الدرس في شرح منظومة الألبيري 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يخاطب الناظم المنصوح بلطف داعياً إياه لقبول النصيحة التي تقوده إلى أوفر الحظ وهو العلم الشرعي، مبيناً أن ثمرة هذا العلم هي نيل الإمامة في الدين والقدوة الحسنة التي يُطاع أمرها ونهيها مستدلاً بآيات قرآنية وقصة عمر بن الخطاب.
يبيّن المقطع أن طاعة العلماء واجبة بنص القرآن، وأن العلم نور يزيل غشاء الجهل ويهدي صاحبه للطريق المستقيم، كما يمنح العالم هيبة ومكانة سامية في مجالس الناس تجعله كالتاج بين جلسائه.
يبيّن المقطع كيف يرفع الله شأن العالم بالعلم وإن كان فقيراً أو ذا عاهة، مستشهداً بقصة عبد الله بن المبارك وآيات قرآنية وحديث «علم ينتفع به»، وأن ثمار العلم تنال صاحبه حياً وميتاً بإخلاص النية فيبقى ذكره الحسن ومآثره بين الناس بعد موته.
يختم الدرس ببيان أن العلم ينفع العبد في حياته وبعد مماته، وفي حضوره وغيابه، ويحث على الاعتناء بطلب العلم وحفظه لنيل هذه الثمار على أن يكمل الشرح في درس قادم.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وبعد، هل لا أحد عنده همة ونية ورغبة في حفظ هذه المنظومة؟ فهذا أمر طيب، كما تقدم معنا أن العلماء كانوا يحملون طلبتهم على حفظ هذه المنظومة لجودتها. فهل من حافظ؟ هل أحد يعزم على حفظها؟ هي مئة وخمسة عشر بيتا، مئة وخمسة عشر بيتا، لكن ألفاظها سهلة وتراكيبها كذلك سلسة، فإن شاء الله من نوى وعزم على حفظها فهذا أمر طيب. قال المؤلف أو الناظم رحمه الله تعالى: أبا بكر دعوتك لو أجبت إلى ما فيه حظك لو عقلت إلى علم تكون به إماما مطاعا إن نهيت وإن أمرت ويجلو ما بعينك من غشاها ويهديك الطريق إذا ضللت وتحمل منه في ناديك تاجا ويكسوك الجمال إذا عريتا بعدما وعظ الناظم المنصوح وذكره بمرور الأيام والليالي، وذكره بهاذم اللذات الموت، وبيّن له ما هو عليه من غفلة ومن بعد عن الاستقامة، شرع الناظم رحمه الله في ترغيبه في أمور الخير، فقال: «أبا بكر دعوتك لو أجبت». خاطبه بكنيته، خاطب المنصوح بكنيته، فالمنصوح يكنى بأبي بكر، وهذا من التلطف في الخطاب، إذ تلطف الناظم في خطابه مع ذلك المنصوح، فمناداة الشخص بكنيته هذا إكرام له، كما قال القائل: «أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه، فالسوأة اللقب». إذا أردت أن تكرم أحدا، أحدا، ناديته بأحب النداء إليه، وأحب النداء إلى الشخص في الغالب هو نداءه بكنيته: يا أبا فلان. فهنا الناظم خاطب المنصوح بكنيته، فقال: «أبا بكر»، وهذا فيه نداء، يعني بحذف أداة النداء، والتقدير: يا أبا بكر. وهذا جائز في اللغة، حذف حرف النداء والاكتفاء بالمنادى، كقوله تعالى: ﴿يُوسُفَ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف: 46]، أي يا يوسف. فقوله: «أبا بكر دعوتك»، أي دعوة ناصح ومشفق لأمر عظيم وخير عميم، فأنا أدعوك في بداية هذه النصيحة لتجيب، من أجل أن تجيب دعوتك لو أجبت، فإن أجبت هذه النصيحة إلى ما فيه حظك لو عقلت، يعني أن هذه النصيحة فيها حظك، أي أوفر الحظ والنصيب، فالمراد هنا بالحظ أي النصيب الأوفر، النصيب الأوفر. فمتى ما أخذت بهذه النصيحة فقد ظفرت بحظ عظيم وبنصيب عظيم. وقوله: «لو عقلت»، أي لو فهمته، وكذلك عقلته بعقلك وتمعنته تمعنا متفحصا عاقلا، فإذا كنت كذلك نلت أوفر الحظ، أي حظا وافرا. فما، فما هو هذا الأمر الذي أراد الناظم أن يحث ويرغب المنصوح فيه؟ بيّنه في البيت الذي بعده، فقال: «إلى علم تكون به إماما». هذا هو الحظ الأوفر والنصيب الأكبر الذي دعا الناظم المنصوح إليه: «إلى علم»، والمراد بالعلم هنا العلم الشرعي، لأن العلم إذا أطلق فيراد به العلم الشرعي، علم الكتاب والسنة، علم الكتاب والسنة. فدعاه إلى الحرص على العلم، «إلى علم»، أي علم الكتاب والسنة، ثم بيّن له فضائل هذا العلم وثمرات هذا العلم الذي يجنيها ويتحصل بها الأجر العظيم والحظ الوفير، فقال له: «إلى علم تكون به إماما»، يعني يوصلك إلى، أو يوصلك للتقدم على غيرك بأن تكون إماما، والإمام بمعنى القدوة، القدوة للناس، وهذه منزلة عظيمة ينالها العالم، ينالها العالم، فالإمام في الدين مطلب شرعي عظيم، مطلب شرعي عظيم، ولذلك من دعاء عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هون: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74]، واجعلنا للمتقين إماما، فالإمامة لا تنال إلا بالعلم، فمن أعظم أسس الوصول إلى الإمامة في الدين العلم، العلم الشرعي، ويدل على ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24]، فقوله: «يهدون بأمرنا»، يعني بالعلم الشرعي، فهو الذي يهتدي به الخلق، فهو الذي يهتدي به الخلق، ولذلك يقول الله عز وجل في ما ذكر لنا من نصيحة مؤمن آل ياسين أنه قال لقومه: ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: 20-21]، وهم مهتدون، فما وصلوا إلى هذه المنزلة إلا بالعلم، فالهدى هو العلم النافع، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، فسر الهدى بالعلم النافع، ودين الحق فسر بماذا؟ بالعمل الصالح، فسر بالعمل الصالح. فكما تقدم أن من أعظم ثمرات العلم الإمامة في الدين، فلا ينالها إلا العالم العامل، كما قال الله عز وجل في ما ذكر عن نبيه إبراهيم: قال ربنا عز وجل له: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: 124]، قال الله عز وجل لإبراهيم: «إني جاعلك للناس إماما»، فقال إبراهيم: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: 124]، يعني اجعل من ذريتي يا رب أئمة، فماذا قال الله عز وجل؟ قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124]، يعني الظالم الجاهل لا ينال الإمامة، لا ينال الإمامة، فالإمامة في الدين لا ينالها إلا العالم العامل، إلا العالم العامل المهتدي بعلمه، المهتدي بعلمه. ولذلك لو نظرت في الأئمة في هذا الدين، سواء كان أئمة الصلاة أو أئمة الإمارة أو أئمة كذلك العلم، كل هؤلاء جعلهم الشرع ممن لهم حظ ونصيب من العلم، فمن الذي يأم المسلمين في الصلاة؟ أعلمهم، أقرأهم لكتاب الله، بمعنى أعلمهم بكتاب الله، وكتاب الله هو أصل العلم، هو أصل العلم، فهو إمامهم، وهكذا في الإمارة يكون الإمام من ذوي العلم، فالله يرفعه بعلمه، كما جاء عند مسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما كان أميرا على المسلمين وكانت خلافته في المدينة، فاستعمل في مكة رجلا يقال له نافع ابن عبد الحارث، يقال له نافع ابن عبد الحارث، فالتقى عمر بنافع ابن عبد الحارث بعسفان، يعني قريب من المدينة، فقال عمر لهذا الوالي: «من تركت على أهل مكة؟» وكان أميرا على أهل مكة، يعني على أهل الوادي، أي مكة وما حولها، فقال له: «خلفت عليهم ابن أبزة»، قال: «ومن ابن أبزة؟» ما عرفه عمر، قال له: «مولى من موالينا»، قال: «خلفت عليهم مولى من موالينا؟» قال: «يا أمير المؤمنين، إنه حافظ للقرآن، عالما بالفرائض»، يعني أن عنده علما، فماذا قال عمر؟ أقر عمر قول نافع، فقال له: «لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين». انظر، هذا مولى من الموالي رفعه الله بماذا؟ بالعلم، فجعل إماما وقدوة وأميرا للناس في عهد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. فإذن، الأئمة لا يكونون أئمة، لا في الإمارة العامة ولا في الإمارة الخاصة، إلا بالعلم. «إلى علم تكون به إماما»، «تكون به إماما مطاعا إن أمرت وإن نهيت». أحسنت. ومعنى «مطاعا» يعني أن أمرك ونهيك يكون مسموعا عند الناس، وهذا هو حال العلماء، كلامهم يكون مسموعا ومقبولا لما علم الناس من هؤلاء من العلم والبصيرة بدين الله سبحانه وتعالى. ولذلك يقول ابن القيم عليه رحمة الله، كما في كتابه إعلام الموقعين، يقول وهو يتكلم على فضل العلم والعلماء: «وطاعتهم، أي العلماء، أفرط من طاعات الأمهات والآباء بنص الكتاب»، ثم ذكر قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]، «من هم الذين يستنبطونه منهم؟» هم العلماء، هم العلماء. يعني أثر ابن القيم يقول: «وطاعتهم، أي العلماء، أفرط، أفرط يعني أوجب، أفرط من طاعات الأمهات والآباء بنص الكتاب، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾». وهكذا يقول ابن بطة رحمه الله تعالى في طاعة العلماء: «وطاعتهم واجبة ومعصيتهم محرمة، ويحمى كلام العلماء»، هذا على طاعتهم في طاعة الله، على طاعتهم في طاعة الله سبحانه وتعالى. فإذا العالم يقبل قوله ويطاع فيما يأمر به ويطاع فيما ينهى عنه، فيكون ذا هيبة وذا وقار وسكينة، كما قيل عن الإمام مالك رحمه الله: «فهو المطاع وليس ذا سلطاني»، يعني ما عنده سلطان، ومع ذلك فإنه يطاع، وإنه يوقر، وإنه يسمع له، لماذا؟ لما أعطاه الله عز وجل من العلم. وانظر الآن إلى العلماء، إذا اختلف أناس أفراد أو جماعات، قالوا: «ماذا يقول العلماء في ذلك؟» اسألوا العلماء، وما يقوله العلماء لا يجادل فيه أحد، ولا كذلك يشك فيه أحد، فسرعان ما تقبله النفوس، لأن هذا الواجب الذي أمرنا الله سبحانه وتعالى به، فقال عز وجل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، وقال في الآية الأخرى كما تقدم: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ الآية. فهذا معنى قوله: «مطاعا إن نهيت وإن أمرت». ثم قال وهو يبين كذلك فوائد العلم وثمرات العلم: «ويجلو ما بعينك من غشاها، ويهديك الطريق إذا ضللت». في نسخة: «ويجلو ما بعينك من عشاها»، صح؟ هل أحد عندكم هذا؟ بدون الغين، لكن المشهور لما هو عندكم: «ويجلو ما بعينك من غشاها»، وغشاء العين أي الغطاء الذي قد يكون على العين فلا تبصر، فلا تبصر، وأراد هنا بالغشاء الغشاء المعنوي، يعني العلم يبصرك، العلم يبصرك ويرفع الجهل عنك، فالجاهل كالأعمى الذي لا يبصر الطريق. ولذلك مثل العلماء العالم في الناس بقوم في صحراء مظلمة، في صحراء مظلمة، ورجل منهم معه مصباح، معه مصباح، فهو يمشي وينير الطريق لهم، وهم يمشون خلفه فيقيهم من الوقوع في الحفر، ومن الوقوع على الشجر أو الحجر أو ما يضرهم. فهكذا العلم نور، والجهل ظلام، والجهل ظلام. وهذا الآن هو الواقع، انظروا لو ما معنا ضو في هذه الظلمة وقلنا لكم: «هيا انطلقوا»، ربما واحد يقع في الجدار هذا، والآخر يقع في الجدار الآخر، لكن لما فتحت الضو الآن نظرنا وبصرنا، هذا يعني مثال واقع يبارك الله فيه. فإذن قوله: «ويجلو»، معنى «يجلو» يعني يزيل، الجلال: الإزالة والتنقية والتصفية، فالعلم يبعد وينقي من الجهل، من الجهل. وهذا له أدلة كثيرة في الكتاب والسنة، قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: 122]، ميتا بماذا؟ ميتا بالجهل، فأحييناه بماذا؟ بنور العلم، فالعلم نور وحياة، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الشورى: 52]، نهدي به من نشاء، وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: 29]، يعني بالعلم يجعل لكم فرقانا تفرقون به بين الحق وماذا؟ والباطل. فإذا بالعلم تتبين لك الطريق، ولذا قال: «ويهديك الطريق إذا ضللت»، فالعلم عصمة من الضلال ومن الزيغ والانحراف، عصمة من شبه، من فتن الشبهات وفتن الشهوات. هذا له أمثلة كثيرة يطول ذكرها، على سبيل المثال ما جاء في قصة قارون، لما خسف الله، أو لما خرج على قومه في زينته، انقسم الناس في أمره إلى طائفتين: جهلة وعلماء، فماذا قال الجهلة؟ قالوا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: 79]، تمنوا أن يكون لهم مثل قارون، مع أنه جاحد لنعمة الله، كافر بالله عز وجل، فهم تمنوا أن يكونوا مثله، لكن أهل العلم والبصيرة ماذا قالوا؟ قالوا: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهُ إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: 80]، فخسف نبي وبداره الأرض، فمن الذي وقع في فتنة قارون؟ هم أهل الجهل، أما أهل العلم فوصفهم الله بهذا الوصف، وقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهُ إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: 80]، فإذن العلم عصمة من الفتن، ومن الشهوات والشبهات. ولذلك وصف الله عز وجل العلماء بأنهم أهل رسوخ وثبات على هذا الدين، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 7]، على قراءة الوصل، أما أهل الجهل فما حالهم عند ورود المشتبهات؟ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: 7]، والأمثلة على ذلك كثيرة. فإذن، إن أردت السلامة من الزيغ والضلال والانحراف والوقوع في الفتن، فعليك بماذا؟ بالعلم، كما قال الناظم هاهنا: «ويجلو ما بعينك من غشاها، ويهديك الطريقة إذا ضللت». وهذا أيضا من فوائد العلم، من فوائد العلم، فذكر في هذين البيتين ثلاثة من آثار العلم ومن فضائل العلم: الأول، الأول: الإمامة في الدين، في قوله: «إلى علم تكون به إماما»، والثانية: ذهاب غشاء العين، والثالثة: الهداية، الهداية، فهذا من ثمار وفضائل العلم. ثم قال: «وتحمل منه في ناديك تاجا، ويكسوك الجمال إذا عريت». ومعنى «وتحمل منه في ناديك تاجا»، أي من فوائد العلم أنك تحمل في ناديك، أي في مجالسك، فالنادي المراد به المجلس الذي يجتمع فيه العالم بالناس، هذا يسمى نادي، سندعو نادية، يعني جلساء، فقوله: «وتحمل منه في ناديك»، أي في مجالسك، تاجا، ما هو المراد بهذا التاج؟ تاج الوقار والعلم والنور والهيبة والاحترام، العالم له منزلة بين الناس، وله إجلال وتقدير واحترام، كما تعلمون من علماء السلف، يتنافس الناس في مجالسه وفي أخذ العلم منه، ويزدحمون على مجالسه، وربما اجتمعت له الجموع الكبيرة، فهو كالتاج بينهم. جاء في ترجمة عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى أنه جاء إلى خراسان، أو جاء إلى دار الخلافة، فسمع به الناس فأسرعوا وجروا كي يحضروا مجلسه، فنظرت أمة هارون الرشيد، أشرفت فرأت الناس تجري، فسألت: «ما هذا؟» قالوا لها: «هذا عالم قدم من خراسان، عالم من علماء خراسان»، فماذا قالت؟ قالت: «هذا الملك، لا ملك هارون الذي يجمع الناس على المال والشرط»، يعني على الترغيب بالمال وعلى القوة بما عنده من حراسة ونحو ذلك. فانظر كيف رفع الله عز وجل هذا العالم بين الناس، ومن الذي جعلهم يميلون وينجذبون إليه؟ هل عنده مال حتى يعطيهم؟ لا، هو فقير من علماء، هل عنده قوة ومن لم يحضر سيعاقبه أو يسجنه؟ أبدا، إن الذي جعل هؤلاء يجتمعون عنده هو العلم، العلم، فحقا كما قال الناظم: «وتحمل منه في ناديك تاجا». «ويكسوك الجمال إذا عريت»، أي أن العلم يجملك ويحسنك، وإن كنت ذا نقص في دنيا أو في خلقة أو في نسب، فإن الله عز وجل يرفعك بالعلم. أي «شو عريت»؟ «عريت» بفتح ماذا؟ «عريت» هكذا، طيب، يتأكد من هذا، أنا أحفظها «عريت» عندك «عريت» فتح العين وراء، «عريت»، «عريت»، طيب يتأكد من هذا. «ويكسوك الجمال إذا عريت»، قلنا أن العلم يرفع صاحبه، وإن كان ذا نقص في دنيا، في مال، في نسب، في خلقة، فإن الله عز وجل يرفع صاحب العلم، يرفع صاحب العلم. كم نسمع من موال صاروا علماء ويذكرون بالجميل، نافع مولى ابن عمر، ومر معنا ابن أبزة مولى من الموالي، رفعه الله بالعلم، فقد قال الله عز وجل: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]، وقال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، فرفع الله عز وجل من شأن ومنزلة العلماء. هناك عبارة كان يكررها شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى كثيرا في دروسه، يقول: «أنصح أصحاب العاهات بطلب العلم»، أصحاب العاهات يعني عنده شيء في خلقته، فإن الله عز وجل يرفعه بالعلم، ما تدري إلا ويقولون: «نريد فلان مدرسا عندنا في المسيح»، وربما يكون يعني أعمى، أو يكون أعرج، أو يكون مقطوع اليد، أو نحو ذلك من تلك العاهات، أو عنده قصر مفرط، أو طول مفرط، أو نحو ذلك، فيرفعه الله عز وجل بالعلم، يرفعه الله سبحانه وتعالى بالعلم، يزينه الله سبحانه وتعالى بالعلم، «ويكسوك الجمال إذا عريت»، تكون ذا جمال وحسن بهذا العلم، بهذا العلم. وهنا تنبيه: ليس معنى هذا أن طالب العلم يطلب العلم من أجل هذه المقاصد، انتبهوا، وإنما تحصل له هذه المقاصد، أو تحصل له هذه المنافع وهذه الثمار، دون أن يتطلع إليها، وإنما ينوي بتعلمه رفع الجهل عن نفسه ورفع الجهل عن غيره، هكذا ينبغي أن تكون نية طالب العلم، وإذا حصلت له هذه الثمار وهذه الفوائد من العلم تبعا فهذا لا شيء فيه، يكون إماما، يكون مطاعا، يكون ذا منزلة عند أهله وقومه، وعند، وعند الناس، لكن لا يكون قصده ونيته من أول الطلب ذلك، فهذا الغالب لا يوفق للاستمرار في طلب العلم، فالنية السيئة سبب وعائق من عوائق الطلب، وإنما تحصل هذه المنافع للطالب، وللطالب تبعا، تحصل له تبعا. ثم قال الناظم رحمه الله: «ينالك نفعه ما دمت حيا، ويبقى ذكره لك إن ذهبت». وهذا أيضا من ثمار ومنافع العلم، «ينالك نفعه ما دمت حيا»، أي تنتفع أنت بهذا العلم أولا، ترفع الجهل عن نفسك، وتبتعد عن كل ما يغضب ربك، لا يكون ذلك إلا بماذا؟ بالعلم، فتنال نفعه وأنت في الحياة، في نفسك، ثم في غيرك، وذلك بانتفاع الخلق من هذا العلم بتعليمهم، وب، بتدريسهم لهذا العلم، فهذا معنى قوله: «وينالك نفعه ما دمت حيا». بل ذكر العلم حتى نفعه الدنيوي، فلربما تكرم بعطايا وهدايا، وكذلك جعل، وهكذا انظر إلى طلاب العلم، كما يقال: «عملة صعبة في هذا الزمان»، كم من قرى، وكم من مدن، وكم من مساجد يطلبون طلاب علم، خطباء، أئمة، مدرسين، ويتكفلون بكل ما يحتاجون إليه، ولا نجد، فلا يضيع الله سبحانه وتعالى طالب العلم، كما كان يكرر ذلك الوادعي رحمه الله، وانظر إلى طلاب العلم، فإن المجتمع في أمس الحاجة إليهم، فهذا معنى قوله: «ينالك نفعه ما دمت حيا». ولم يقتصر نفع العلم في حياتك فحسب، بل قال: «ويبقى ذكره لك إن ذهبت»، وفي رواية: «ويبقى ذخره لك»، هل أحد عند هذه الرواية؟ دار، قل لهم معكم نسخة واحدة، عندك أنت نسخة، نفس النسخة. قول: «ويبقى ذكره لك إن ذهبت»، أن يبقى الذكر الجميل لك في الناس بعد موتك، ويصل أجر هذا العلم إلى قبرك، كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث»، ذكر منها: «علم ينتفع به»، هذا من بقاء العلم بعد موتك، «ويبقى ذكره لك إن ذهبت»، يعني إذا فارقت هذه الحياة. وبعضهم جعل الذهاب بمعنيين: الذهاب بمعنيين، الذهاب من مجلس كنت تحضر فيه، أو الذهاب بالموت، فإن كنت حاضرا انتفع الناس بهذا العلم، وإن كنت غائبا سافرت، فلا يزال الناس يذكرونك: «فلان كان يدرسنا، ناس استفدنا منه كذا وكذا»، يبقى ذكر الناس لك وأنت غائب عنه، وأنت مسافر عنه، فالذهاب يشمل هذا ويشمل الموت كذلك، وذلك بالذكر الحسن والانتفاع بهذا العلم. وانظر إلى سير العلماء، انظر إلى سير العلماء، كيف أنها باقية، وكذلك أن مآثرهم لا تزال موجودة بين الناس، بل وذكرهم لا يكاد ينقطع في مجالس الناس، على سبيل المثال: شيخ الإسلام بن تيمية، كم ينقل عنه أهل السنة؟ شيخ الإسلام بن القيم، محمد عبد الوهاب النجدي، الإمام البخاري، الإمام مسلم، كم نقول: «قال الإمام البخاري»، «قال الإمام مسلم»، «صححه الألباني»، «صححه الوادعي»، كم يذكر هؤلاء العلماء في مجالس أهل السنة؟ هم أموات، لكن ذكرهم لا يزال موجودا بين الناس، «ويبقى ذكره لك إن ذهبت». فهم وإن ماتوا فكأنهم أحياء بين الناس، كما قال: «قد مات قوم وما ماتت مآثرهم، وعاش قوم وهم في الناس أموات»، هم، كم من الناس يعيشون بيننا لكن ما لهم قيمة، ما يذكرون بشيء، لأنهم ما ينفعون الناس بشيء، ها، وكم من الناس ماتوا ولكن لا يزال ذكرهم بين الناس للذكر الجميل الذي أثروه من العلم والدعوة والنصح والنفع للخلق. فإذن، هذا من فوائد العلم ومن ثمار العلم، أن العبد ينتفع به في حياته، وكذلك بعد مماته، وفي حضوره، وكذلك في غيابه، فهذا كله حث من الناظم لهذا المنصوح على الاعتناء بالعلم والحرص على طلب العلم وحفظ العلم، حتى ينال ويقطف هذه الثمار. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر.