانية: أن تكون المسألة عكسية، وهي أن الكفة الراجحة وقوة الشوكة والصولة والجولة لأهل البدع، فإن أهل السنة يكتفون برد البدع والمحدثات، حتى يصفو دين الله سبحانه وتعالى، وحتى يتفطن من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ومن كان حياً حياة في دينه، فإنه حينما يحذر من البدع ويبين له أن هذه بدع بدلالة الكتاب والسنة، فإنه يتفطن ويحسب للأمر حسابه، ويفاصل البدع وأهلها. وقد يبتلى المسلم بأنه لا يستطيع مفاصلة أهل البدع، لا يستطيع مفاصلتهم لما لهم من ولاية أو من كثرة كاثرة أو قوة شوكة، ففي هذه الحال لا يكلفه الله فوق طاقته. إذا استطاع أن يأمر وينهى ويحذر من البدع ويردها فليفعل، وإذا غلب على أمره وما استطاع إلى الأمر والنهي سبيلاً، فإنه يكتفي بالإنكار بقلبه، ويتسلّى بهذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 105]. نعم، قال رحمه الله: «فمن ابتدع منهم ضلالة كان على أهل القبلة خارجاً ومن الدين ما لقى». هنا حسبك. «من ابتدع ضلالة» هذا تنبيه إلى أن البدع متفاوتة، كلها مسمى بدعة، وكلها ضلالة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «وكل محدثة بدعة»، وفي رواية: «وكل بدعة ضلالة». ولكنها تختلف: منها المكفرة، كالرفض والتجهم ووحدة الوجود، ومنها ما هو مفسق، كالتشمع، ومنها ما هو مجرد خطيئة، كالتحلق للذكر الجماعي. وقد تقدم بعض الأمثلة، والمقصود أن المسلم في الأصل يتبرأ من البدع وأهلها، لا سيما يتبرأ من كل بدعة ومن كل صاحب بدعة، وتتأكد هذه البراءة في البدع الكبار المفسقات والمكفرات. نعم، قال رحمه الله: «ويتقرب إلى الله بالبراءة منه، ويهجر ويحتقر، وتجتنب غدته، فهي أعدى من غدة الجرب». قال: «ويهجر ويحتقر وتجتنب غدته، فهي أعدى من غدة... غدته غدته غدته غدته... آه، ما أدري ماذا يعني بكلمة غدة، لكن المقصود بيان الأصل، فالأصل هو هجر المبتدعة وبغضهم، والتقرب إلى الله بذلك، كما يتقرب ببغضهم ومفاصلتهم، هذا هو الأصل، وقد تقدم بعض الأدلة على ذلك». نعم، قال رحمه الله: «ويقال بفضل خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فهو أفضل الخلق وأخيرهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ونثني بعده بالفاروق، هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهما وزيرا رسول الله صلى الله عليه وسلم وضجيعاه في قبره وجليساه في الجنة، ونثلث بذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم بذي الفضل والتقى علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، ثم الباقين من العشرة الذين أوجب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة، وتخلص لكل رجل منهم من المحبة». أقول: بدأ المصنف رحمه الله بهذه الجمل معتقد أهل السنة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأول ما بدأ به كبارهم وخيارهم والصفوة منهم علماً وتقوى وورعاً وزهداً وإيماناً، وهم الخلفاء الأربع. وقد رتبهم المصنف على وفق ما جاءت به النصوص الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى وفق ما أجمع عليه المسلمون، ومناقب هؤلاء الأربعة متواترة. ثم ثنى بعدهم بسائر العشرة من الصحابة، وهؤلاء العشرة امتازوا بأنهم ذكروا في حديث واحد، شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه بالجنة، وليس هذا حصراً، لأن الشهادة بالجنة نصاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صحت به الأحاديث في غيرهم، رضي الله عن الجميع. وهنا كلمة أود لو أن المصنف رحمه الله اختار غيرها، وهي قوله في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: «وضجيعاه في قبره»، يفهم منها أو يفهم من هذه الكلمة أنهما مقبوران معه في قبر واحد، وليس الأمر كذلك، فحبذا لو أنه قال: «وجاراه في قبره». وذكر المصنف رحمه الله أنهما جليساه في الجنة، حتى الساعة لم أعلم دليلاً على هذا، فالواجب الوقوف على ما تضمنته النصوص، فالنصوص دالة قطعاً على أن هذين الخليفتين هم أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالأفضل فالأفضل: الرتبة الأولى لأبي بكر، قدمه المسلمون لما علموا من نصره، وبفضل الله، والإشارة إلى إمامته، ولأنه جعله إماماً للناس في الصلاة حين اشتد به المرض. وعمر رضي الله عنه، ورضي عن أبي بكر وعن الصحابة أجمعين، بايعه المسلمون وقدموه لوصية أبي بكر له، ولعلمهم من فضله بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم سائر الخلفاء الأربعة، فإن فضائلهم متواترة، عثمان وبقية عثمان وبقية العشرة، مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، كما رضي كذلك عن أبي بكر وعمر. نعم، قال رحمه الله: «ثم الباقين من العشرة الذين أوجب أوجب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة، وتخلص لكل رجل منهم من المحبة بقدر الذي أوجبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم من يوم التفضيل، ثم لسائر أصحابه من بعده رضي الله عنهم أجمعين». هنا محبة الجميع، محبة جميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتوليهم والترضي عنهم، هذا من الواجبات، وكذلك اعتقاد أنهم صفوة الناس وخيرتهم بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم، وكل ينزل منزلته، فلا يغلى فيه فيزاد على ما أنزله عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ينقص عن هذه المنزلة، وإن كانوا يتفاوتون في الرتبة، هم يتفاوتون في الفضل حسب سابقتهم في الإسلام، هذه قاعدة عامة مع جميع الصحابة رضي الله عنهم. نعم، قال رحمه الله: «ويقال بفضلهم، ويذكرون بمحاسن أفعالهم، ونمسك عن الخوض فيما شجر بينهم». هذه جمل أخرى في حق الصحابة، كل واحد منهم يقال بأنه صاحب فضل، يشهد لهم بالفضل كل واحد، سواء كان من السابقين الأولين أو من بعدهم، وأفضلهم العشرة، وأفضل العشرة الخلفاء الأربعة، وأفضل الأربعة الصديق رضي الله عنهم أجمعين، ثم بعدهم أهل بدر من المهاجرين، وأهل بدر، ثم أهل بدر من الأنصار، ثم من جاء بعدهم، ففضل كل واحد منهم يجب الإقرار به والتصديق به. ثانياً: يذكر محاسن الصحابة رضي الله عنهم، ويمسك عما صدر منهم من أخطاء، يمسك عنها ويكف عنها، كذلك يكف عما شجر بينهم. لماذا؟ لأن هذا الذي شجر بين الصحابة منه ما هو واقع صدقاً، لكن لهم فيه مجتهدون، ما بين مصيب له أجران، وما بين مخطئ هم فيه معذرون، وهذا نزر يسير إلى جنب فضائلهم رضي الله عنهم وسابقتهم في الإسلام. ومنه ما هو كذب ودخله الدس والتحريف، ولهذا وجب الإمساك وعدم الخوض فيما شجر بين الصحابة، أولاً لأنه سوء أدب معهم رضي الله عنهم، وهو ركوب نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم في نحو قوله: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، فلو أن لأحدكم مثل أحد ذهباً فأنفقه في سبيل الله ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». وفي هذا رد على طوائف زائغة: إحداها الخوارج، وهم مكفرة مكفرة لعلي رضي الله عنه ومن معه، كما أنهم يكفرون غيرهم بالكبار، وكذلك يكفرون عثمان رضي الله عنه. الطائفة الثانية: الرافضة، فهؤلاء يغلون في علي رضي الله عنه وسائر أهل البيت حتى رفعوهم إلى مرتبة الألوهية. الطائفة الثالثة: النواصب، وهم الذين ناصبوا علي رضي الله عنه وأهل البيت العداوة، وإن لم يكفروهم. فبان بهذا أن أهل السنة ولله الحمد يسلكون مع الصحابة رضي الله عنهم مسلك الأدب والتكريم والتوقير. نعم، قال رحمه الله: «ويذكرون بمحاسن أفعالهم، ونمسك عن الخوض فيما شجر بينهم، وهم خيار أهل الأرض بعد نبيهم، ارتضاهم الله عز وجل لصحبة نبيه، وجعلهم أنصاراً لدينه، فهم أئمة الدين وأعلام المسلمين، فرحمة الله عليهم أجمعين». ذكر هنا في هذه الجمل بعض المحاسن التي توجب التأدب معها، وأن لا يذكر إلا بخير وجميل الثناء. من هذه المحاسن: أولاً أن الله اصطفاهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصرة دينه وحملة الشرع عنه، فهم أهل الإمامة والفضل، هم أئمة الدين، وهم خير الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم. هذه بعض محاسنهم، فمن طعن في الصحابة كلهم، فإن طعنه يطعن في الله عز وجل، إذ اختار لنبيه من لا يصلح لصحبته وليس ثقة على حمل الشرع. ومن طعن في صحابي واحد، فإنه ينسف على الأمة مرويات ذلكم الصحابي، فمن طعن في أبي هريرة مثلاً، فإنه يطعن في خمسة آلاف حديث وزيادة، ومنها ما هو أصول في دين الله سبحانه وتعالى. نعم، قال رحمه الله: «ولا يترك حضور صلاة الجمعة وصلاتها مع بر هذه الأمة وفاجريها، لازم ما كان من البدعة بريئاً، فإن ابتدع ضلالة فلا صلاة خلفه، والجهاد مع كل إمام من عدل أو جائر، والحج، وإقصار الصلاة في الأسفار». حسبك. أقول: شرع المصنف في مسألة أخرى وهي ذكر شيء من خصائص الحاكم المسلم، فبدأ بعمود الإسلام وهي صلاة الجمعة والجماعة، كذلك براً كان أو فاجراً، ما لم يأتِ بدعة. ظهر كلامه أن المبتدع من حكام المسلمين لا تصح الصلاة خلفه، وهذا في الحقيقة فيه تفصيل. فأولاً ينظر في البدعة: هل هذه البدعة أجنبية من الصلاة أو هي في الصلاة؟ فإن كانت البدعة في الصلاة، فكما قال لا تصح الصلاة خلفه. فلو مثلاً أحدث تشهداً ثالثاً في الصلاة ذوات التشهد، لا تصح الصلاة خلفه ولا خلف غير كذلك، أو بدأ مثلاً بقراءة السورة قبل الفاتحة، لا تصح الصلاة خلفه، لأنه خالف صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي». قدم السورة على الفاتحة هذا خطأ، أو كان لا يجلس للتشهد الأول يسرد الثلاثية أو الرباعية سرداً، كذلك لا تصح الصلاة خلفه، أو كان يدعو أدعية في الصلاة شركية أو بدعية وعرفنا ذلك منه، فإنه لا تصح الصلاة خلفه. وأما إن كانت البدعة أجنبية خارج الصلاة، فلا تخلو أو فلا يخلو حال هذه البدعة عن حالين: إما أن تكون مكفرة، كالقول بالرفض الغالية أو وحدة الوجود أو الحلول أو الاتحاد، فهذا لا تصح الصلاة خلفه لأن بدعته مكفرة، ولابد من إقامة الحجة عليه، يناصح ويبين له، فإن أبى النصح أو سد طريق النصح بأن لا يمكن من نصيحته، فلا يصلى خلفه. وأما إن كانت البدعة مفسقة، كالتشمع، أو مجرد خطيئة، فالصلاة خلفه صحيحة، لأنه إذا كان أشعرياً أو ماتريدياً أو كلابياً، فهذا فاسق من الفساق، والصلاة خلف الفاسق صحيحة، لأن القاعدة الشرعية: من صحت صلاته في نفسه صحت صلاته بغيره. نعم، قال رحمه الله: «والجهاد مع كل إمام عدل أو جائر». الجهاد: الجهاد من الجهد والمجاهد، وهو استفراغ الوسع وبذل الجهد فيما هو جهد ومشقة. شرعاً: قتال الكفار إعلاء لكلمة الله. واعلموا معاشر السامعين من المسلمين والمسلمات أن الجهاد على ضربين: وهما جهاد طلب وجهاد دفع. فجهاد الطلب: وهو تجييش الجيوش وتجنيد الجنود وإعداد العدة ورفع اللواء لقتال من يلي المسلمين من الكفار، فهذا أمره موكول إلى الإمام الحاكم المسلم. فإن كانت عنده قدرة على قتال من يأبى من الكفار الإسلام، جاهد. فإذا دعا المسلمين واستنفرهم، وجبت عليهم إجابته والوقوف معه والانضواء تحت رايته التي رفعها لقتال هؤلاء الكفار. وإن رأى مصلحة في غير القتال من عقد المواثيق والعهود وإبرام المصالحات مع الكفار، حفظاً لبيضة الإسلام وأهله، كان المسلمون معه، وهذا باتفاق أئمة العلم والإيمان والدين. وبهذا يعلم أن من يدعو إلى الجهاد دعوة مطلقة، فهو إما جاهل لا يعلم السنة في هذا الضرب من الجهاد، أو هو صاحب هوى مبتدع، متفلت من الولاية، خارج على حكام المسلمين، وسواء كان هذا أو ذاك فالحذر منه واجب، ويرد عليه رداً يبين به ضلاله، وكذلك يستبين منه الصواب في هذه المسألة التي هي جهاد الطلب، وأنه لا حق فيها لأحد غير الإمام. الضرب الثاني: جهاد الدفع، ومعناه التصدي للصائل على بلاد المسلمين من الكفار. فهذا إن كان الإمام المسلم والحاكم المسلم موجوداً ويهتم بأمر المسلمين، وعنده نخوة وحمية وشجاعة للدفع عنهم والوقوف معهم في دحر الصائل وقهره ودحض كيده والتصدي له بالقوة حتى يعود خائباً ذليلاً، وأمكن الاتصال به، اتصل به أهل البلد وطلبوا نجدته. وإن كان الحاكم المسلم غير موجود، أو