تفسير سورة الجمعة من تفسير الجلالين 4

تفسير سورة الجمعة من تفسير الجلالين 4

الدرس في تفسير سورة الجمعة من تفسير الجلالين 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تكذيب اليهود وادعاء الاصطفاء

تتناول الآيات تكذيب اليهود لادعائهم الولاية لله وتطلب منهم تمني الموت إن كانوا صادقين. يُبين أن الولي يؤثر الآخرة ومبدؤها الموت.

تفسير نفي تمني اليهود للموت

يفسر المقطع عدم تمني اليهود للموت بسبب كفرهم وجرائمهم، ويوضح أن نفي تمني الموت خاص بالدنيا وليس مطلقًا. يستدل بآيات وأحاديث على تعدد أوجه النفي والإثبات في اللغة العربية.

تفسير الآيات المتعلقة بالموت والجزاء

يتناول تفسير الآيات المتعلقة بالموت والجزاء، موضحًا معاني الفاء الزائدة والغيب والشهادة وعلاقتهما بالسر والعلانية، ومبينًا أن الإنباء بما كان يعمله الإنسان يوم القيامة يكون بوسائل متعددة.

ختام بالتوجيه بالإحسان

يوصي بالإحسان في العمل ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مشيرًا إلى أهمية تحسين الأداء في الأعمال.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون﴾. قال المفسر رحمه الله: «قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين» تعلق بتمنوا الشرطان، على أن الأول قيل بالثاني، أي: إن صدقتم في زعمكم أنكم أولياء لله، والولي يؤثر الآخرة، ومبدؤها الموت، فتمنوه. ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم من كفرهم بالنبي المستلزم لكذبهم، والله عليم بالظالمين الكافرين. «قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم» الفاء زائدة. ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة السر والعلانية، فينبئكم بما كنتم تعملون. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات من هذه السورة العظيمة، سورة الجمعة، المليئة بالعبر والعظات. في هذه الآيات خطاب لليهود، فيه بيان حالهم، وفيه كذلك تعليم لأهل الإيمان في عظيم ما يجب من طاعة الله سبحانه وتعالى، والصدق في الأخذ بدينه. وكما أن اليهود زعموا أنهم أولياء لله وأحباب، والحقيقة خلاف ذلك، بما كان من حالهم وبعدهم عن العمل بدين الله سبحانه وتعالى، وكيف أنهم استحقوا العقوبة من الله سبحانه وتعالى والغضب، وهكذا كذلك البراءة. وقوله سبحانه: ﴿قل يا أيها الذين هادوا﴾ هذا النداء لليهود على زعمهم الذي يزعمون، فهم زعموا أنهم أهل هداية واهتداء. وقد اختلف في معنى لفظ اليهود من أين أخذ، فقيل: لاتباعهم لنبي الله عز وجل إسرائيل، الذي كان هاديا لهم ويهتدون بهديه، وقيل: من الهداية، وقيل: غير ذلك. وأيا كان ذلك، فالعبرة بالحقائق لا بالإدعاءات، وهكذا أهل الإيمان، العبرة بالحقائق لا بالإدعاءات. فليس كل من قال: مؤمن، فهو مؤمن. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيان ذلك في أحاديث عدة. فالمؤمن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وليس كل من ادعى الإسلام فهو مسلم، ولكن من برهن ذلك بصدق استجابته لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله. وهكذا كذلك كان الأمر مع أهل الكتاب، فليس ما يدعون من الاهتداء والاتباع للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل والإصطفاء، وأنهم أولياء الله وأحبابه يوافقون على ذلك. وهذه الآية آية من آيات كثيرة في تكذيب