الدرس في التعليق على آداب المعلمين والمتعلمين للسعدي 18، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يؤكد المحور على وجوب القناعة باليسير من الرزق والاقتصاد في المعيشة للمشتغلين بالعلم، لأن انشغال القلب بالدنيا ينقص من التحصيل العلمي. ويستدل بأحاديث نبوية تبين أن القناعة كنز عظيم وأن الرضا بما قسم الله يغني العبد عن التعلق بالدنيا.
يبرز المحور فضيلة القناعة كما تجسدت في سيرة العلامة الشنقيطي، مبيناً أن طالب العلم أحوج الناس إليها لملازمة الفقر لطلب العلم غالباً. ويستشهد بأقوال السلف كشعبة بن الحجاج والإمام الشافعي ويحيى بن أبي كثير في أن العلم لا ينال براحة الجسد بل بالتعب والزهد.
يسرد المحور نماذج عجيبة من صبر العلماء المتقدمين كشرب البول من العطش وأكل الخبز المنسوج عليه العنكبوت، مؤكداً أن الاختصاد في المعيشة من أعظم أسباب الاستمرار في الطلب. ويضرب المثل بأبي هريرة رضي الله عنه الذي انتقل من شدة الجوع إلى سعة العيش بعد بروزه في العلم محذراً من استعجال الدنيا.
يحذر المحور من طلب العلم بنية الحصول على مكاسب دنيوية كمرتب وسكن ومال، مبيناً أن ذلك قد يضر بالطالب ويكون سبباً في انصرافه عن العلم الحقيقي. ويختتم بالدعاء والثناء على الله وشكر الحضور على المتابعة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في رسالته «آداب المعلمين والمتعلمين»: قال رحمه الله تعالى: «واعلم أن القناعة باليسير من الرزق والاقتصاد في أمر المعيشة مطلوب من كل أحد، لا سيما المشتغلون بالعلم؛ فإنه كالمتعين عليهم، لأن العلم وظيفة العمر كله أو معظمه، فمتى زاحمته الأشغال الدنيوية والضرورات والضروريات حصل النقص بسبب ذلك. قال: والاقتصاد والقناعة من أكبر العوامل لقصر الأشغال الدنيوية وإقبال المتعلم على ما هو بصدده». هذا يا إخوان من الأمور المهمة جدا التي ينبغي أن يحرص عليها الجميع، طلاب العلم وغير طلاب العلم، ألا وهو القناعة باليسير من الرزق والاقتصاد في أمر المعيشة. والنبي صلى الله عليه وسلم قال كما في حديث عبد الله بن عمر عند الإمام مسلم: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه». وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح مسلم: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا». وهكذا كان عليه الصلاة والسلام يقول كما في حديث عبيد الله بن محصن: «من أصبح منكم أمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه وليلته، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها». وهكذا جاء في حديث أبي هريرة عند الترمذي وابن ماجة، وصححه العلامة الألباني رحمه الله في وصايا النبي صلى الله عليه وسلم: «وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، تكن أغنى الناس». إذن يا إخوان، القناعة هي تعتبر من أعظم ما يكرم الله عز وجل بها هذا المسلم، وهو أن يرضى بما أعطى الله عز وجل، ترضى بما أعطاك الله عز وجل، فهذا يعتبر من أعظم الكنوز التي يكتنزها العبد منا: إذا كنت ذا قلب قنوع فأنت ومالك الدنيا سوا. ولهذا ذكر في ترجمة العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى وغفر له، يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: «جئت من البلاد بكنز عظيم، بكنز عظيم يبلغني مدى الحياة، ولا أخشى عليه الضياع، ولا أخشى عليه الضياع». فقيل له: «وما هذا الكنز؟ وما هذا الكنز؟» فقال: «القناعة، القناعة». وكان ذلك شعاره رحمه الله تعالى وغفر له. ولهذا يا إخوان يذكرون جوانب عظيمة في زهد هذا الإمام، وهكذا أيضا ما من القناعة التي رزقه الله تعالى إياها. وطالب العلم يا إخوان هو من أحوج الناس إلى أن يتحلى بهذا الأدب ويتخلق بهذا الخلق، ألا وهو القناعة، وأنه لا يتوسع في أمور المعاش؛ لأن طلب العلم لربما يصيب صاحبه معه شيء من الفقر والحاجة. ولهذا مما يذكر عن شعبة بن الحجاج رحمه الله تعالى كان يقول: «من طلب الحديث كثرت أمواله أفلس، من طلب الحديث أفلس». قيل رأى شعبة بن الحجاج طالب علم يحمل محبرة وأوراقا، قال: «إلى أين؟» قال: «طلب العلم». قال: «بشر أهلك بالإفلاس، بشر أهلك بالإفلاس». اليوم يا إخوان، طالب العلم يريد أن يوفق لطلب العلم، وما يريد أن يكون هناك شيء ينقص عليه، يريد الطعام من أحسن ما يكون، والشراب من أبرد ما يكون، والجو من ألطف ما يكون، والملبس من أجمل ما يكون. لا، ما يصلح هذا، لا ينال العلم براحة الجسد. من القائل: «لا ينال العلم براحة الجسد»؟ عندك من الشافعي، ما اسمه؟ محمد بن إدريس. طيب، عندك أصاب أم أخطأ؟ «لا ينال العلم براحة الجسد» أصاب. نعم، أنت قال الشافعي: أصاب أم أخطأ؟ قلها ولا تخف، أو تريد مساعدا؟ ممكن، أهو الشافعي، أحيل، أحيل السؤال على شخص آخر، أو عندك الآن ما زال؟ أيش تراجعت؟ تفضل. يحيى بن أبي كثير، من عندك؟ طيب، لا، بس أحسنتم جميعا. يحيى بن أبي كثير، ورحم الله الإمام مسلم بن الحجاج حيث ذكر في كتابه الصحيح في كتاب الصلاة، لما أتى على أحاديث المواقيت، اجتهد الإمام مسلم رحمه الله تعالى في سرد الطرق والروايات في هذا الباب، ثم ختمها بماذا؟ بأثر يحيى بن أبي كثير: «إنه لا ينال العلم براحة الجسد، براحة الجسد». ومن قرأ في تراجم العلماء المتقدمين، وحتى العلماء المتأخرين، يرى صبرا يا إخوان وجلدا على طلب العلم. الشيخ مقبل رحمه الله تعالى يذكر أنه كان في بداية طلبه للعلم، يعني تصيبهم شدة، حتى أن أحدهم لربما يأتي يريد أن يأكل الخبز، فيجد العنكبوت قد نسجت عليه، فيزيل أثر العنكبوت ويأتي بالماء ويبلل هذا الخبز بالماء. وهكذا أيضا ما وهكذا غيرهم ممن صبروا على طلب العلم. كم من المحدثين من شرب بوله في طلب العلم، شرب بوله، يرحلون المسافات الطويلة، فلربما يعطش أحدهم وليس هناك ماء، فيضطر إلى أن يشرب بوله، وهذا قد يتكرر مع بعضهم مرات. وهذا يدل على قناعة كانت عندهم، وعلى اقتصاد في أمر المعيشة كانوا عليه، رحمة الله عليهم. وطالب العلم إذا أراد المطعم الجيد والملبس الجيد والمسكن الجيد، وغيرها مما فيه توسع، لربما يصرف عن طلب العلم، يذهب ويشتغل ويقضي أكثر أوقاته في أعمال دنيوية، ويأتي من العمل متعبا ولا يجد مجالا للحفظ أو المذاكرة أو السماع أو غيرها من أبواب العلم. إذن، طالب العلم يجعل في نفسه أن القناعة والاختصاد في أمر المعيشة من أعظم الأسباب التي تجعله يستمر في طلب العلم. ثم زد على ذلك أمرا: أن الله عز وجل قد يوسع على طالب العلم، لكن متى؟ قد لا يكون هذا في البداية، قد يبتلى في أول طلبه للعلم إلى أن يبرز، وإلى أن يجيد فنون وعلوم، ويحتاج الناس إلى علمه، هنا قد تنفتح الدنيا على مصراعيها. ولهذا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه كان مثالا عظيما لطالبي العلم، كيف كان أول أمره؟ لربما يغمى عليه من شدة الجوع، ثم بعد ذلك إذا بأبي هريرة يمتخط في المناديل، ولربما يأكلون الطعام الجيد، ويسكنون، ويتزوجون، ويركبون، إلى غير ذلك. لكن من استعجل الشيء قبل أوانه، ماذا يا أبا العباس؟ «عوقب بحرمانه». من استعجل الشيء قبل أوانه، بدأ يطلب العلم يريد كفالة ومرتب، ويريد سكن، ولربما مبلغا من المال وشيئا من الدنيا، آذى، لربما لا يوفق له، وإنما قد يكون سببا لانصرافه عن طلب العلم. فنكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكرا للمشاهدة، للمشاهدة، شكرا للمشاهدة، شكرا للمشاهدة.