التعليق على آداب المعلمين والمتعلمين للسعدي 19

التعليق على آداب المعلمين والمتعلمين للسعدي 19

الدرس في التعليق على آداب المعلمين والمتعلمين للسعدي 19، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

فضل نشر العلم والإخلاص فيه وآثار البخل به

يؤكد المقطع على وجوب النصح وبث العلوم النافعة، موضحًا أن كتمان العلم يؤدي إلى موته مع صاحبه أو نسيانه في حياته، بينما نشره يمنح العالم حياة ثانية وحفظًا لعلمه. ويربط بين الإخلاص في طلب العلم ونشره وبين حلول البركة فيه، مستشهدًا بقوله تعالى عن عيسى عليه السلام: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتُ﴾ مفسرًا البركة بكونه معلمًا للخير ونافعًا للناس.

فضل تعليم الصغار القرآن والعلوم الشرعية وأثره في الأجر المستمر

يبرز المقطع فضل تعليم الأطفال القرآن والعبادات الأساسية كما فعل الأئمة كالإمام الأعمش وأبو منصور الخياط، مبينًا أن ذلك يعد صدقة جارية وعلمًا ينتفع به بعد الموت. ويؤكد أن المعلم يشارك المتعلم الأجر كاملًا، ويحث الآباء على تعليم أبنائهم بأنفسهم لنيل هذا الأجر العظيم.

فضل التعليم وتأثير المعلم كأب روحي

يشبه النص المعلم بالوالد في التربية، مبينًا أن أثر العلم يتضاعف عبر الأجيال كما يتضاعف النسل، ويحث على الصبر في نشر العلم وعدم احتقار تعليم الآخرين. مستشهدًا بقول سعيد بن جبير: «لأن أنشر علمي أحب إلي من أن أذهب به إلى قبري».