اليهود فيما يدعون من هذا الاصطفاء والاجتباء، وأنهم لله أولياء وأحباء، والأمر ليس كذلك. ومما ذكر في بيان كذبهم هذه الآية: ﴿إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين﴾. قال المفسر رحمه الله: بأن هذين الشرطين تعلق كل منهما بالآخر، قال: إن صدقتم في زعمكم أنكم أولياء لله، والولي يؤثر الآخرة، ومبدؤها الموت، فتمنوا، يعني: برهنوا على ذلك؛ لأنكم تتمنون الموت؛ لأنكم تجدون أنكم أولياء لله. والأمر ليس كذلك، وهم لا يمكن أن يتمنوا الموت؛ لأنهم يعلمون تمام العلم أنهم حرفوا وكذبوا دين الله وغيروا، وكذلك تلاعبوا، حتى خافوا على أنفسهم من عقوبة الله وغضبه في الدنيا قبل الآخرة، وهم يعلمون ذلك تمام العلم. بل ليس هذا فحسب، قتلوا من قتلوا من الأنبياء، حتى نبينا عليه الصلاة والسلام حاولوا قتله عدة مرات. وهذا من قليل من كثير مما عند هؤلاء من الكذب والخيانة وعدم العمل بدين الله سبحانه وتعالى. وقول سبحانه: ﴿ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم﴾ قال: من كفرهم بالنبي المستلزم لكذبهم. وهذا كذلك قليل من كثير مما يدل على كذب هؤلاء اليهود، فهم لا يتمنون الموت أبدا؛ لعلمهم أنهم فعلوا ما يغضب الله الشيء الكثير، ومن ذلك تكذيبهم للنبي صلى الله عليه وسلم. وقول سبحانه: ﴿ولا يتمنونه أبدا﴾ هذا اللفظ، هذه الصيغة لا تفيد الامتناع على الإطلاق، كما أخبر الله عز وجل: ﴿ولن يتمنوه ثم تمنوه﴾ أي: الموت. وهذا من هذا القبيل؛ لأن اللغة العربية إذا نفت شيئا لا يعني ذلك نفي المطلق؛ لأنهم قد يحصل منهم ذلك لسبب آخر أو بعد زمان؛ لأجل أن نصل إلى أمرين اثنين، أولا: أن المقصود بهذا هو تقريب المعنى، وأنه هو الغالب والأعم والأكثر. والأمر الآخر: أن هذا المعنى اللغوي تنبني عليه أشياء أخرى، كمسائل استدل بها بعض أهل الأهواء على نفي الرؤية لله عز وجل. ما جاء من نفي الرؤية لله سبحانه وتعالى إنما هو في الدنيا، وأما في الآخرة فإن المؤمنين يرون ربهم عيانا كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما جاء في بعض الأحاديث: «كما ترون البدر، كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته» يعني: لا تتضايقون. وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تدل على هذا المعنى، والسنة تفسر القرآن. واللغة العربية جاءت بأوجه كثيرة، ومما جاء كذلك ما جاء صريحا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قوله: «تعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا» أي: اعلموا أنه لن يرى أحد ربه في هذه الدنيا، وإنما إذا خرج من هذه الدنيا. فقول سبحانه: ﴿لن تراني﴾ ليس نفيا للرؤية على الإطلاق، وهكذا كذلك نفي الموت ليس نفيا على الإطلاق. وهذا لا يعارض ذاك؛ فيكون هذا المراد بهذه الدنيا، وكذلك ما يكون من طول الوقت والزمان، وإلا في الآخرة مع شدة العذاب والعقاب يتمنون الموت، ومع ذلك لا يؤتون به، كما قال الله عز وجل عن أهل النار: ﴿ينادون مالك يا مالك﴾ يعني: أنهِنا وأرحنا من هذا العذاب، ولكن ليس الأمر كذلك، بل يستمر العذاب والعقاب لما كان من عظيم فعلهم وجرمهم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجيرنا وإياكم من عذاب النار. وقوله: ﴿والله عليم بالظالمين﴾ كما تقدم أن الكفر إذا أضيف عليه بلفظ الظلم دل على عظيم ما صدر من هذا الكافر، وأنه فعل كفرا