الدرس في كتاب البيوع 61، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الحجر ينتهي عند بلوغ سن الرشد، والرشد يعني الصلاح في المال وعدم التبذير. يشترط في الرشد أن يكون تصرف الشخص في ماله صحيحًا.
الرشد هو التصرف في المال بحكمة دون غبن فاحش أو تبديد في الحرام. الغبن اليسير مقبول ولا يدل على عدم الرشد.
يجب اختبار اليتيم قبل تسليمه ماله لمعرفة رشده، ويكون الاختبار بملاحظة تصرفه في المال. الاختبار يكون بما يليق بالشخص ومكانته.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ولا ينفك الحجر قبل شروطه». قال: «فلا ينفك الحجر عن الصبي»، ولا ينفك الحجر قبل شروطه. معنى هذه الشروط كما تقدمت، فالحجر لا ينفك عن الصبي حتى يبلغ ويرشد، ولا ينفك عن السفيه حتى يرشد، ولا ينفك عن المجنون حتى يعقل ويرشد. يعني لابد من الرشد، فلو بلغ الصبي حتى أصبح شيخًا، أو المرأة بلغت وتزوجت، فهذا لا يغير في الحكم شيئًا حتى يرشدوا؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، فلابد من الرشد. قال: «والرشد صلاح في المال». معنى الرشد هو الصلاح في المال، والصلاح ضد الفساد، والفساد هو السفه والتبذير. قال: «أنه صرف المال فيما لا فائدة فيه في دين ولا دنيا». وأخص من ذلك أن يكون يصرف هذه الأموال في الحرام، من شرب خمر أو غناء أو مجون أو غير ذلك من هذه المحرمات. وذهب الشافعية وبعض الحنابلة إلى أن الرشدة هو الصلاح في المال والصلاح في الدين. وعلى قولهم هذا، فالفاسق وإن كان قد صلح في تصرف ماله، فإنه أيضًا يحجر عليه لفسقه؛ قالوا: لأن الفاسق غير ثقة في تصرفه في ماله، إذا تصرف سيتصرف في الحرام. لكن الصحيح الذي عليه أكثر العلماء أن الرشدة متعلق بالتصرف في المال، فقد يكون الرجل فاسقًا وهو يتصرف في ماله تصرفًا صحيحًا. لكن إذا كان تصرفه في ماله تصرفًا غير صحيح، فهنا يلحق بالسفيه. فقد يكون الرجل منهمكًا في المعاصي، لكنه في ماله لا يطيع في الحرام ولا يبذر ماله. فلهذا القول الأول هو الصحيح: أن الرشد هو الصلاح في المال. قال: بأن معنى الرشد هو الصلاح في المال، بأن يتصرف مرارًا فلا يغبن غالبًا. معنى متى يقال: إنه رشد؟ متى يقال: إنه رشد؟ إذا كان تصرف في المال وعطي مالًا، ويقال له: اذهب فبايع واشتر أو غير ذلك مما هو لازم، ثم يكرر عليه هذا. مثلًا بعد أيام يقال له: اذهب واشتر كذا، اشتر بضاعة وبعها، وبع هذه البضاعة، فينظر فيه: هل قد رشد في التصرف في المال أو لا؟ فقال: «لا يغبن غالبًا»، يعني لا يخسر في الغالب، يعني يشتري شيئًا ويبيعه بربح. وهنا إن وقع منه الغبن أحيانًا لا بأس، لا يدل على أنه ليس براشد؛ لأن الغبن أحيانًا يقع للراشد ولغيره، ويرجع هذا الأمر إلى العرف. فإذا عطي مالًا واشترى مثل الناس وباع، فهذا تصرفه صحيح. والغبن هنا الذي يذكره الفقهاء ليس أي غبن، وإنما يريدون الغبن الفاحش، الخسارة الفاحشة في المال، يعني يذهب يشتري بضاعة الناس يشترونها مثلًا بثلاثة ملايين، هو يشتريها بخمسة ويبيعها بأقل، فهذا غبن شديد أو غبن فاحش. أما الغبن اليسير لا يسلم منه الإنسان، حتى الرشيد مثلًا شيء يساوي ثلاثة ملايين يشتريه بثلاثة ملايين وخمسمائة، هذا شيء يسير. قال: «ولا يبدد ماله في حرام». أيضًا إذا أعطي ماله، وهذا من الاختبار، ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، يعطى هذا المال، يرى هل يستطيع أن يتصرف، يبيع ويشتري، ينظر في أي شيء يأخذ هذا المال؟ فإذا كان لا يبدد ماله في حرام، ويتصرف تصرفًا صحيحًا، فهذا رشد. أما إذا كان يبدل المال في الحرام وفي غيره، فهذا يعتبر سفهًا، فالتبدير في الأمور المباحة سفه، فما بالك التبدير في المحرمات؟ فهو أولى بالسفه. قالوا: «في غير فائدة» كذلك إذا كان يتصرف في المال ويشتري مما لا فائدة فيه، لا في دين ولا في دنيا، بل قد يضره في الدنيا وقد يضره في الآخرة. قال: «وَلَا يُدْفَعْ إِلَيْهِ حَتَّى يُخْتَبَرْ»، لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾، أي: يختبرهم. والاختبار تقدم معنى أنه يعطى مالًا، ينظر إليه ماذا يشتري، ويعطى مالًا ينظر كيف يتصرف فيه. قالوا: «حتى يختبر قبل بلوغه». هذا الاختبار يكون قبل البلوغ، إذا رأى منه الرشد والبلوغ يختبره في البال، يعطيه مالًا إما يقول له: اذهب واشتر، أو يقول له: ينظر إلى تصرفه في هذا المال، فيكون هذا قبل البلوغ، حتى إذا بلغ ورأى منه الولي الرشد أعطاه ماله. ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، يبتلوهم، أي: يختبرهم. وهنا قال: «وَابْتَلُوا الْيَتَامَى»، واليتيم هو الذي لم يبلغ بعد، فلهذا الاختبار هذا يكون قبل بلوغه. وأيضًا هنا يقول: الاختبار يكون بما يليق به، معنى يختبره بما يكون على اللائق به، مثلًا إنسان مثلًا في ملك مثلًا أمير أو كذا عنده مال كثير، لا يقال له: اذهب وبيع واشتر؛ لأن هذا ليس مناسبًا له، وإنما يعطى مالًا ينظر كيف يتصرف في هذا المال. إذا كان أبوه تاجرًا يعطى مالًا يقال له: اتجر به. إذا كان الأمر ليس كذلك مثلًا يعطى مالًا يقال له: اشتر شيئًا، اشتر بضاعة كذا، فكل بحسب ما يليق.