الدعاء الختامي والثناء على الله

يختتم المتحدث بالدعاء بطلب العلم النافع والعمل الصالح، وأن يبارك الله في القول والسمع، ويجعلهم ممن يتبعون أحسن ما يسمعون. ثم يصلي على النبي محمد ويحمد الله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في رسالته «آداب المعلمين والمتعلمين»: «قال: ومن آداب العالم والمتعلم النصح وبث العلوم النافعة بحسب الإمكان، حتى لو تعلم الإنسان مسألة وبثها كان ذلك من بركة العلم، كان ذلك من بركة العلم. قال: ولأن ثمرات العلم أن يأخذه الناس عنك، فمن شح بعلمه مات علمه بموته. ومعنى من شح: أي من بخل بعلمه فلم يبثه في الناس ولم ينشره في أوساط الناس، فهذا علمه يموت بموته. قال: وربما نسيه وهو حي، قد ينسى العلم في حال حياته، وقد كذلكم أيضًا يبتلى بالاختلاط، قد يختلط فلا يدري ولا يميز. قال: وربما نسيه وهو حي، كما أن من بث علمه كان له حياة ثانية وحفظًا لما علمه، وجازاه الله بحسب عمله، بحسب عمله. وكما سبق يا إخوان: أن العالم والمتعلم كلاهما أحوج ما يكون إلى أن يبارك الله عز وجل له في هذا العلم، في هذا العلم. فلربما علم قليل، لكن بسبب إخلاص صاحبه يبارك الله عز وجل فيه، فينفع الله به أيما نفع. ولربما شخص عنده من المتون والمحفوظات وعنده من الذكاء والفهم ما عنده، لكن بسبب عدم الإخلاص أو عدم الإحسان، فإن الله عز وجل قد ينزع البركة من ذلك الرجل ومما تعلمه. ولهذا ربنا عز وجل قال عن عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتُ﴾، ﴿أَيْنَمَا كُنْتُ﴾، وفسر المبارك هاهنا: أي معلمًا لي الخير وداعيًا إلى هذا الخير، فسرت بأنه نافع لي الآخرين، نافع لي الآخرين. فمن عمل بالعلم وحرص على نشر العلم، بارك الله عز وجل له فيما علم. ومن لم يكن كذلك، فلربما محقت بركة هذا العلم، بركة هذا العلم. ومن هذا الباب يا إخوان: وجد من الأئمة المتقدمين، على جلالة قدره وعلو منزلته، فلربما كان يجلس للأطفال الصغار يعلمهم القرآن، يعلمهم القرآن. لماذا؟ احتسابًا لأجر وطلبًا لبركة في الرزق. الإمام الأعمش رحمه الله تعالى كان يجلس لربما مع الأطفال الصغار يقرئهم القرآن، فيعاتب في ذلك، يقال له: الأئمة والمحدثون ينتظرون وأنت تجلس مع هؤلاء الصغار؟ فيقول لهذا القائل: ويحك، هؤلاء يحفظون عليك دينك، يعني هؤلاء هم صغار اليوم، كبار الغد، كبار الغد. وهكذا ذكر الذهبي في السير عن رجل يقال له: أبو منصور الخياط، وكان من المقرئين، وكان يجلس للأطفال وغيرهم ويلقنهم القرآن، يلقنهم القرآن. فلما مات رؤي بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بتعليم الصبيان الفاتحة، غفر الله لي بتعليم الصبيان الفاتحة. تخيلوا: لما تعلم إنسان صغير سورة الفاتحة وقصار السور، وتعلمه كيف يتوضأ وكيف يصلي، كم سيعمل بهذا العلم؟ كم مرة سيتوضأ ومرة سيصلي؟ كم سيقرأ هذه السور؟ أنت الذي علمته، لك من الأجر مثله، لا ينقص من أجورهم شيئًا، كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولهذا ينبه بعض العلماء أن الشخص لا ينبغي أن يترك تعليم هذه الأشياء البدائية لأولاده، أن يتركها لغيره، يجعل غيره يعلم أولاده سورة الفاتحة وقصار السور وكيف يتوضأ وكيف يصلي، مبادئ العقيدة. فأنت أولى بهذا الأجر، أنت أولى بهذا الأجر. فإذن يا إخوان: النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». وكم لأهل العلم يا إخوان من مثل هذه الأعمال التي تعود عليهم بالأجر وهم أموات في قبورهم، في قبورهم. العلماء الذين يذكرون اليوم كالصحابة والتابعين وأتباعهم، الأئمة الأربعة وغيرهم، وهكذا علماء الإسلام ماتوا يا إخوان، والبعض لربما له ما يزيد على ألف سنة، لكن كأنهم أحياء في أوساطنا، يذكرون ويستفيد الناس من علمهم، يستفيد الناس من علمهم. وكم كان في تلكم الأزمان من أناس لربما يعادون أهل العلم ويحاربون السنة وأهلها، وماتوا وليسوا ممن يذكر بشيء من الخير، بشيء من الخير. كذلكم أيضًا، كذلكم أيضًا: المعلم يعتبر والدًا للمتعلم، والدًا للمتعلم. فلما يرى الناس ولدًا ذا أخلاق طيبة، يقولون: من أبوه؟ يقال: أبوه من فلان، أبوه يعني من النسب فلان. يقولون: نعم، عمل، نعم، أب استطاع أن يربي هذا الولد. لكن حين أن يرى الناس طالب علم، أو يروا شيخًا، يروا خطيبًا، يروا إمامًا مدرسًا، ما يقولون: من أبوه؟ في الغالب يقولون: من شيخه؟ أين درس؟ أين تعلم؟ قالوا: تعلم عند الشيخ الفلاني. يقولون: نعم المعلم ونعمة المتعلم. فكما أن الأب الذي أنجب يعتبر أبًا في التربية ونحوها، أيضًا المعلم الذي علم يعتبر أبًا لهذا المتعلم. ثم أنت قد تعلم عشر أشخاص، تصبر على أذيتهم وإزعاجهم: هذا يطمر، وهذا يقفز، وهذا يرمي، وهذا يضحك، تدرسهم يعني الأشياء البدائية. طيب، يكبر هؤلاء العشرة، تخيل كل واحد يقوم على حلقة فيها عشرة، إذن العشرة سيدرسون مئة. طيب، المئة هؤلاء لربما يقوم النصف أو الربع أو الثلث أو الكل على حلقة فيها عشرة. انظر بعد مئة سنة أو مئة وخمسين سنة، كم أنت وأنت في قبرك يصلك من هذا العلم الذي لا زال الناس ينتفعون به؟ إذن لا تحتقر تعليم الآخرين، اصبر على التعليم واصبر على بث العلم ونشره، سواء تعلم وتعليم القرآن الكريم أو السنة أو التفسير أو العقيدة أو التوحيد وغيرها. وقد جاء عن سعيد بن جبير التابعي الجليل المعروف قال: «لأن أنشر علمي، لأن أنشر علمي أحب إلي من أن أذهب به إلى قبري، لأن أنشر علمي أحب إلي من أن أذهب به إلى قبري، أن يدفن مع صاحبه، مع صاحبه». فهذا من الأمور المهمة يا إخوان التي ينبغي أن يحتسبها العالم، وهكذا أيضًا المتعلم. فأسأل المولى جل في علاه أن يرزقنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا يقربنا إليه، وأن يبارك لنا فيما نقول وفيما نسمع، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.