عظيما وصف بهذا الوصف، وهو الظلم. وظالمين هذه الصيغة كما تقدم معنا من الصيغ التي تدل على لزوم هذا الوصف للموصوف لعظيم شدته، فهم ظلموا ظلما عظيما. ولا ظلم أعظم من ظلم اليهود، مما فعلوه مع دين الله سبحانه وتعالى، ومع أنبياء الله ورسله من التحريف والتكذيب، بل والقتل والأذية والإضرار والعداوة والبغضاء. بل وصل الأمر مع الله سبحانه وتعالى مما يتعلق بأسمائه وصفاته وأمره ونهيه، فهم قد استحقوا الظلم العظيم بما كان من عظيم كفرهم. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم﴾ قال: الفاء زائدة. وتقدم معنا أنه على القول الصحيح من أقوال أهل العلم من أهل التفسير واللغة وغيرهم: لا يوجد في القرآن شيء زائد. وإذا ورد ما ظاهره الزيادة، فلا شك أن له معنى. فها هنا مثلا: الاتيان بالفاء موذن بقرب الزمان. فلما كان الكافرون لا يحبون الموت ولا يريدونه، فإن الله عز وجل توعدهم به، وأنه قريب. ولهذا قال سبحانه: ﴿قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقي﴾. وجملة: ﴿فإنه﴾ العطف بالفاء يفيد التعقيب، وكذلك التقريب. فبهذا يكون قد قرب زمان الموت، فكأنه يقول: الموت الذي تفرون منه قريب منكم ملاقيكم. فزاد بالفاء معنى القرب. ولا شك أن مثل هذا المعنى لا يوصل إليه إذا كانت الفاء غير موجودة. فمن الخطأ أن يقال: أن هناك شيء زائد في القرآن. وقوله: ﴿ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة﴾ تأكيد لما سبق من أنه حق، ولا يفر منه أحد. وقوله: «السر والعلانية» أي: تفسير لمعنى الغيب والشهادة. فالغيب ما غاب، ومنه السر، فتفسير الغيب بالسر هذا من التفسير ببعض المعنى. وإلا فالغيب يدخل فيه السر وغيره مما لم يحط بعلم الإنسان. فليس كل ما في الشهادة - أي: الشهود ويراه الإنسان - هو مما في عالم الله وفي علم الله. وما أوتين من العلم إلا قليلا. كما جاء في الحديث: «ما علم الناس من علم الله إلا كالمخيط حين يدخل إلى البحر، فماذا يخرج منه؟! لا شيء». وكل ما سوى ما علمه الإنسان وشاهده، فهو من الغيب الذي غاب عن الإنسان. فيكون الغيب يشمل ما غاب عن علم الإنسان مما لا يعلمه، ومنه السر وما لم يشاهده. فبهذا نعلم أن الغيب أوسع من أن يحصر بالسر. والشهادة قال: «العلانية». وهذا كذلك تفسير ببعض المعنى. وإلا فالشهادة سواء أكان علانية أو خفاء، لكنه مما شهده هذا الإنسان. فإنما يشهد الإنسان منه ما هو معلن، ومنه ما هو مخفي، فكل ذلك يدخل في معنى الشهادة. ﴿فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ قال: «فيجازيكم به». وهذا كذلك تفسير بالنتيجة. وإلا الأدلة التي تفسر القرآن تبين أنه يبين للإنسان وينبأ بكل ما يعمل، حتى أن جوارحه تشهد عليه. وهذا من معنى الإنباء، فالإنباء بما كان يعمله الإنسان يكون من شهادة الشهود، وشهادة الملائكة، وشهادة الجوارح والنفس، وكذلك ما يكون من أمر الرب سبحانه وتعالى، كما جاء في حديث بن عمر وغيره: «ما منكم إلا سيُلْجِمُهُ ربه، ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه». وبمعنى أحاديث. فينبئ الله عز وجل العبد بما كان يعمله في هذه الدنيا. وفي هذا تخويف وكذلك تذكير أن يحسن الإنسان في عمله؛ لأن الموت مهما بعد فهو قريب، وما بعده جزاء ولا عمل. فعلى الإنسان أن يحسن في عمله. إلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه. وصلى الله وسلم.