الدرس في كتاب البيوع 35، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الرهن يعني الدوام والثبوت في اللغة، وهو توثيق دين بعين في الاصطلاح، ويصح في كل عين. دل عليه الكتاب والسنة.
هناك خلاف في المذهب الحنبلي حول جواز كون الرهن دينًا على المرتهن، حيث جوزه بعض الحنابلة لعدم وجود دليل صريح يلزمه أن يكون عينًا. الخلاف ينشأ من اعتبار الرهن إما من باب المعاوضات أو التوثيق.
يتناول رهن المكاتب وجواز بيعه، وكيفية جعل الأقساط رهنًا، وشروط صحة الرهن. كما يبين جواز التوثيق للدين لعدم وجود دليل على منعه.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب الرهن، والرهن في اللغة هو الدوام والثبوت، رهن الشيء أي ثبت أو أثبت. وفي الاصطلاح عند الفقهاء، خاصة الحنابلة والشافعية، يقولون: هو توثيق دين بعين. أن الرهن هو أن يعطى الدائن عينًا تسد مكان الرهن أو ضمانًا للرهن. وقد دل على الرهن الكتاب والسنة، فالله عز وجل يقول: ﴿فإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾. وأيضًا في البخاري: "ومات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودرعه مرهونة عند يهودي". وشريعة هذا الرهن مثل التوثيق والطمأنينة لقلب الدائن، وحفاظًا على حقه؛ يعني يحفظ حقه بهذا الرهن. وفي تعريف الحنابلة والشافعية كذلك على أنه لا يوثق إلا بعين؛ فيه حصر التوثيق بالعين. وهذا قد يكون مثلًا لم تدل عليه الأدلة صريحة كما سيذكره المؤلف. هنا قال: يصح في كل عين. معنى كلامه: إذا كان الرهن دينًا أو منفعة فلا يصح. لابد أن يكون هناك عين، شيء معين يعطى، ما يكون دينًا مثله، ولا يكون أيضًا منفعة. فهذا معنى كلام المؤلف: يصح في كل عين. مثلًا أن يقول: أقرضني مئة ألف ريال، وأضع -مثلًا- عندك داري، أو أضع -مثلًا- قطعة ذهب عندك. فإذا أتى وقت الوفاء وتأخر الوفاء، فإن الرهن يباع. هذا الرهن يباع ويستوفى منه. فلهذا يقولون: لابد أن يكون عينًا. وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة. لكن ذهب بعض الحنابلة قالوا: يجوز أن يكون الرهن دينًا على المرتهن للراهن. أنا الآن عندي راهن ومرتهن. الراهن هو الذي عنده الدين الذي يضع الرهن، سمى راهنًا. والمرتهن هو الذي صاحب المال. أنا صاحب المال الذي أعطاه للدين والراهن. فالراهن هنا يقول الحنابلة: لابد أن يكون عينًا. لكن هناك أيضًا خلاف في المذهب نفسه على أنه يجوز أن يكون الرهن دينًا على المرتهن. مثلًا كيف؟ مثل صورة أن يكون الرهن دينًا. مثلًا يكون عند شخص -مثلًا- محمد له -مثلًا- عندي -مثلًا- مئة من أو كيس -مثلًا- من البر، أو من الأرض. ثم أراد دينًا، أنا أريد دينًا منه، أو أردت أن أستدين منه. أردت أن أستدين منه، فقلت له: أريد -مثلًا- عشرة آلاف، أو عشرين ألفًا. فيقول له -مثلًا-: فقل له الدين الذي عندك يعتبره. الدين الذي عندك يعتبره عن متى ما تسدده تسدد الدين بالمئة ألف -مثلًا- من هذا الذي أخذت عشرين ألفًا أو كذا. فهذا معنى صورة الدين عندما يكون الدين رهنًا. فهذا جوزه بعض الحنابلة كما قلنا، واختار هذا الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله- على أن هذا توثيق صحيح. لعدم وجود الدليل الصريح الذي يلزم أن يكون الرهن عينًا، بل حتى يجوز أن يكون منفعة. أن يكون منفعة. فمثلًا أن يكون إنسان عنده الدين، فيقول آخر لصاحب الدين هذا: يقول له أنا عندي مزرعة -مثلًا- أو عندي بيت، وأجره -مثلًا- في السنة، فما يخرج من هذا، ما يخرج من هذا البيت من الإيجار أخذه، واجعله في مقابل الدين الذي لك. مقابل الدين الذي لك، هذا ما في شيء. هذا يدل -كما قلنا- ما في شيء. وليس هناك ما يدل على ما يمنع من هذه الطريقة. هذه الطريقة الصحيحة. وأصل الخلاف في مذهب الحنابلة: يرون أن الرهن هو من باب المعاوضات. لابد أن يكون الرهن عينًا حتى يكون عوضًا. لكن يقول كثير من هذا العلم: يقول أن الرهن ليس من باب المعاوضات، وإنما هو من باب التوثيق، من باب التوثيق أو من باب التوثيقات. والتوثيقات يكون أوسع من المعاوضات؛ لأن التوثيق ليس بيعًا أصلًا. فصحيح أنه يجوز أن يرهن، أو أن يكون الرهن دينًا، ويكون منفعة. قال: "يجوز بيع المكاتب". معنى المكاتب: العبد المكاتب. العبد المكاتب يجوز أن يكون رهنًا، ويجوز بيعه. يبيع الرهن، فالمكاتب يجوز أن يكون رهنًا. عن صورة الرهن كيف؟ يكون ما يأتي به من الأقساط؛ لأن الآن المكاتب يكاتب سيده على أقساط -مثلًا- يدفع له في الشهر -مثلًا- عشرة آلاف حتى يكمل أقساطه. فيجعل هذه الأقساط رهنًا. يجعل هذه الأقساط تعطى سدادًا أو رهنًا لأجل السداد الديني. سداد الديني. فيبقى الآن هذا العبد يشتغل ويسدد الدين بالأقساط. فإن لم يستطع -مثلًا- فيبقى العبد هو نفسه رهن. إن لم يستطع يسدد، فالعبد هو نفسه يعتبر رهنًا؛ لأنه يجوز بيعه، وكلما جاز بيعه جاز رهنه. وهناك قول أيضًا عند الحنابلة: أنه لا يصح رهن المكاتب. وقالوا: لأن المكاتب عقد يكتبه مع سيده، فكيف يعطيه؟ فهذا فيه صلف للعقد الذي بينهما. فإن جعلناه مالًا آجلًا للعبد مالًا، فهو داخل في التوثيق. قال: "مع الحق أو بعده". مع الحق أو بعده معناه: يجوز الرهن مع الحق. أنا مع الدين. أنا مثلًا كان يقول: أقرضني عشرة آلاف، أضع بيتي رهنًا عندك. أو أقرضني مليونًا، وأضع بيتي رهنًا عندك. هذا مع العقد. وبعده: أي بعد أن يتفق على البيت. أنا مثلًا وهما يكتبان الدين، فيقول: بشرط أن تكون دارك رهنًا عندي. أنا بعد أن عقدوا الدين، يقول: بشرط سأعطيك الدين، لكن بشرط أن يكون دارك رهنًا عندي. فهنا يقول: مع الحق أو بعد الحق. وظاهر كلامه أن قبل الحق لا يصح. قبل الحق لا يصح. قبل الحق لا يصح. مثلًا قبل الحق أن يقول: إيش مثلًا؟ تقرضني أو أضع عندك داري هذه رهنًا على أن تقرضني بعد شهر مليون. أنا أجعلها قبل القرض. فالمشهور في مذهب الحنابلة أن هذا لا يجوز. لكن ليس هناك دليل ما يدل على المنع. فما دام أن التوثيق موجود لهذا الدين، فلهذا فلا بأس. فالتوثيق حاصل، فهو جائز. جائز. أحب جائز.